حكاية شهيد: محمود اللوز.. من تيرمعلة إلى جبهات الثورة حكاية إعلامي وثّق المعارك حتى استشهاده

العروبة – خاص

 

في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 2015، استشهد الناشط الإعلامي محمود اللوز متأثراً بإصابته خلال تغطيته المعارك على جبهة تيرمعلة في ريف حمص الشمالي، بعدما أمضى سنوات متنقلاً بين الجبهات لتوثيق المعارك والقصف، متحدياً المخاطر والإصابات التي تعرض لها خلال عمله الميداني.

 

وُلد محمود عام 1992، وكان طالباً جامعياً عند انطلاق الثورة السورية، قبل أن يتجه إلى العمل الإعلامي وينقل أخبار الجبهات إلى وسائل الإعلام. وخلال مسيرته، ساعد عدداً من زملائه على تعلم أساسيات التصوير والتغطية الميدانية، تاركاً أثراً في تجاربهم المهنية استمر بعد رحيله.

 

وبعد أحد عشر عاماً على استشهاده، تستعيد «العروبة» سيرته من خلال شهادتي شقيقه محمد اللوز، وزميله ورفيق دربه الناشط الإعلامي كنان عز الدين، إلى جانب كلمات والده عبد الفتاح اللوز التي نشرها في ذكرى رحيله.

 

من تيرمعلة إلى خطوط المواجهة

 

مع تصاعد المعارك في ريف حمص الشمالي، اختار محمود اللوز العمل الإعلامي الميداني، في مرحلة كانت فيها تغطية الأحداث محفوفة بالمخاطر، وتعرض خلال سنوات نشاطه لإصابات عدة، بينها إصابات في محيط حاجز التمثال عام 2012، وفي معركتي الهلالية وكتيبة زور السوس.

 

ورغم إصاباته المتكررة، عاد إلى العمل بعد تعافيه، مواصلاً توثيق الأحداث على الجبهات ونقل تفاصيل المعارك والقصف.

 

محمد اللوز: سيرة إنسانية وفاجعتان متتاليتان

 

في حديث خاص لـ«العروبة»، يستعيد محمد اللوز جانباً من شخصية شقيقه محمود بعيداً عن ساحات المعارك، ويصفه بأنه كان خلوقاً واجتماعياً ومحباً للخير، وقريباً من الفقراء والضعفاء والنازحين، وحريصاً على مساعدتهم والوقوف إلى جانبهم.

 

ويقول محمد إن شقيقه كان باراً بوالدته، حنوناً على شقيقاته، ومتواضعاً في تعامله مع الآخرين، واعتاد تفقد أقاربه والسؤال عن أحوالهم، كما جمعته علاقات واسعة بأصدقائه ورفاقه في الميدان.

 

ويستذكر توافد الأصدقاء والمعارف إلى منزل العائلة للاطمئنان على محمود بعد كل إصابة يتعرض لها، في مشهد يعكس، بحسب وصفه، المحبة التي حظي بها بين أبناء منطقته ورفاقه.

 

وعن المعركة الأخيرة، يروي محمد أن يوم 24 تشرين الأول 2015 شهد مواجهات عنيفة إثر محاولة تقدم آلية مجنزرة مدرعة باتجاه تيرمعلة من جهة مزرعة الفردوس، بمرافقة عناصر من الميليشيات الطائفية.

 

ويوضح أن الاشتباكات اندلعت بين القوة المهاجمة والمدافعين عن المنطقة، ووصلت المواجهات إلى مسافات قريبة، فيما حاول بعض المقاتلين الصعود إلى الآلية وتعطيلها.

 

وبحسب روايته، انتهت المعركة بتراجع القوة المهاجمة، لكنها أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى، كان محمود من بينهم.

 

وخلال تغطيته المواجهات، أصيب محمود بعدة رصاصات في بطنه، ونُقل إلى مشفى الرستن لتلقي العلاج، إلا أن حالته كانت حرجة، وفارق الحياة صباح 25 تشرين الأول متأثراً بجراحه.

 

فقدان شقيقين خلال أيام

 

كانت عائلة اللوز تعيش فاجعة أخرى سبقت استشهاد محمود بأيام قليلة، بعدما فقدت ابناً آخر هو خالد اللوز، الذي عمل طبيباً وإعلامياً في ريف حمص الشمالي.

 

ويروي محمد أن والدته كانت لا تزال تحت وقع صدمة فقدان خالد عندما وصل خبر إصابة محمود، فقرر إخفاء الأمر عنها أملاً في تحسن حالته وعودته إلى المنزل.

 

لكن استشهاده صباح اليوم التالي وضع العائلة أمام فاجعة ثانية، ومهمة صعبة لإبلاغ الأم برحيل ابنها الآخر.

 

ويستذكر محمد أنه أبقى الخبر بعيداً عنها حتى اليوم التالي، وفصل الإنترنت عن المنزل خشية وصول النبأ إليها قبل أن تتمكن العائلة من إبلاغها، ثم استعان بالأقارب لمساعدته في نقل الخبر.

 

وكان وقع الفاجعة مضاعفاً، وفق روايته، لأن محمود نفسه هو من أبلغ والدته باستشهاد شقيقه خالد، قبل أن تفقده بعد أيام قليلة، بينما كانت لا تزال تعيش ألم رحيل ابنها الأول.

 

وتحتفظ العائلة بذكرى محمود من خلال أحاديث أصدقائه الإعلاميين والمواد التي وثقت عمله، ومنها مشاهد ظهرت في أعمال وثائقية، بينها فيلم «قصة المجد» الذي تناول صمود تيرمعلة في مواجهة الحملة العسكرية.

 

كما يستذكر محمد ظهور صورة محمود إلى جانب صورة شقيقه خالد ضمن صور شهداء الإعلام العسكري في المعرض العسكري لوزارة الدفاع، وهو مشهد ترك أثراً عميقاً لدى أفراد الأسرة.

 

ويرى أن تضحيات الشهداء تضع على عاتق الأجيال التي بقيت بعدهم مسؤولية الحفاظ على المبادئ التي ضحوا من أجلها، وصون ذكراهم، والعمل من أجل سوريا تحفظ كرامة أبنائها وحقوقهم.

 

كنان عز الدين: رفيق الميدان الذي علّمني التصوير

 

بالنسبة إلى الناشط الإعلامي كنان عز الدين، كان محمود اللوز رفيقاً في العمل الميداني ومعلماً ساعده على اكتساب أساسيات التصوير والتغطية الإعلامية خلال بداياته.

 

وفي تصريح خاص لـ«العروبة»، يستعيد عز الدين بداية علاقتهما عام 2012، عندما كان يتعلم العمل الإعلامي، بينما امتلك محمود خبرة سابقة في التصوير وتوثيق المعارك.

 

ويروي أن محمود كان يشرح له كيفية التعامل مع الكاميرا، وطرق التصوير، وآليات نقل الأحداث من الميدان، مستفيداً من تجربته في تغطية الجبهات.

 

ويتذكر انطلاقهما معاً من منزل عائلته لتغطية إحدى المعارك، قبل أن تتواصل مشاركتهما في تغطية مواجهات عدة بريف حمص الشمالي.

 

ويؤكد عز الدين أن توجيهات محمود أسهمت في خطواته الأولى في المجال الإعلامي، وأن ما تعلمه منه بقي جزءاً أساسياً من تجربته المهنية، وحاضراً في ذاكرته بعد سنوات من رحيله.

 

مواقف من جبهات حمص

 

من أبرز المحطات التي يستعيدها عز الدين مشاركتهما في معركة حاجز سوق الغنم، ضمن العمليات التي استهدفت فك الحصار عن أحياء حمص.

 

وخلال إحدى مراحل المواجهة، توزع الإعلاميون على نقاط مختلفة لتغطية الأحداث، ووجد عز الدين نفسه في موقع بعيد عن محمود، قبل أن يتعرض المكان الذي كان فيه للحصار من ثلاث جهات، مع بقاء منفذ واحد للانسحاب.

 

ويقول إن تجاوز الخطر والعودة من تلك المواجهة بقيا من الذكريات التي يصعب نسيانها، مشيراً إلى أن محمود كان من أكثر الأشخاص انتظاراً لوصولهم واطمئناناً على سلامتهم.

 

ويضيف أن اهتمام رفيقه شمل متابعة أحوال زملائه والحرص عليهم، إلى جانب التزامه بتوثيق المعارك ونقل أخبارها.

 

وبعد انتهاء المعركة، شارك محمود وعز الدين وعدد من أبناء القرية في تشكيل مكتب إعلامي لتيرمعلة، تولى تغطية الأحداث في المنطقة.

 

واستمر محمود في العمل ضمن المكتب قبل أن يغادر ريف حمص الشمالي مطلع عام 2013، متنقلاً بين القصير والقلمون ويبرود والشمال السوري، ثم عاد لاحقاً إلى المنطقة واستأنف نشاطه الإعلامي، بما في ذلك تغطية المعارك على جبهة أم شرشوح التي أصيب فيها.

 

ويصف عز الدين رفيقه بأنه كان شديد الالتزام بعمله، حريصاً على نقل تفاصيل القصف والاشتباكات، ومستعداً لتحمل مخاطر التغطية الميدانية لإيصال ما يجري إلى الآخرين.

 

الساعات الأخيرة وذكرى لا تغيب

 

عن الساعات الأخيرة من حياة محمود، يوضح عز الدين أنه لم يكن إلى جانبه خلال المعركة التي أصيب فيها، بعدما تعرض هو نفسه لإصابة في اليوم السابق حالت دون مشاركته.

 

ويقول إنه علم بإصابة رفيقه الحرجة، قبل أن يصله صباح اليوم التالي خبر استشهاده، ليفقد الشخص الذي رافقه في بداياته الإعلامية وساعده على تعلم أساسيات المهنة.

 

وبعد أحد عشر عاماً، يؤكد عز الدين أن ذكرى محمود تتجدد في تفاصيل عمله الإعلامي، من خلال الخبرات التي اكتسبها منه والمواقف التي جمعتهما خلال سنوات التغطية الميدانية.

 

عبد الفتاح اللوز: عهد بألا تغيب الذكرى

 

وفي الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد محمود، نشر والده عبد الفتاح اللوز منشوراً عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، استعاد فيه رحيل ابنه خلال المواجهات التي شهدها ريف حمص الشمالي في تشرين الأول 2015، مؤكداً أن مرور السنوات لم ينهِ ألم الفراق.

 

وتبقى سيرة محمود اللوز حاضرة في شهادات عائلته ورفاقه والمواد التي وثقها خلال سنوات الثورة، شاهدة على تجربة إعلامي اختار نقل الأحداث من مواقع المواجهة، وأسهم في تعليم زملائه، قبل أن يستشهد وهو يؤدي عمله على جبهة تيرمعلة، تاركاً وراءه صوراً وذكريات تحفظ جانباً من حكاية ريف حمص الشمالي خلال سنوات الحرب.

المزيد...
آخر الأخبار
إكسسوارات تصنعها أنامل محبة.. حكاية سيدة من حمص بدأت مشروعها بعد التقاعد حكاية شهيد: محمود اللوز.. من تيرمعلة إلى جبهات الثورة حكاية إعلامي وثّق المعارك حتى استشهاده «عقيد مهين» أمام القضاء قريباً.. وزارة العدل تكشف لـ«العروبة» اتهامات القتل والتعذيب نقيب أطباء الأسنان في حمص لـ«العروبة»: خارطة لتوزيع العيادات وحلول مطروحة لخدمة الريف والاختصاصات النشرة الرياضية: حمص الفداء يتغلب على المحافظة.. و165 لاعباً ولاعبة في بطولة الجمهورية للجودو 2737 متقدماً لمسابقة الخارجية السورية.. خطوة نحو تجديد الكوادر وبناء دبلوماسية أكثر فاعلية اقتصاد العروبة: الدولار عند 122 ليرة والذهب عيار 21 بـ16150 ليرة.. واستثمارات وخدمات في حسياء تعيين 10 أعضاء في المكتب التنفيذي المؤقت لمحافظة حمص.. اختصاصات وخبرات تتوزع على القطاعات الخدمية وا... شبكات الكهرباء ملك للجميع.. وحمايتها واجب وطني ومجتمعي «نول البادية» في تدمر.. حكاية نساء يحفظن التراث ويصنعن فرص العمل