«نول البادية» في تدمر.. حكاية نساء يحفظن التراث ويصنعن فرص العمل

العروبة – خاص

في مدينة تدمر، حيث تتوارث النساء مهارات الحرف اليدوية جيلاً بعد جيل، تحولت الخيوط والتطريز وأعمال الكروشيه والمكرمية إلى فرصة للعمل والإنتاج، من خلال مشروع «نول البادية» الذي يجمع بين الحفاظ على الموروث الحرفي للمدينة وتمكين النساء اقتصادياً، ويوفر اليوم الدعم لأكثر من 100 أسرة.

وتقوم فكرة المشروع على الاستفادة من المهارات التي اكتسبتها نساء تدمر من أمهاتهن وجداتهن، وتطويرها وتحويلها إلى منتجات قابلة للتسويق، بما يفتح أمام الحرفيات فرصاً لتحسين دخلهن، ويمنح الصناعات التقليدية مساحة للاستمرار والوصول إلى أسواق جديدة.

من زيارة إلى تدمر بدأت الحكاية

تعود جذور فكرة «نول البادية» إلى زيارة أجرتها ماجدا بانتاليدو، من اليونان وإحدى المؤسستين المشاركتين في مؤسسة كرفان، إلى مدينة تدمر عام 2005، حين لفتت انتباهها المهارات التي تمتلكها النساء في الصناعات اليدوية.

وفي تصريح سابق لوكالة «سانا»، أوضحت بانتاليدو أنها عادت إلى تدمر بعد التحرير من النظام البائد، والتقت عدداً من النساء واطلعت على أعمالهن، لتبدأ بعدها خطوات تحويل الفكرة إلى مشروع يدعم إنتاجهن ويساعد على تسويقه.

وبيّنت أن العمل شمل إعداد مواد تعريفية وتسويقية بمساهمة مجموعة من الأصدقاء، بهدف التعريف بالمنتجات الحرفية وإبراز مهارات النساء المشاركات.

ولفتت إلى أن نساء تدمر أبدين تفاعلاً كبيراً مع المبادرة، وتمكنّ خلال فترة قصيرة من إنتاج تصاميم مميزة عكست قدراتهن الإبداعية.

مهارات متوارثة تتحول إلى منتجات

تعتمد تجربة «نول البادية» على حرف تقليدية تشمل الكروشيه والمكرمية والتطريز، وهي مهارات حافظت عليها النساء داخل المنازل، وانتقلت بين الأجيال بوصفها جزءاً من الحياة اليومية والموروث الاجتماعي في تدمر.

ومع انطلاق المشروع، أصبحت هذه المهارات أساساً لنشاط إنتاجي يتيح للحرفيات تطوير أعمالهن والاستفادة منها اقتصادياً، بدلاً من بقائها محصورة في الاستخدام المنزلي.

ويسعى المشروع إلى الجمع بين الخبرات التقليدية ومتطلبات الإنتاج والتسويق، مع المحافظة على الطابع التراثي الذي يميز الأعمال اليدوية التدمرية ويمنحها خصوصيتها.

دعم وتدريب وتوسيع فرص التسويق

لا يقتصر دور «نول البادية» على تشجيع النساء على ممارسة الحرف اليدوية، إذ يشمل توفير الدعم والتجهيزات اللازمة للإنتاج، والمساعدة في تسويق المنتجات، وبناء شبكة علاقات دولية للتعريف بهذه الصناعات وفتح آفاق جديدة أمامها.

كما يهتم المشروع بتدريب المشاركات في مجالي الإدارة وريادة الأعمال، بما يساعدهن على تطوير مهارات تنظيم العمل وإدارة الموارد والتسعير والتسويق.

وتسهم هذه الجوانب في تمكين الحرفيات من التعامل مع إنتاجهن بوصفه نشاطاً اقتصادياً قابلاً للتطوير، والاستفادة بصورة أفضل من مهاراتهن وخبراتهن.

وفي تصريح سابق لوكالة «سانا»، أوضحت لاريسا لفنتالس، من الولايات المتحدة وإحدى المؤسستين المشاركتين في مؤسسة كرفان، أنها عملت سابقاً في سوريا، وتسعى من خلال هذه التجربة إلى دعم النساء واستثمار مواهبهن في إنتاج منتجات قابلة للبيع، بما يسهم في تحسين دخلهن وتعزيز التنمية المجتمعية.

أكثر من 100 أسرة تستفيد من المشروع

يمتد أثر «نول البادية» إلى أكثر من 100 أسرة تستفيد من الدعم الذي يقدمه المشروع، في تجربة تبرز إمكانية تحويل المهارات المحلية إلى فرص اقتصادية تستند إلى خبرات موجودة بالفعل لدى النساء.

وتتيح المبادرة للحرفيات تطوير إنتاجهن والمشاركة في نشاط اقتصادي يرتبط ببيئتهن وموروثهن، إلى جانب اكتساب مهارات جديدة تساعدهن على إدارة أعمالهن والتعامل مع متطلبات التسويق.

كما تمنح التجربة النساء فرصة لتعزيز ثقتهن بقدراتهن الإنتاجية، وتوسيع مشاركتهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال أعمال ينجزنها بأيديهن.

حماية التراث الحرفي من الاندثار

يحمل مشروع «نول البادية» بعداً ثقافياً يرتبط بالحفاظ على الحرف التقليدية في تدمر، بما تمثله من جزء من هوية المدينة وذاكرتها الاجتماعية.

فأعمال التطريز والكروشيه والمكرمية تختزن خبرات تناقلتها النساء عبر الأجيال، وتعبّر عن جانب من الموروث المحلي الذي حافظ على حضوره داخل الأسر.

ويساعد ربط هذه الحرف بفرص الإنتاج والتسويق على تشجيع استمرار ممارستها، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لتعلمها وتطويرها، بما يعزز فرص بقائها في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وتقدم تجربة «نول البادية» في تدمر نموذجاً لمبادرة تستثمر في المهارات المحلية وتربط التمكين الاقتصادي بالحفاظ على التراث، إذ تتحول الحرف المتوارثة إلى منتجات وفرص عمل، فيما تواصل النساء نقل خبراتهن إلى الأجيال الجديدة، ليبقى الموروث الحرفي حاضراً في حياة المدينة ومستقبل أسرها.

المزيد...
آخر الأخبار