شبكات الكهرباء ملك للجميع.. وحمايتها واجب وطني ومجتمعي

مقال: جلال سليمان

يُعدّ توفر الكهرباء اليوم أحد أهم معايير استقرار المجتمعات ومؤشرات نموها، إذ أصبحت عصب الحياة اليومية، وأحد الأسس التي تقوم عليها الخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية، فهي تنير المنازل والمدارس، وتشغّل المستشفيات، وتساعد على توفير المياه

كما أنها تُعدّ عنصراً أساسياً في تشغيل المصانع الكبيرة والمتوسطة والورش الصغيرة والمحال التجارية. لذلك، لا يقتصر تأثير انقطاعها على تعطّل الأدوات المنزلية، بل قد يمتد إلى إرباك حياة الناس وتعطيل مصالحهم والخدمات العامة، بما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي.

وتزداد أهمية الكهرباء في المجتمعات الخارجة من الحروب أو التي تتعرض للكوارث، إذ تحتاج إليها لاستعادة خدماتها الأساسية والبدء بمسار التعافي.

وفي سوريا، وبعد سنوات طويلة من الحرب التي شنّها نظام الأسد على السوريين الذين خرجوا في ثورة ضده، وما رافقها من استهداف للبنية التحتية للكهرباء، إضافة إلى عمليات السرقة والنهب التي طالت الشبكات الكهربائية وخلّفت أضراراً جسيمة فيها، وضعت الدولة السورية الجديدة تأمين الكهرباء، من خلال إصلاح محطات التوليد وإعادة تأهيلها وصيانة خطوط التغذية، ضمن أولويات عملها الملحّة، إدراكاً منها أن كل خطوة نحو استقرار التغذية الكهربائية تدعم عودة الحياة إلى المدن والقرى، وتساعد على إعادة بناء المؤسسات واستئناف الأنشطة التي يعتمد عليها السكان.

ورغم الصعوبات والتحديات التي تواجه الدولة السورية الجديدة في توفير الكهرباء لكل منزل في سوريا، تأتي أعمال التعدي والتخريب لتزيد من حجم الأعباء الملقاة على عاتق مؤسسة الكهرباء وفرقها الفنية المنتشرة، التي تعمل على صيانة الشبكات وحمايتها وإعادة تأهيلها.

ولعل ما حدث في محافظة حمص قبل يومين يمثل مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تعرضت خطوط توتر متوسط تغذي قرى غزالة وآبل والمياه والإسكان، وتنطلق من محطة جنوب حمص قرب جسر كفرعايا، لعمليات تخريب وسرقة، وفق بيان للشركة السورية للكهرباء.

وبحسب البيان، تسببت هذه الاعتداءات بنشوب حريق كبير وإلحاق أضرار واسعة بالشبكة، ما أدى إلى انقطاع التغذية الكهربائية عن عدة مناطق جنوبي حمص، من بينها أحياء داخل المدينة.

وأوضحت الشركة أن ورشاتها تمكنت من إعادة التغذية الكهربائية إلى خطوط المدينة، فيما تستمر أعمال إصلاح الخط المغذي لقرى الريف، نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت به. وبين وقوع الضرر وعودة الخدمة، يجد السكان والمؤسسات أنفسهم أمام انقطاع يربك تفاصيل حياتهم اليومية ويؤخر أعمالهم ومصالحهم.

ومن البديهي أن الخسائر لا تتوقف عند ساعات انقطاع الكهرباء، إذ تتطلب عملية إصلاح الأضرار تحريك فرق الصيانة وتأمين الآليات والمعدات والمواد اللازمة، وكل ذلك يحتاج إلى وقت وجهد، فضلاً عن النفقات الإضافية التي تتحملها مؤسسة الكهرباء لاستبدال المكونات المتضررة، في حين كان من الممكن توجيه هذه الموارد إلى صيانة أجزاء أخرى من الشبكة أو تحسين الخدمة.

لذلك، فإن تكرار الاعتداءات يُبطئ تنفيذ خطط إصلاح الشبكات الكهربائية وتطويرها، وقد يؤدي إلى تأخر استقرار التغذية في المناطق المتضررة لفترات طويلة.

بالتأكيد إن حماية شبكة الكهرباء مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطنين، فهي مرفق عام يعود نفعه على الجميع، ولا تقتصر مسؤولية الحفاظ عليها على جهة بعينها.

ويمكن للأهالي الإسهام في حمايتها من خلال الإبلاغ عن أعمال العبث والتخريب والسرقات والتعديات على خطوط التغذية. وفي المقابل، تقع على المؤسسات المعنية مسؤولية متابعة هذه الاعتداءات ومحاسبة المتورطين فيها، وتعزيز حماية خطوط النقل والتوزيع، ولا سيما في المناطق التي تتكرر فيها الاعتداءات على الشبكات الكهربائية.

وما نطرحه في هذا المقال ليس مجرد كلمات تُقرأ، وإنما دعوة إلى كل سوري يتطلع إلى رؤية سوريا الجديدة مستقرة ومتقدمة، فمهما اشتدت الظروف المعيشية التي يمر بها السوريون، فإن الفقر لا يبرر الاعتداء على شبكات الكهرباء أو سرقة كابلاتها، لأن هذه الشبكات ملك للجميع، والإضرار بها يزيد معاناة الناس ويؤخر تحسن الخدمات.

وليس من المبالغة القول إن حماية كل كابل وكل جزء من الشبكة تمثل استثماراً في استقرار حياة الناس والحفاظ على المال العام. فكل اعتداء يُمنع يوفر تكاليف الإصلاح، ويختصر فترات الانقطاع، ويتيح للفرق الفنية التركيز على تطوير الخدمة.

وما حدث في حمص يوضح أن تخريب خط كهربائي واحد قد تمتد آثاره إلى قرى ومؤسسات عديدة. لذلك، يصبح الحفاظ على هذه الشبكة واجباً عاماً وخطوة ضرورية نحو تغذية كهربائية أكثر استقراراً وخدمة أفضل للجميع.

المزيد...
آخر الأخبار