في أواخر ستّينات القرن الماضي، كان المركز الثّقافي في حمص، حيث يقع الآن ناد تابع لشبيبة الثورة، وراء المتحف الوطني حاليّا، وكان مديره الصديق الشاعر طيّب الذّكر ممدوح السكاف، وفي مكتبه في هذا المركز كان أوّل اجتماع دُعي إليه الكتّاب في هذه المدينة، للاجتماع بممثّلي اتّحاد الكتّاب العرب، الذي كان قيد التّشكيل، أذكر منهم الروائي المعروف حيدر حيدر، وكان ذلك الاجتماع مقدّمة لقبول أعضاء الكتّاب في هذه المدينة، وفي هذا المكتب، ومن وراء طاولته استطاع الشاعر ممدوح السكاف تحريك الجوّ الثقافي في هذه المدينة فيما تلى من أعوام.
من الجدير بالذّكر أنّ من أبرز رؤساء المركز الثقافي في حمص كان الأديب، والشاعر، والمترجم، والمحقّق المرحوم عبد المعين الملّوحي الذي عرفنا باسمه اللآّمع ونحن في المرحلة الإعداديّة، وجاء ممدوح، فلم يكن استمراراً فقط، بل وأضاف لمسات تُذكَر له، شفاه الله ، وردّه سالماً من غربته، تلك الغربة التي كان سببها الرئيس أنّ التكفيريّين قد أجبروه على ترك بيته، بما فيه من مكتبة، ومخطوطات كان يعمل عليها.
لقد ضمّت النشاطات في تلك الفترة الشعر، والقصّة، والمسرح، والموسيقى، وفوق خشبة مسرحه الصغير مساحة، الكبير حجماً، أعيد تمثيل إحدى مسرحيات الأديب الكبير المرحوم مراد السباعي، « معركة في طاحون»، وشاهدنا فوق تلك الخشبة ماهر عيون السود، ومحمود طليمات، وفوق تلك الخشبة وقف الشاعر الكبير الذّائع الصيت مظفّر النّواب، ولم يُلق يومها إلاّ من قصائده الشعبيّة العراقيّة، بلهجتها، وبكامل حضوره في الإلقاء وتلوين الصوت فأدهش الحاضرين، ولقد سألته مرّة لماذا يطلب أن يخلو بنفسه لبضع دقائق في كواليس الخشبة، فقال لي :» مواجهة الجمهور أمر مخيف، فإمّا أنْ تتمكّن من شدّه إليك ، وإلاّ انصرف عنك»، وفوق تلك الخشبة تعرّفنا في إحدى الدعوات إلى الدكتور رفيق الصبّان، وهو يقدّم، مع فريقه قراءة مسرحيّة، وفيه أيضا تعرّفنا إلى العديد من مشاهير أدباء سوريّة وكتّابها، ونقّادها، فكانت حمص منذ ذلك الزمن تُعلن عن نفسها أنّها مدينة استثنائيّة بجمهورها المثقّف، والمُتابِع.
أذكر أنّه كان لدى ممدوح دفتر يحتفظ به في دُرْج مكتبه، وكان يختار بعض الأسماء ويطلب منها أن تكتب ولو أسطراً قليلة، وله حريّة الكتابة، وربّما كان ممدوح يعدّه كمشروع للنشر فيما بعد.
في قاعة ذلك المركز كان المرحوم سمير ضاهر يقيم أمسيات للاستماع الموسيقي، وكان يقدّم شرحا وافياً، من الذاكرة، عن المؤلّف، وأهمّ سماته، ويتحدّث عن بنية التأليف السيمفوني، ففتح بابا واسعا لمزيد من المعارف التي كان معظمنا يجهلها،
لقد ذهبت تلك الأزمنة، وتلك طبيعة الحياة، وذهب الأكثرون من أهلها، فسلاما لها، وللشاعر والنّاقد ممدوح السكاف حيث هو في غربته، عجّل الله بشفائه..
عبد الكريم الناعم