كتاب “وصايا الدم: سوريا من الثورة إلى الدولة” الصادر حديثا للدكتور كرم خليل، ليس مجرد سرد لأسماء أو توثيق لزمن مضى، بل هو شهادة حية من قلب العاصفة، تحاول تفكيك شيفرة الثورة السورية بين عامي 2011 و2024.
اللحظة التي خرجت فيها سوريا من الصمت
يقدم الكتاب رؤية تشريحية لمسار السوريين الذين انتقلوا من سكون الخوف إلى صخب المواجهة، ثم وجدوا أنفسهم يواجهون الفوضى التي خلفها النظام البائد، وتثبيت السيادة.
أما الوصايا التي ضمنها المؤلف هذا الكتاب، فتأتي أهميتها من تأكيدها على أن الحرية التي لا تنتهي ببناء دولة قوية ومستقلة، تظل حريّة منقوصة ومهددة بالضياع.
ويتناول الفصل الأول من الكتاب اللحظات الأولى لاندلاع الثورة السورية، أو ما سماها اللحظة الصفرية التي خرجت فيها سوريا من عباءة الصمت، حيث يحلل خليل كيفية تحول كلمة في درعا إلى زلزال هزّ بنية الدولة، معتبراً أن الإنجاز الحقيقي لم يكن في المطالب السياسية فحسب، بل في كسر الهيمنة النفسية للمنظومة الأمنية، ويرى أن الشارع السوري كان يسبق نخبته السياسية بوعيه الفطري بضرورة التغيير.
معارك الثورة… بين البندقية والكاميرا
يتوقف الكاتب عند اتجاه الحراك للانتقال من السلمية إلى العمل المسلح، رداً على جرائم النظام البائد، ويحلل كيفية تغيير طبيعة المواجهة من احتجاج سياسي إلى صراع وجودي طال بنية الدولة والمجتمع، ويوضح دور المنشقين العسكريين في الوقوف بوجه آلة القمع، برغم الضريبة الباهظة التي دفعوها.
ثم يشرح خليل كيف خاضت الثورة معاركها على جبهات الإعلام والوعي، ومحاولات النظام البائد تسويق رواية الإرهاب، مبرزاً معاناة الثورة في المقابل بإيصال رسالتها الإعلامية، ويؤكد أن نقل الخبر كان لا يقل أهمية من مواجهة بطش جيش النظام البائد في الميدان.
العدالة بوصفها طريق المستقبل
يطرح المؤلف رؤية عميقة للعدالة، معتبراً إياها بوصلة المستقبل، ويدعو إلى محاسبة قانونية شفافة تضمن عدم تكرار المآسي، ويرى أن مشروع بناء الدولة يجب أن يقوم على الحقيقة والمصالحة الوطنية.
ويرسم خليل كشاهد ومشارك ملامح سوريا المستقبل، ويؤكد أن الدولة هي الحصيلة النهائية التي تُتوج بها تضحيات السوريين، وتوفر لهم السيادة والأمان والكرامة.
كرم خليل باحث وكاتب سوري نمساوي، من مواليد 1987، متخصص في قضايا الأمن والتحول السياسي، حاصل على إجازة في الاقتصاد السياسي ودكتوراه في التخطيط الاستراتيجي، انخرط في الثورة السورية منذ بدايتها، واعتُقل قبل انتقاله إلى أوروبا، حيث عمل في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب في فيينا، وتركّزت أبحاثه على العدالة الانتقالية وإعادة بناء القطاع الأمني، ويُعد من المساهمين في تأسيس حركة الضباط الأحرار، كما يعمل مستشارًا لعدد من المنظمات الدولية، وصدر له سابقا كتاب “الإدارة الاستراتيجية”.