العروبة – خاص
أعاد إعلان وزارة الصحة السورية تسجيل إصابتين بفيروس شلل الأطفال لدى طفلين في منطقة الميادين بمحافظة دير الزور تسليط الضوء على أحد الأمراض الفيروسية التي تهدد صحة الأطفال، وتبرز أهمية التحصين المبكر واستكمال جرعات اللقاح للوقاية من مضاعفاته التي قد تصل إلى الشلل الدائم.
ويُعد شلل الأطفال مرضاً معدياً يصيب الإنسان نتيجة التعرض لفيروس شلل الأطفال، ويستهدف بصورة رئيسية الأطفال دون سن الخامسة، مع إمكانية إصابة الأشخاص غير المحصنين من مختلف الأعمار. وتكمن خطورته في قدرة الفيروس على مهاجمة الجهاز العصبي في نسبة محدودة من الحالات، والتسبب بضعف عضلي أو شلل قد يستمر مدى الحياة.
وتكتسب التوعية بطبيعة المرض وطرق انتقاله وأعراضه أهمية خاصة في ظل تسجيل إصابات جديدة، إذ يساعد التعرف المبكر إلى العلامات التحذيرية والالتزام بالتطعيم على حماية الأطفال والحد من انتقال العدوى داخل المجتمع.
إصابتان مؤكدتان في دير الزور وإجراءات للتلقيح
أعلن وزير الصحة السوري مصعب العلي، الأحد 8 تشرين الثاني 2026، تسجيل إصابتين بفيروس شلل الأطفال لدى طفلين في منطقة الميادين بمحافظة دير الزور، بعد تأكيد الإصابة مخبرياً.
وأوضح الوزير أن أكثر من 34 ألف طفل دون سن الخامسة تلقوا اللقاح خلال الحملة الأولى في المنطقة التي ورد منها البلاغ، بينهم أطفال لم يسبق لهم الحصول على أي جرعة لقاح.
وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقدته وزارة الصحة بمشاركة ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا كارولين كلارينفال، وممثلة منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» ميريتشيل ريلانيو أرانا، ومدير الرعاية الصحية الأولية محمد السالم، ومدير الأمراض السارية وغير السارية ياسر فروح.
وخصص المؤتمر لتقديم إحاطة بشأن جهود مكافحة المرض والإجراءات الصحية المتخذة عقب تسجيل الإصابتين.
وكانت وزارة الصحة قد أطلقت، بدعم من منظمة الصحة العالمية و«يونيسف»، وبتمويل من التحالف العالمي للقاحات والتحصين «غافي»، حملة تلقيح خلال الفترة الممتدة من 31 آذار حتى 26 نيسان 2026.
واستهدفت الحملة نحو 900 ألف طفل في 19 منطقة ضمن أربع محافظات سورية، بهدف الوصول إلى الأطفال غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا جرعاتهم، وسد الفجوات المناعية التي قد تسهم في انتشار الفيروس.
ما مرض شلل الأطفال؟
شلل الأطفال، أو التهاب سنجابية النخاع، مرض فيروسي شديد العدوى يسببه فيروس شلل الأطفال، الذي يدخل الجسم عن طريق الفم ويتكاثر في الأمعاء، وقد ينتقل في بعض الحالات إلى الجهاز العصبي ويؤثر في الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة العضلات.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن المرض يصيب بصورة رئيسية الأطفال دون سن الخامسة، لكنه قد يصيب أي شخص لم يحصل على التحصين الكافي، بصرف النظر عن عمره.
وتكمن خطورته في أن معظم المصابين لا تظهر عليهم أعراض واضحة، رغم قدرتهم على نقل الفيروس إلى الآخرين، ما يجعل اكتشاف انتقال العدوى والحد من انتشارها تحدياً صحياً يستدعي المحافظة على مستويات مرتفعة من التغطية باللقاحات.
أسباب الإصابة وكيف ينتقل الفيروس؟
تحدث الإصابة نتيجة دخول فيروس شلل الأطفال إلى الجسم، وينتقل بصورة رئيسية عبر الطريق البرازي الفموي، عندما تصل جزيئات دقيقة ملوثة ببراز شخص مصاب إلى فم شخص آخر.
وقد يحدث ذلك نتيجة تلوث مياه الشرب أو الطعام، أو عدم غسل اليدين جيداً بعد استخدام المرحاض أو تغيير حفاضات الأطفال، إضافة إلى انتقال العدوى عبر المخالطة المباشرة والإفرازات الفموية في بعض الحالات.
وتزداد احتمالات انتشار الفيروس في البيئات التي تعاني من ضعف خدمات المياه والصرف الصحي، وتراجع مستوى النظافة العامة، وانخفاض نسب التغطية بالتطعيم.
ويستطيع المصاب نقل العدوى حتى في حال عدم ظهور أعراض مرضية عليه، ما يفسر أهمية التحصين الجماعي وعدم انتظار ظهور إصابات واضحة لاتخاذ الإجراءات الوقائية.
أعراض شلل الأطفال.. من الحمى إلى الضعف العضلي
تختلف أعراض الإصابة بفيروس شلل الأطفال من شخص إلى آخر، إذ تمر غالبية الإصابات دون أعراض ظاهرة، بينما تظهر لدى بعض المصابين علامات تشبه أعراض الإنفلونزا والأمراض الفيروسية الشائعة.
وتشمل الأعراض الأولية ارتفاع درجة الحرارة، والشعور بالتعب والإرهاق، والصداع، والتهاب الحلق، والغثيان أو القيء، وآلام العضلات والأطراف.
وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تظهر علامات تشير إلى تأثر الجهاز العصبي، مثل تيبس الرقبة، وآلام شديدة في العضلات، وضعف مفاجئ في الأطراف، أو فقدان القدرة على تحريك إحدى الساقين أو الذراعين.
ويُعد ظهور ضعف أو شلل رخو مفاجئ لدى الطفل علامة تحذيرية تستدعي التوجه الفوري إلى أقرب مركز صحي أو قسم إسعاف لإجراء التقييم الطبي اللازم، إذ توجد أمراض أخرى قد تسبب أعراضاً مشابهة، ويحتاج تحديد السبب إلى فحوص متخصصة.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، قد تؤدي إصابة واحدة من كل 200 إصابة بفيروس شلل الأطفال إلى شلل غير قابل للعكس، فيما تتعرض نسبة من المصابين بالشلل لخطر الوفاة عند تأثر العضلات المسؤولة عن التنفس.
هل يوجد علاج لشلل الأطفال؟
لا يتوافر حتى الآن علاج نوعي يقضي على فيروس شلل الأطفال أو يعكس الشلل الدائم الناتج عن تلف الخلايا العصبية، ولذلك تركز الرعاية الطبية على تخفيف الأعراض والحد من المضاعفات وتحسين القدرة الحركية للمصاب.
وتشمل الإجراءات العلاجية الرعاية الداعمة ومراقبة الحالة الصحية، وتوفير الدعم التنفسي عند الحاجة، إضافة إلى العلاج الفيزيائي والتأهيل الحركي للمساعدة على المحافظة على وظيفة العضلات والمفاصل وتحسين الحركة.
وقد يحتاج بعض المرضى إلى برامج تأهيل طويلة الأمد وأجهزة مساعدة على الحركة، وفق درجة الضعف العضلي وتأثير الإصابة في النشاط اليومي.
وتؤكد الجهات الصحية أن التشخيص المبكر والرعاية الطبية المناسبة يساعدان على التعامل مع المضاعفات وتحسين النتائج الوظيفية، مع بقاء الوقاية بالتطعيم الوسيلة الأساسية لتجنب المرض.
لقاح شلل الأطفال.. الحماية الأساسية من المرض
يمثل التطعيم الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من شلل الأطفال، إذ يساعد على تكوين مناعة تحمي الطفل من الإصابة بالمرض الشديد ومضاعفاته العصبية.
ويُستخدم في برامج التحصين نوعان رئيسيان من اللقاحات، أحدهما يُعطى عن طريق الفم، والآخر عن طريق الحقن، وتختلف طريقة استخدامهما وعدد الجرعات بحسب برنامج التحصين الوطني والتوصيات الصحية المعتمدة.
ويؤدي اللقاح الفموي دوراً مهماً في حملات مكافحة انتشار الفيروس، من خلال تعزيز المناعة المعوية، بينما يوفر اللقاح المعطل الذي يُعطى بالحقن حماية فعالة من الشلل الناتج عن الإصابة.
ويحتاج الطفل إلى استكمال الجرعات المقررة وفق الجدول الوطني، كما ينبغي الالتزام بجرعات حملات التلقيح الإضافية عندما توصي بها الجهات الصحية، حتى لو كان قد تلقى جرعات سابقة.
ولا تعني مشاركة الطفل في حملة تطعيم الاستغناء عن الجرعات الروتينية المقررة، إذ تهدف الحملات إلى تعزيز المناعة والوصول إلى الأطفال الذين فاتتهم بعض الجرعات أو لم يتلقوا اللقاح سابقاً.
طرق الوقاية داخل المنزل والمجتمع
إلى جانب التطعيم، تساعد إجراءات النظافة الشخصية والعامة على تقليل احتمالات انتقال فيروس شلل الأطفال.
ويشمل ذلك غسل اليدين بالماء والصابون بعد استخدام المرحاض وتغيير حفاضات الأطفال، وقبل إعداد الطعام أو تناوله، مع الحرص على توفير مياه شرب آمنة وحماية الأغذية من التلوث.
كما تبرز أهمية التخلص الصحي من الفضلات وتحسين خدمات الصرف الصحي، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو محدودية الوصول إلى المياه النظيفة.
وتؤكد الإرشادات الصحية أن المعقمات الكحولية لليدين لا تُعد بديلاً موثوقاً عن الغسل بالماء والصابون في الوقاية من فيروس شلل الأطفال.
وتبقى هذه الإجراءات مكملة للتطعيم، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها لتوفير الحماية اللازمة من المرض.
ماذا يفعل الأهل عند تأخر جرعات اللقاح؟
قد يتأخر بعض الأطفال عن تلقي جرعاتهم المقررة نتيجة المرض أو النزوح أو صعوبة الوصول إلى المراكز الصحية أو عدم انتظام المتابعة.
وفي هذه الحالات، ينبغي مراجعة أقرب مركز صحي مصطحبين بطاقة اللقاح إن كانت متوافرة، لتحديد الجرعات الناقصة واستكمال التحصين وفق تعليمات البرنامج الوطني.
ولا يستدعي التأخر في تلقي الجرعات عادة إعادة سلسلة التطعيم من بدايتها، وإنما استكمال الجرعات المطلوبة بحسب عمر الطفل وسجل تلقيحه وتقييم الكادر الصحي.
كما ينبغي للأهالي الاستجابة لحملات التطعيم المعلنة رسمياً، وعدم تأجيل الجرعات دون استشارة طبية، لأن استمرار وجود أطفال غير محصنين يتيح للفيروس فرصاً أكبر للانتشار.
الكشف المبكر والترصد الصحي
يشكل الترصد الوبائي عنصراً أساسياً في مكافحة شلل الأطفال، من خلال متابعة حالات الشلل الرخو الحاد لدى الأطفال وإجراء الفحوص المخبرية اللازمة لتحديد أسبابها.
ويعتمد تأكيد الإصابة على الفحوص المتخصصة، ومنها تحليل عينات البراز للكشف عن فيروس شلل الأطفال.
وتساعد أنظمة الترصد على اكتشاف انتقال الفيروس وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة، بما في ذلك حملات التطعيم الإضافية ومتابعة المخالطين وتعزيز التوعية المجتمعية.
وتبرز أهمية الإبلاغ السريع عن حالات الضعف أو الشلل المفاجئ، حتى لو لم تكن مصحوبة بحمى أو أعراض أخرى، لضمان التقييم الطبي واتخاذ الإجراءات الصحية المناسبة.
استكمال اللقاحات لحماية الأطفال
أعاد تسجيل إصابتين مؤكدتين بفيروس شلل الأطفال في منطقة الميادين التأكيد على أهمية استمرار حملات التحصين والوصول إلى الأطفال غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا جرعاتهم، بالتوازي مع تعزيز الترصد الصحي والتوعية بطرق انتقال المرض.
وتبرز الحاجة إلى تعاون الأسر مع الفرق الصحية، ومراجعة سجلات تطعيم الأطفال، والالتزام بالمواعيد والجرعات المقررة، خصوصاً في المناطق التي تواجه تحديات خدمية وصحية قد تزيد احتمالات انتقال العدوى.
ويبقى استكمال لقاحات شلل الأطفال في مواعيدها من أهم الإجراءات لحماية الأطفال من المضاعفات الخطيرة، في ظل عدم وجود علاج يعكس الشلل الدائم الذي قد يسببه الفيروس.