أطفال اللجوء يعودون إلى سوريا.. وطن يعرفونه وعائلات يلتقونها للمرة الأولى

العروبة – جلال سليمان

كشفت عودة عائلات سورية إلى محافظة حمص بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء عن جانب إنساني من آثار الغربة، تمثل في صعوبة تأقلم بعض الأطفال الذين وُلدوا أو نشؤوا خارج سوريا مع أقاربهم، بعدما اقتصرت معرفتهم بهم على الصور والمكالمات الهاتفية، دون أن تتاح لهم فرصة بناء علاقات عائلية مباشرة خلال سنوات طفولتهم.

وتسلط «العروبة» الضوء على هذا الجانب من معاناة أطفال الثورة السورية، دون إغفال ما واجهوه من تحديات أخرى شملت النزوح وفقدان الأهل وانقطاع التعليم والمشكلات الصحية والعمل في سن مبكرة، من خلال شهادات عائلات عادت إلى مناطقها، ورأي مختص في التربية الخاصة حول سبل مساعدة الأطفال على التأقلم مع محيطهم الاجتماعي.

عودة بعد 16 عاماً من الغياب

عادت رجاء قبل أيام برفقة زوجها وأطفالها الأربعة من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى منطقة الحولة بريف حمص، لزيارة أهلها بعد غياب دام نحو 16 عاماً.

وكانت رجاء قد سافرت إلى الإمارات عام 2010 برفقة زوجها الذي يعمل حلاقاً هناك، قبل أن تحول سنوات الثورة السورية وما رافقها من عنف مارسه نظام الأسد البائد دون عودتها إلى بلدتها ولقاء أهلها.

وقالت رجاء، في حديث خاص لـ«العروبة»، إنها لم تكن تتخيل أن يأتي يوم تتمكن فيه من العودة إلى سوريا ورؤية من تبقى من أفراد عائلتها، ولا سيما في ظل الظروف التي وصلت إليها الثورة السورية قبيل معركة «ردع العدوان».

وأوضحت أن مشاعر الشوق والحنين والفرح رافقتها منذ دخول الأراضي السورية عبر محافظة درعا، إلا أن تصرفات أطفالها خلال لقاء أقاربهم أثارت لديها مشاعر مختلطة، وجعلتها تدرك أن سنوات الغياب تركت آثاراً لم تكن تتوقعها.

أطفال يعرفون أقاربهم عبر الهاتف

أشارت رجاء إلى أن أطفالها الأربعة وُلدوا في الإمارات، وهم ياسر البالغ من العمر 15 عاماً، وأمل 13 عاماً، وليان 11 عاماً، وثائر البالغ ست سنوات.

وبيّنت أنها حرصت طوال سنوات الغربة على إبقاء أطفالها على تواصل مع أقاربهم في سوريا عبر وسائل الاتصال الحديثة، لكنها اكتشفت عند العودة أن هذه المعرفة لم تكن كافية لتكوين علاقات قريبة بينهم.

وقالت إنها لم تتخيل أن تضطر يوماً إلى تعريف أطفالها على أبناء عمومتهم وسائر أقاربهم الذين وُلدوا وكبروا خلال سنوات الثورة في سوريا.

ولفتت إلى أن أبرز ما لاحظته على أطفالها كان الخجل والتحفظ في التعامل مع الأقارب، وترددهم في اللعب مع أقرانهم، وتفضيلهم البقاء مع بعضهم بدلاً من الاختلاط بالأطفال الآخرين.

وأضافت أن سؤالهم المتكرر عند رؤية أحد الأقارب كان: «من هذا يا أمي؟»، رغم أنهم اعتادوا مشاهدة وجوه هؤلاء الأقارب وسماع أصواتهم عبر الهاتف طوال السنوات الماضية.

وتساءلت رجاء عما إذا كان أطفالها يعرفون أقاربهم فعلاً، أم أن معرفتهم بهم بقيت محصورة في وجوه وأصوات مألوفة لا ترتبط لديهم بذكريات وتجارب مشتركة.

غياب العائلة الكبيرة عن حياة الأطفال

شكّلت سنوات الثورة والحرب والنزوح واللجوء تحديات واسعة أمام الأطفال السوريين، ولا سيما الذين وُلدوا خارج البلاد أو قضوا سنوات نشأتهم بعيداً عن مناطقهم وعائلاتهم.

ولم تقتصر آثار هذه الظروف على التعليم والصحة والاستقرار المعيشي، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية والأسرية، بعدما نشأ أطفال بعيداً عن أجدادهم وأعمامهم وأخوالهم وأبناء عمومتهم.

وبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، لم تكن العائلة الكبيرة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، إذ غابت الزيارات العائلية واللقاءات المباشرة والمناسبات التي تتيح عادة بناء العلاقات بين الأقارب منذ الصغر.

ومع مرور السنوات، اعتاد بعضهم دائرة اجتماعية محدودة تضم أفراد الأسرة المقيمين معهم، بينما بقيت صلاتهم بالأقارب في سوريا أو بلدان اللجوء الأخرى مرتبطة بالمكالمات والصور والأحاديث التي ينقلها الوالدان.

وتبرز آثار هذا الغياب عند العودة، حين يجد الأطفال أنفسهم أمام أفراد عائلة تربطهم بهم صلات قرابة، لكنهم لم يعتادوا وجودهم في حياتهم اليومية.

12 عاماً من الغربة غيّرت ملامح العائلة

تختصر تجربة جهاد أبو زيد، المعروف بـ«قاشوش الحولة»، جانباً آخر من التحولات التي أحدثتها سنوات الغربة في العلاقات العائلية.

وقال أبو زيد لـ«العروبة» إنه عاد إلى بلدته الحولة في ريف حمص بعد سقوط نظام الأسد البائد بأشهر قليلة، منهياً غربة استمرت 12 عاماً.

وأوضح أنه رُزق خلال سنوات الغربة بطفلين، ليصبح عدد أبنائه خمسة، جميعهم عاشوا وكبروا خارج سوريا.

وأشار إلى أنه بدأ فور عودته بزيارة أقاربه الذين لم يلتقِ بهم منذ سنوات طويلة، لكنه فوجئ بأنه لم يعد يتعرف إلى معظم شبان العائلة من أبناء عمومته وأبناء أخواله.

وبيّن أنه غادر سوريا عندما كان كثير منهم أطفالاً صغاراً، وعاد ليجدهم شباباً، وبعضهم تزوج وأصبح رب أسرة.

وأضاف أن سنوات الغياب لم تؤثر في علاقته بأقاربه وحده، بل امتدت إلى أبنائه الذين وجدوا أنفسهم أمام عائلة كبيرة لم يعتادوا وجودها خلال نشأتهم في تركيا.

ولفت إلى أن أبناءه عاشوا بعيدين عن أقاربهم الذين بقوا في سوريا أو انتقلوا إلى بلدان أخرى، ما جعل علاقاتهم العائلية المباشرة محدودة طوال سنوات الغربة.

العودة إلى عائلة غيّرتها السنوات

تعكس تجربة أبو زيد جانباً من التحولات التي تطرأ على العلاقات الأسرية خلال سنوات الفراق الطويلة، إذ لا يبقى أفراد العائلة على حالهم مع مرور الوقت.

فالأطفال الذين تركهم المغتربون صغاراً أصبح بعضهم شباباً، وتزوج آخرون وأنجبوا أطفالاً، فيما تغيرت ظروف أفراد العائلة وأماكن إقامتهم وعلاقاتهم اليومية.

وعند العودة، لا يواجه المغترب مجرد استعادة علاقات قديمة، بل يجد نفسه أمام واقع عائلي مختلف يحتاج إلى التعرف إليه من جديد.

وتبدو هذه التجربة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الأطفال الذين لم يعيشوا أصلاً بين أفراد عائلاتهم الكبيرة، إذ يلتقون أشخاصاً يعرفون أسماءهم وصلات قرابتهم، لكنهم لا يمتلكون معهم ذكريات مشتركة.

صلة القرابة لا تكفي لبناء الألفة

أوضح الباحث عدنان حسون، الحاصل على إجازة في التربية الخاصة ودبلوم في التخاطب من جامعة عين شمس في مصر، أن صلة القرابة وحدها لا تكفي لجعل الطفل يشعر بالألفة تجاه أشخاص لم يعش معهم أو يعتد وجودهم في حياته.

وقال حسون، في تصريح لـ«العروبة»، إن المودة والعلاقات الاجتماعية تنمو من خلال اللقاءات المباشرة والأحاديث والمواقف والتجارب المشتركة بين أفراد العائلة.

وبيّن أن الأطفال الذين قضوا سنوات طويلة بعيداً عن أقاربهم قد يحتاجون إلى وقت للتأقلم معهم، مؤكداً أن هذا السلوك مفهوم، ولا ينبغي تفسيره مباشرة بوصفه مشكلة نفسية أو سلوكية.

وأشار إلى أن صعوبة التأقلم مع الأقارب تمثل أحد الجوانب الإنسانية لمعاناة الأطفال الذين عاشوا سنوات النزوح واللجوء، وتحتاج إلى تفهم الأسرة ومساعدتها بدلاً من الضغط عليهم.

التأقلم يحتاج إلى الوقت والتدرج

دعا حسون العائلات التي عادت إلى سوريا، أو التي تفكر في العودة بعد سنوات طويلة من الغربة، إلى مراعاة احتياجات أطفالها الاجتماعية والنفسية خلال مرحلة التعرف إلى الأقارب والتأقلم مع البيئة الجديدة.

وأوضح أن من الأفضل منح الأطفال فرصة بناء علاقاتهم مع أفراد العائلة بصورة تدريجية، دون إجبارهم على الاختلاط المباشر أو مطالبتهم بإظهار الألفة منذ اللقاء الأول.

وأشار إلى أهمية تنظيم زيارات عائلية متكررة، وإتاحة المجال للأحاديث العفوية والأنشطة والمناسبات المشتركة، بما يساعد الأطفال على التعرف إلى أقاربهم من خلال التجارب المباشرة.

وأضاف أن تكرار اللقاءات يمنح الطفل فرصة الانتقال من معرفة الأقارب بالأسماء والصور والمكالمات الهاتفية إلى بناء علاقات حقيقية معهم.

وبيّن أن الوجوه التي اعتاد الطفل رؤيتها عبر الهاتف يمكن أن تصبح مع الوقت جزءاً من حياته اليومية، عندما تتوافر فرص التواصل والتفاعل بصورة طبيعية.

تحديات لغوية وسلوكية لدى بعض الأطفال العائدين

تحدث حسون عن حالات تعامل معها في عياداته ومراكزه لأطفال قدموا من الخارج، مشيراً إلى أنه لاحظ لدى عدد منهم صعوبات واضطرابات، ولا سيما في مجال اللغة والتواصل.

وعزا بعض هذه الحالات، وفق ملاحظاته المهنية، إلى محدودية فرص التفاعل الاجتماعي لدى بعض الأطفال خلال سنوات إقامتهم خارج سوريا، ولا سيما في الأسر الصغيرة التي تقتصر على طفل أو طفلين.

وأوضح أن بعض الأطفال الذين تعامل معهم أظهروا أيضاً مظاهر سلوكية شملت الخجل والخوف وصعوبات التواصل، إلى جانب مشكلات لغوية أو نشاط حركي زائد.

وأشار إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات وضعف فرص التفاعل المباشر مع البيئة المحيطة قد يسهمان في بعض الصعوبات التي يواجهها الأطفال، مؤكداً أهمية الخبرات الاجتماعية والحسية في نموهم وتطور مهاراتهم.

ولفت إلى أن اختلاف البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الأطفال خارج سوريا عن البيئة التي يعودون إليها قد يفرض عليهم تحديات إضافية في التكيف مع العلاقات اليومية وأنماط التواصل.

وتبقى هذه الملاحظات مرتبطة بالحالات التي تعامل معها الباحث، ولا تعني بالضرورة أن جميع الأطفال العائدين من الخارج يعانون اضطرابات لغوية أو سلوكية.

سنوات الغياب تركت مسافة بين الأقارب

أكد حسون أن المسافة الاجتماعية التي نشأت بين بعض الأطفال وأقاربهم تمثل إحدى النتائج التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح واللجوء.

وأوضح أن تباعد العائلات بين المدن والبلدان حرم كثيراً من الأطفال فرص اللقاء المنتظم بأقاربهم وبناء علاقات مباشرة معهم خلال سنوات نشأتهم.

وأشار إلى أن تجاوز هذه المسافة يحتاج إلى الوقت والتواصل المستمر وتفهم الفروق بين الأطفال في قدرتهم على التأقلم مع المحيط الاجتماعي الجديد.

وبيّن أن عودة العائلات إلى مناطقها تتيح فرصة لاستعادة العلاقات الأسرية، لكن بناء الألفة لدى الأطفال يحتاج إلى تجارب مشتركة تتشكل تدريجياً، ولا يتحقق بمجرد اجتماع أفراد العائلة في مكان واحد.

هل انتهت غربة الآباء وبدأت غربة الأبناء؟

تكشف شهادات العائلات العائدة إلى حمص عن جانب من آثار الغربة الطويلة التي لم تنتهِ بمجرد العودة إلى الوطن، إذ وجد بعض الآباء أنفسهم أمام تحدٍّ جديد يتمثل في مساعدة أطفالهم على التعرف إلى أقاربهم وبناء علاقات لم تتح لهم فرصة تكوينها خلال سنوات اللجوء.

فبين فرحة الآباء بالعودة إلى منازلهم ولقاء أهلهم، يواجه بعض الأبناء واقعاً اجتماعياً جديداً، يضم أشخاصاً يعرفونهم من الصور والأحاديث، لكنهم يحتاجون إلى الوقت ليصبحوا جزءاً مألوفاً من حياتهم.

وتؤكد هذه التجارب أن معالجة الآثار الإنسانية للنزوح واللجوء لا تقتصر على العودة الجغرافية، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الروابط الاجتماعية والأسرية، ومساعدة الأطفال على التأقلم مع محيطهم.

وبين غربة عاشها الآباء بعيداً عن الوطن، وغربة قد يشعر بها الأبناء بين أقاربهم، تبقى اللقاءات المتكررة والتفهم والصبر وسائل أساسية لتقريب المسافات التي صنعتها سنوات الفراق.

المزيد...
آخر الأخبار
تربية حمص تستعرض واقع التعليم منذ التحرير.. توسع في المدارس وعودة الطلاب وتحديات التأهيل والتمويل بدر أمام مجلس وزراء النقل العرب: سورية تعيد تأهيل شبكات النقل وتستفيد من الخبرات العربية لتعزيز الرب... سوريا تشارك في الدورة الـ105 للجنة الدائمة للإعلام العربي.. الخلف: تفتح آفاقاً للتعاون وتعزز حضور ال... أطفال اللجوء يعودون إلى سوريا.. وطن يعرفونه وعائلات يلتقونها للمرة الأولى النشرة الرياضية: حمص الفداء يتفوق على الطليعة وتكريم هادي عباس واستحقاقات آسيوية وأوروبية الضغط الدراسي بين طموح التفوق ومخاطر الإنهاك النفسي.. مسؤولية مشتركة للأسرة والمدرس اقتصاد العروبة: مؤشرات الأسواق مستقرة وحمص تشهد نشاطاً تجارياً ورقابياً وصناعياً تغيير مواقف السرافيس في حمص.. معاناة يومية للركاب والسائقين ومطالب بإعادة تنظيم النقل إنتاج الرمان في حمص يرتفع إلى 667 طناً.. إرشادات لحماية المحصول وتحديات في التسويق من مدفأة الحطب إلى شاشات الهواتف.. كيف تغيرت الجلسات العائلية في حمص؟