باب هود… ذاكرة حمص العتيقة وكنز أثري يحفظ ملامحها

يُعد حي باب هود واحداً من أعرق وأكبر أحياء مدينة حمص القديمة، إذ إرتبط إسمه بالنبي هود لوجود مقامه في الحي قبل إزالته لاحقاً. كما يُعرف بأنه أقدم وأكبر أبواب حمص السبعة، وشكّل عبر مختلف العصور البوابة الغربية للمدينة ومنفذها التجاري الرئيسي نحو الساحل السوري ومدينة طرابلس اللبنانية.

وأوضح رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية في حمص، لـ«العروبة»، أن الحي يمتد من قلعة حمص الأثرية شرقاً حتى أسواق المدينة القديمة، ويتميز بنسيجه العمراني الفريد وأزقته الضيقة التي تختزن قروناً من التاريخ الحضري للمدينة.

وأضاف أن الحي يضم مجموعة واسعة من الأبنية والمرافق الأثرية التي تعكس الهوية المعمارية السورية التقليدية، وتتوزع بين المنشآت الدينية والبيوت التراثية والأسواق القديمة. ومن أبرز المعالم الدينية فيه جامع الزاوية، وجامع الأربعين، وجامع القاسمي، وجامع التوبة، إضافة إلى الزاوية النقشبندية.

وأشار إلى أن البيوت التراثية في باب هود تمثل نموذجاً للعمارة العثمانية و«الدار العربية» التقليدية، التي تتميز بإنكفائها نحو الداخل حفاظاً على الخصوصية، وإستخدام الحجر الأبلق الحمصي، إلى جانب نظام الطوابق المخفية الذي يعد من السمات المعمارية المميزة في المنطقة.

أما على الصعيد الإقتصادي، فقد إحتضن الحي عدداً من الأسواق والمرافق التجارية التاريخية، من أبرزها سوق الحشيش المعروف بسوق الخضرة، ومحيط مدرسة المسعودية، ما جعله مركزاً حيوياً للحركة التجارية في المدينة.

وأكد أن أهمية الأبنية التراثية في باب هود لا تقتصر على قيمتها المعمارية والإنشائية، بل تمتد إلى بعدها التاريخي والتوثيقي، إذ يشكل الحي سجلاً حياً لتطور المدينة السورية منذ العهد الروماني مروراً بالعصور الإسلامية الأيوبية والمملوكية وصولاً إلى الحقبة العثمانية.

وعلى الرغم من إزالة البوابة الرئيسية للحي عام 1925 بهدف توسيع الطريق، وإزالة المقام القديم لاحقاً، فإن الأبنية المتبقية ما تزال تحفظ ملامح المخطط العمراني للمدينة المسوّرة.

كما تتميز المنطقة بهويتها المعمارية القائمة على إستخدام الحجر الأسود، الذي يُعد أحد أبرز العناصر الجمالية في عمارة حمص التاريخية.

وفي الجانب الإجتماعي والإنتاجي، بين الدويري أن باب هود كان حاضنة للعديد من الحرف والصناعات التراثية، حيث ضمت منازله حتى أواخر القرن الماضي الأنوال التقليدية لصناعة النسيج الحمصي الشهير، إلى جانب ورش النحاسيات والأعمال اليدوية التي شكلت جزءاً من الحياة الإقتصادية والإجتماعية للحي.

ولفت إلى أن النسيج العمراني للحي واجه تحديات كبيرة نتيجة التوسع العمراني خلال مطلع القرن العشرين، فضلاً عن الأضرار الواسعة التي لحقت بأبنـيته وأسواقه التاريخية خلال سنوات الحرب، ما يجعل الحفاظ على ما تبقى من معالمه وترميمها وفق أسس علمية متخصصة ضرورة ملحة لصون الهوية البصرية والتراثية لمدينة حمص القديمة.

من جهته، أوضح عبيدة بيطار، معاون أمين متحف حمص في دائرة الآثار، أن معظم العقارات الأثرية في الحي تعود ملكيتها لأفراد، فيما يقتصر دور دائرة آثار حمص على الإشراف الفني على أعمال الترميم من خلال وضع الشروط والضوابط اللازمة للحفاظ على الطابع الأثري للمباني ومتابعة تنفيذها.

وأضاف أن الدائرة تعمل على رصد المخالفات والتعديات التي تطال العقارات الأثرية، إضافة إلى متابعة عمليات التنقيب غير القانونية عبر جولات ميدانية ينفذها المراقبون التابعون لها، ومن ثم إبلاغ محافظة حمص ومجلس المدينة وشرطة حمص لإتخاذ الإجراءات اللازمة وإزالة المخالفات بمختلف أشكالها.

ويبقى حي باب هود أحد أبرز رموز حمص القديمة، إذ إن الحفاظ عليه لا يقتصر على ترميم الحجر والمباني، بل يشمل صون الذاكرة التاريخية والمعمارية والإجتماعية للمدينة، ليظل شاهداً على عراقتها وإرثها الحضاري.

العروبة -رهف قمشري

المزيد...
آخر الأخبار