العروبة – خاص
ارتبط اسم مدينة حمص بروح الدعابة وخفة الظل التي اشتهر بها أهلها، حتى أصبحت النكات والمقالب الطريفة جزءاً من صورتها في الذاكرة الشعبية، وحضوراً مألوفاً في الأحاديث والمجالس والعلاقات الاجتماعية، حيث تتحول المواقف اليومية البسيطة إلى حكايات يتناقلها الأصدقاء والجيران جيلاً بعد جيل.
وفي الأسواق والمقاهي والمطاعم والبيوت، حافظت الفكاهة الحمصية على مكانتها بوصفها وسيلة للتقارب الاجتماعي وتخفيف ضغوط الحياة، إذ يجد الحمصيون في المواقف الطريفة مساحة للضحك، حتى في الأوقات التي تثقلها الأزمات والظروف المعيشية الصعبة.
وتكشف حكايات يرويها عدد من أبناء المدينة عن جانب من هذا الموروث الشعبي، الذي يجمع بين سرعة البديهة والمقالب الودية والتعليقات الساخرة، ويعكس حضور الفكاهة في تفاصيل الحياة الاجتماعية.
مقالب الأصدقاء.. حكايات لا تغيب عن الذاكرة
يستعيد أبو عمار، أحد كبار السن في حمص، ذكريات المقالب التي كانت تجمع الأصدقاء والجيران، مشيراً إلى أنها شكلت جانباً من الحياة الاجتماعية، وكانت حاضرة في الجلسات والعزائم والمناسبات.
ومن المواقف التي يتذكرها اتفاق مجموعة من الأصدقاء على تدبير مقلب لأحد رفاقهم داخل مطعم، إذ يطلبون الطعام ويجلسون معاً، ثم يغادرون تباعاً بطريقة تترك صديقهم في حيرة من أمره، قبل أن يعودوا لاستكمال المزحة وسط الضحك.
وأوضح أن مثل هذه المواقف كانت تتحول لاحقاً إلى حكايات يتندر بها الأصدقاء كلما التقوا، وتبقى تفاصيلها حاضرة في ذاكرتهم سنوات طويلة.
ولم تكن الغاية من تلك المقالب إحراج الآخرين أو الإساءة إليهم، وفق ما يرويه أبو عمار، وإنما صناعة موقف طريف يعزز الألفة ويضيف إلى اللقاءات الاجتماعية أجواء من المرح.
مقلب الحساب.. عندما ينسى الجميع محافظهم
من المقالب التي يتناقلها الحمصيون أيضاً حكاية الأصدقاء الذين يتفقون مسبقاً على التظاهر بنسيان محافظهم عند موعد دفع حساب المطعم.
وما إن يضع النادل الفاتورة على الطاولة حتى يبدأ المشهد؛ أحدهم يفتش جيوبه مدعياً أنه لا يحمل نقوداً، وآخر يتذكر فجأة أنه ترك محفظته في المنزل، فيما يؤكد ثالث أنه لم يكن مستعداً لدفع الحساب.
ويجد الصديق المستهدف نفسه أمام الفاتورة وحيداً، وسط محاولات رفاقه إقناعه بأن عليه تدبير المبلغ، قبل أن يكشفوا اتفاقهم على المقلب، لتنتهي الحكاية بالضحك والممازحات.
وغالباً ما كانت هذه المواقف تتحول إلى مناسبة جديدة للقاء، إذ يجتمع الأصدقاء حول المشاوي والكباب في البيوت العربية، وتصبح المزحة مدخلاً إلى عزيمة أخرى تعزز العلاقات بينهم.
من الصيدلية إلى الأسواق.. الموقف العابر يصنع نكتة
لا تحتاج الفكاهة الحمصية دائماً إلى مقلب مخطط له، فقد يتحول حوار عابر بين شخصين إلى موقف مضحك يستعيدانه لاحقاً في مجالسهما، ويروي أحد أصحاب المحال التجارية حكاية شخص قصد الصيدلية المجاورة لمحله، فوجدها مغلقة وسأله عنها.
وبينما أصر الزائر على أن الصيدلية مغلقة، استمر صاحب المحل في الإجابة بأنها مفتوحة، ليتكرر الحوار بينهما بصورة طريفة، ويصبح الأخذ والرد نفسه سبباً للضحك.
وتعكس هذه الحكاية جانباً من الدعابة القائمة على سرعة الرد والمفارقة اللفظية، وهي من السمات الحاضرة في كثير من النهفات التي يتداولها أبناء حمص.
الفكاهة وسيلة للتعامل مع الظروف الصعبة
يرى عمر أن الحمصيين يمتلكون قدرة على تبسيط الأمور والتعامل مع المواقف الصعبة بروح مرحة، حتى عندما تحيط بهم الأزمات والمآسي.
وأوضح أن النكتة تشكل بالنسبة إلى كثيرين وسيلة للتخفيف من ضغوط الحياة واحتواء المواقف اليومية، من خلال تحويل بعض التفاصيل المزعجة إلى مادة للضحك بدلاً من الاستغراق في التوتر.
من جهته، يعزو عبد المالك هذه الروح إلى طبيعة أبناء المدينة وما اعتادوه من خفة ظل وسرعة بديهة، وقال معبراً عن ذلك: «نحن هكذا، الله خلقنا بهذه الروح»، في إشارة إلى حضور الدعابة في حياة الحمصيين وعلاقاتهم الاجتماعية، وقدرتهم على إيجاد مساحة للمرح في مختلف الظروف.
لماذا ارتبط الحمصيون بالنكات الشعبية؟
تعددت الحكايات التي حاولت تفسير ارتباط اسم حمص بالفكاهة، وتناقل الناس عبر الأجيال روايات عن عادات أهل المدينة وطبيعة تعاملهم مع الزوار وأبناء المدن الأخرى.
ويستعيد أحد كبار السن وصف الحمصيين بـ«المجانين»، الذي شاع في بعض الحكايات الشعبية، مشيراً إلى روايات ربطت هذه التسمية باختلاف العادات وأساليب اللباس بين أبناء حمص وبعض الزوار، ولا سيما القادمين من دمشق.
ومن بين الروايات المتداولة حكايات عن استقبال بعض الزوار بالضرب بالعصي اعتراضاً على طريقة لباسهم، وهي قصص تنتمي إلى الموروث الشفهي ولا تتوافر في هذه الروايات أدلة تاريخية تثبت تفاصيلها.
ويشير الراوي إلى أن الحمصيين تعاملوا مع الأوصاف الساخرة التي أطلقت عليهم بروح مرحة، واستعادوا في بعض حكاياتهم الشعبية التمييز بين الجنون و«المجذوب بحب الله»، في تعبير يرتبط بالتصورات الشعبية عن البساطة والعفوية.
كما تتداول بعض الروايات تفسيرات تاريخية تربط نشأة الصورة الفكاهية عن الحمصيين بفترات قديمة، من بينها زمن هجمات المغول، غير أن هذه التفسيرات تبقى حكايات شعبية تحتاج إلى توثيق تاريخي قبل اعتمادها تفسيراً لنشأة النكات المرتبطة بالمدينة.
عزيمة على النية.. والأكل على الله
من الحكايات المتداولة في المجالس الحمصية قصة رجل دعا صديقه إلى وليمة، وعندما وصل الضيف اكتشف أن الطعام لم يُحضّر بعد، وحين استغرب الضيف غياب الطعام، أجابه صاحب الدعوة: «نحنا عازمينك على النية، والأكل على الله».
وتقوم الطرافة في هذه الحكاية على المفارقة بين توقع الضيف وجود وليمة جاهزة، ورد صاحب المنزل الذي يحوّل الموقف إلى نكتة.
وتشبهها حكايات أخرى عن أصدقاء يدبرون مقالب بسيطة، كإرسال أحدهم لشراء غرض غير موجود أصلاً، ثم الاستمرار في وصف المحال والشوارع التي يُفترض أن يجده فيها، وبعد رحلة طويلة من البحث، يكتشف الصديق أنه وقع ضحية مقلب، ليتحول غضبه إلى ضحك عندما يعرف الحقيقة.
النكتة الحمصية تتجاوز حدود المدينة
امتد حضور النكات المرتبطة بالحمصيين إلى خارج مدينتهم، وأصبحت جزءاً من الأحاديث الشعبية المتداولة في مدن ومجتمعات أخرى، ومنها المجتمع اللبناني، وتنوعت موضوعات هذه النكات بين المقالب والمفارقات اليومية وسرعة البديهة، حتى أصبحت بعض الحكايات تُروى دون ارتباط مباشر بأشخاص أو أحداث محددة.
ومن المواقف الطريفة المتداولة حكاية رجل حمصي كان يجلس في أحد المقاهي، فسأله صديقه مازحاً: «ليش يا أبو فلان الحماصنة بيحبوا يحكوا كتير ويمزحوا؟»، فأجابه بسرعة: «لأنو إذا سكتنا شوي، بتفكرونا زعلنا منكن!».
وتعكس هذه الحكاية نمطاً من الفكاهة يعتمد على الرد السريع وتحويل السؤال العادي إلى مفارقة مضحكة.
انقطاع الكهرباء.. أزمة تتحول إلى نهفة
لم تقتصر الفكاهة الحمصية على المقالب التقليدية، إذ وجدت الأزمات الخدمية والمعيشية طريقها إلى النكات والتعليقات الساخرة التي يتبادلها الأهالي، ومع انقطاع الكهرباء، يتندر أحدهم قائلاً: «اكتشفنا أن عنا عيلة بالبيت، مو بس شواحن وموبايلات».
وتقوم الطرافة هنا على تحويل مشكلة انقطاع الكهرباء إلى فرصة ساخرة للحديث عن انشغال أفراد الأسرة بالهواتف والأجهزة الإلكترونية، في مفارقة تجمع بين المعاناة اليومية والضحك.
وتكشف هذه التعليقات عن حضور الفكاهة في التعامل مع المشكلات المتكررة، من خلال صياغة عبارات قصيرة تختصر الموقف وتمنحه طابعاً ساخراً.
غلاء الأسعار.. زيارة البضاعة بدلاً من شرائها
وجد ارتفاع الأسعار مكاناً بارزاً في قاموس النكات اليومية، بعدما أصبح شراء كثير من السلع يشكل عبئاً على ميزانيات الأسر، ومن التعليقات المتداولة أن أحد الزبائن، عندما يسأله البائع عما يريد شراءه، يجيبه مازحاً: «أنا بس جاي سلّم على البضاعة، مو اشتريها!».
وتختصر العبارة جانباً من الضغوط المعيشية المرتبطة بارتفاع الأسعار، إذ تتحول صعوبة الشراء إلى موقف ساخر يفهمه البائع والزبون معاً، وتعتمد هذه النهفات على مفارقات مستمدة من الواقع، ما يجعلها قريبة من تجارب الناس اليومية وقابلة للتداول في الأسواق والمجالس.
المياه والمواصلات.. معاناة يومية بروح ساخرة
لم تغب مشكلات المياه والمواصلات عن أحاديث الحمصيين الساخرة، إذ تحولت صعوبة الحصول على الخدمات إلى مادة للتندر، وفي تعليق على أزمة المياه، يقول أحدهم: «اعتبرونا ساكنين على شاطئ البحر، بس ناقصنا البحر والميّ!».
أما انتظار السرافيس وتأخر وسائل النقل، فيختصره تعليق طريف يبرر فيه أحدهم تأخره قائلاً: «كنت ناطر السرفيس، بس شكله ناطرني أتقاعد لحتى يجي!»، وتعكس هذه العبارات أسلوباً في التعبير عن المشكلات الخدمية من خلال المبالغة الساخرة والمفارقة، مع الاحتفاظ بالإشارة إلى المعاناة التي يعيشها المواطنون.
ضحكة تحفظ الألفة وتخفف أعباء الحياة
تكشف الحكايات والمواقف التي يرويها أبناء حمص عن حضور الفكاهة في ذاكرتهم الاجتماعية، من المقالب التي تجمع الأصدقاء إلى النكات التي تنشأ من تفاصيل الأسواق والمقاهي والبيوت.
ومع تغير الظروف وتبدل موضوعات المزاح، انتقلت الدعابة من المقالب والعزائم إلى التعليقات المرتبطة بالكهرباء والمياه وغلاء الأسعار والمواصلات، مع استمرار اعتمادها على سرعة البديهة والمفارقة والقدرة على تحويل الموقف اليومي إلى حكاية طريفة.
وتبقى النكتة الحمصية جزءاً من الموروث الشعبي للمدينة، ووسيلة للتواصل والتقارب بين أبنائها، تحمل في بعض الأحيان نقداً ساخراً للواقع، وتمنح الناس مساحة للتخفيف من الضغوط التي تواجههم.
وبين حكايات الماضي ونهفات الحاضر، يواصل الحمصيون تداول قصصهم الطريفة، لتبقى الضحكة حاضرة في مجالسهم وعلاقاتهم اليومية، حتى عندما تكون الحكاية التي تثيرها مرتبطة بتجربة صعبة أو همّ معيشي مشترك.