العروبة – خاص
كشف مدير الاتصال الحكومي في وزارة العدل، براء عبد الرحمن، في تصريح خاص لـ«العروبة»، عن قرب محاكمة وائل محمد حسن، المعروف باسم يائل الحسن والملقب بـ«عقيد مهين»، على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في ريف حمص الشرقي خلال فترة حكم النظام البائد، تشمل المشاركة في هجمات عسكرية، والإشراف على عمليات اعتقال وتعذيب وإعدام داخل مستودعات مهين العسكرية.
ويأتي الإعلان عن المحاكمة المرتقبة بعد أكثر من عام على تداول أنباء اعتقال حسن، ونشر وزارة الداخلية اعترافات مصورة لثلاثة ضباط سابقين في قوات النظام البائد، تضمنت تفاصيل عن عمليات اعتقال وقتل وتعذيب، إلى جانب شهادات لعائلات فقدت أبناءها خلال العمليات العسكرية والأمنية التي شهدتها المنطقة.
وتعيد القضية إلى الواجهة ملف الانتهاكات المرتبطة بمستودعات مهين وريفها، وسط مطالبات من عائلات الضحايا بكشف مصير المفقودين وتحديد المسؤوليات القانونية عن الجرائم المنسوبة إلى المتهمين.
وزارة العدل: اتهامات بالقتل والتعذيب والإعدام
أوضح عبد الرحمن أن حسن شغل سابقاً منصب قائد مستودعات مهين العسكرية في ريف حمص الشرقي، وتولى قيادة ميليشيا الدفاع الوطني في منطقة الشعيرات، مشيراً إلى أن المستودعات كانت تضم ترسانة من الأسلحة والذخائر التي استُخدمت في العمليات العسكرية ضد المدنيين السوريين.
وبيّن أن الاتهامات الموجهة إلى حسن تشمل المشاركة في هجمات عسكرية استهدفت مناطق عدة في ريف حمص الشرقي، بينها مهين وصدد والقريتين، وصولاً إلى الفرقلس.
وأضاف أن الاتهامات تتضمن إقامة مركز اعتقال داخل مستودعات مهين، والإشراف على عمليات تعذيب وإعدام داخله، فضلاً عن ارتكاب أعمال قتل وتعذيب بحق مدنيين في المنطقة.
وتشكل هذه الاتهامات، بحسب ما ورد في تصريح وزارة العدل، أساساً للملف الذي يُنتظر عرضه أمام القضاء، للنظر في الوقائع المنسوبة إلى المتهم وتحديد مسؤوليته القانونية عنها.
من قيادة المستودعات إلى اتهامات الانتهاكات
ارتبط اسم حسن، وفق شهادات نشرها ناشطون من ريف حمص الشرقي، بحملات أمنية وعسكرية شهدتها المنطقة منذ آذار 2012 وحتى معركة «أبواب الله لا تغلق» في تشرين الأول 2013.
وتحدثت الشهادات عن مداهمة منازل واعتقال عشرات الشبان من مهين والقريتين وحوارين ومناطق مجاورة، ونقلهم إلى المعتقلات، قبل أن تفقد عائلات عديدة الاتصال بأبنائها، فيما لم يعد بعضهم إلى منازلهم.
وأشار ناشطون إلى أن حسن كان مسؤولاً عن مستودعات السلاح في جبل مهين، وربطوا اسمه بعمليات قصف استهدفت مهين والقريتين والمناطق المحيطة بهما.
كما تضمنت شهاداتهم اتهامات بمشاركته في عمليات تهريب وفساد خلال فترة حكم النظام البائد، من دون أن تتضمن المعلومات المتاحة ما يشير إلى صدور أحكام قضائية بشأن هذه الاتهامات.
وشملت الوقائع التي تحدث عنها الأهالي استخدام القوة العسكرية ضد التجمعات السكانية، في منطقة شهدت عمليات عسكرية متكررة ترافقت مع النزوح والتهجير.
ويرى ناشطون من المنطقة أن تولي حسن قيادة مستودعات عسكرية تضم كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، إلى جانب مسؤوليته عن حملات عسكرية، يضعه ضمن أبرز الأسماء التي يطالب الأهالي بالتحقيق في دورها في الانتهاكات التي شهدها ريف حمص الشرقي.
اعتقال حسن ووجيه إبراهيم في آب 2025
في آب 2025، تداول ناشطون مشاهد قيل إنها توثق لحظة إلقاء القبض على حسن، إلى جانب وجيه إبراهيم، الذي كان يتولى مسؤولية أمن مستودعات مهين، وفق المعلومات المنشورة عن القضية.
وأظهرت المشاهد الرجلين داخل سيارة تابعة للأمن أثناء نقلهما، في سياق عملية أمنية استهدفت ملاحقة ضباط سابقين في قوات النظام المخلوع متهمين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في ريف حمص الشرقي.
وأفادت منشورات متداولة حينها بأن الأمن الداخلي ألقى القبض على العقيد يائل الحسن، المعروف أيضاً بلقب «الجبل»، مدير مستودعات مهين، برفقة عدد من الضباط.
وذكرت المنشورات أن المعتقلين متهمون باعتقال أبناء المنطقة دون محاكمات، وارتكاب انتهاكات بحقهم، إلى جانب المشاركة في قصف المناطق المحيطة بجبل مهين.
وأعاد انتشار مشاهد الاعتقال تسليط الضوء على ملف المفقودين والمعتقلين من أبناء المنطقة، بعدما تحدثت عائلات عن فقدان الاتصال بأبنائها منذ اعتقالهم خلال سنوات الثورة السورية.
وعبّر ناشطون عن أملهم في أن تسهم ملاحقة المتهمين في كشف ملابسات تلك الوقائع، وتحديد مصير المفقودين، والوصول إلى المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
اعترافات ثلاثة ضباط بشأن الاعتقالات والقتل والتعذيب
في 29 أيلول 2025، نشرت وزارة الداخلية السورية تسجيلات تضمنت اعترافات ثلاثة ضباط سابقين في قوات النظام البائد، هم العقيد يائل حسن، والنقيب وجيه أحمد إبراهيم، والملازم أول مصطفى ظاهر الخضر.
وتناولت التسجيلات وقائع تتعلق بعمليات اعتقال وقتل وتعذيب في منطقة مهين وريفها، خلال فترة سيطرة قوات النظام البائد على المنطقة.
وبحسب ما نشرته الوزارة، كان حسن يتولى قيادة مستودعات مهين، إلى جانب مسؤوليته عن الحملات العسكرية في مهين والقريتين، فيما شغل إبراهيم منصب المسؤول الأمني عن المستودعات، وتولى الخضر قيادة كتيبة الطوارئ المسؤولة عن عمليات الاعتقال ونصب الكمائن.
وتضمنت الاعترافات المنسوبة إلى حسن إقراره بتنفيذ عمليات اعتقال طالت عشرات المدنيين ونقلهم إلى أحد الفروع الأمنية، بناءً على توجيهات وتعليمات مباشرة من الفرع 261.
كما تحدث عن نقل أشخاص إلى مستودعات مهين لاستجوابهم وانتزاع اعترافاتهم، مشيراً إلى تعرضهم للتعذيب داخلها، فيما ذكر أن بعض الحوادث التي شهدت تبادلاً لإطلاق النار انتهت بوقوع وفيات نُقلت جثامين أصحابها إلى المشفى العسكري في حمص.
واقعة قتل ستة أشخاص في صدد
من أبرز الوقائع التي وردت في التسجيلات المنشورة، إقرار منسوب إلى حسن بقتل ستة أشخاص كانوا يستقلون سيارة من نوع «بيك آب» برفقة سائق.
ووفق التفاصيل الواردة في الاعترافات، نقل حسن الأشخاص إلى بلدة صدد، وتحديداً إلى منطقة الأقنية الرومانية، حيث أطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر أمام السائق، ثم ألقى جثثهم في إحدى القنوات، قبل إحالة السائق إلى الفرع 261.
وفي التسجيلات نفسها، تحدث النقيب وجيه إبراهيم عن وصول إعلام النظام المخلوع إلى موقع الحادثة بعد أيام، وانتشال جثث القتلى الستة وتصويرهم على أنهم مدنيون قتلهم الثوار.
وبحسب رواية إبراهيم المنشورة، فإن ما جرى تقديمه إعلامياً عن الحادثة خالف الوقائع التي تحدث عنها في اعترافاته.
وتعد هذه الواقعة من أبرز الاتهامات الواردة في التسجيلات، لما تتضمنه من تفاصيل عن قتل مدنيين ومحاولة تقديم رواية مغايرة بشأن المسؤولية عن مقتلهم، وهي تفاصيل يبقى التحقق القضائي منها وتحديد المسؤوليات المرتبطة بها من اختصاص الجهات القضائية.
مقتل النقيب المنشق نديم العمار
تطرقت الاعترافات أيضاً إلى حادثة تتعلق بإحضار ثلاثة أشخاص إلى المجموعة التي كان يتبع لها النقيب وجيه إبراهيم، كان اثنان منهم قد قُتلا، فيما كان الثالث مصاباً بجروح بالغة.
ووفق الرواية المنشورة، تواصل إبراهيم مع حسن بشأن المصاب، الذي عُرّف بأنه النقيب المنشق نديم العمار، فتلقى منه أمراً بالإجهاز عليه، قبل أن يُقتل لاحقاً.
وتتقاطع هذه الرواية مع شهادة أدلى بها عبد الحكيم العمار، شقيق النقيب نديم، تحدث فيها عن تعرض شقيقه لكمين أثناء عودته.
وقال عبد الحكيم إن معلومات وصلت إلى العائلة أفادت بأن قوات النظام نقلت شقيقه إلى مستودعات مهين، وأن النقيب وجيه إبراهيم تولى تصفيته لاحقاً.
وتشكل هذه الشهادات والروايات جزءاً من الوقائع التي تستدعي التحقيق القضائي لتحديد ملابسات مقتل العمار والمسؤوليات الفردية المرتبطة بالقضية.
أساليب تعذيب داخل مواقع الاحتجاز
كشف الملازم أول مصطفى ظاهر الخضر، في الاعترافات التي نشرتها وزارة الداخلية، عن أساليب تعذيب قال إنها استُخدمت بحق المعتقلين داخل مواقع الاحتجاز.
وشملت الأساليب التي تحدث عنها الضرب والشبح وصب الماء الساخن على أجساد المعتقلين، وإطفاء السجائر في أيديهم أو على أجسادهم.
كما تضمنت الاعترافات الإشارة إلى استخدام فحم الأرجيلة في التعذيب، وإشعال أكياس النايلون وتذويبها على أقدام الموقوفين، إلى جانب مشاركة ضباط وعناصر في عمليات التعذيب.
وتشير الوقائع الواردة في التسجيلات إلى اتهامات باستخدام مستودعات مهين، التي أُنشئت أساساً لتخزين الأسلحة والذخائر، في عمليات احتجاز واستجواب وتعذيب.
وتنتظر عائلات الضحايا أن تخضع هذه الاتهامات للتحقيق القضائي، بما يتيح التحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة والشهادات.
شهادات الأهالي.. سنوات من انتظار المفقودين
تضمنت التسجيلات التي نشرتها وزارة الداخلية شهادات لذوي ضحايا تحدثوا عن اعتقال أبنائهم وفقدانهم أو مقتلهم خلال العمليات الأمنية والعسكرية التي شهدتها المنطقة.
وفي إحدى الشهادات، قالت سيدة إن ابنها اعتُقل على يد حسن، وإنها بقيت تنتظر عودته دون أن تراه مجدداً، في شهادة تعكس معاناة عائلات لا تزال تجهل مصير أبنائها.
وتحدثت سيدة أخرى عن فقدان خمسة من أبنائها، مشيرة إلى أن أكبرهم، محمد عموري، اعتُقل على يد حسن.
وفي شهادة أخرى، روت والدة محمد قاسم السليمان أن ابنها اعتُقل على الطريق بين مهين وصدد، أثناء توجهه إلى المسجد للصلاة والإفطار.
وحددت الأم توقيت الحادثة عند الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة من يوم 27 رمضان، مؤكدة أن ابنها لم يعد إلى المنزل منذ ذلك الحين.
كما تحدث عبد الحكيم العمار عن ملابسات مقتل شقيقه النقيب المنشق نديم العمار، والمعلومات التي وصلت إلى العائلة بشأن نقله إلى مستودعات مهين وتصفيته.
وتبرز هذه الشهادات حجم المعاناة التي عاشتها عائلات المفقودين، والحاجة إلى التحقيق في كل واقعة بصورة مستقلة، بما يساعد على كشف المصير وتحديد المسؤوليات القانونية.
من الاعترافات إلى المساءلة القضائية
عقب نشر الاعترافات في أيلول 2025، أكد القيادي في الأمن الداخلي محمد عبد القادر أن قوى الأمن الداخلي نفذت عملية في منطقة حمص، أسفرت عن اعتقال عدد من الضباط المتهمين بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة في مهين.
وأوضح أن العملية جاءت ضمن جهود ملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، والعمل على محاسبتهم وفق الإجراءات القانونية.
وتعيد تصريحات وزارة العدل الأخيرة القضية إلى الواجهة، مع الكشف عن قرب محاكمة وائل محمد حسن، في ظل تقاطع الاتهامات الواردة في التصريح مع وقائع سبق أن تناولتها اعترافات الضباط السابقين وشهادات الأهالي.
وتشكل المحاكمة المرتقبة خطوة في مسار النظر القضائي بالاتهامات المتعلقة بالعمليات العسكرية والاعتقالات والتعذيب والقتل في ريف حمص الشرقي، والتحقق من الأدلة والشهادات المرتبطة بها.
كما تترقب عائلات الضحايا ما قد تكشفه الإجراءات القضائية من معلومات بشأن مصير المفقودين وملابسات مقتل أبنائها، بعد سنوات من الانتظار.
ويبقى الفصل في الاتهامات وتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام من اختصاص القضاء، وفق الأدلة والإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، بما يكفل حقوق الضحايا والمتهمين ويعزز مسار المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات الحرب.