صياغة الفضة في حمص.. حرفة عريقة تصون ذاكرة المكان وتواجه تحديات الاستمرار

العروبة – خاص
تحمل حرفة صياغة الفضة في تفاصيلها جانباً من الذاكرة الثقافية السورية، إذ ارتبطت المشغولات الفضية عبر عقود طويلة بالعادات والمناسبات والأزياء، وحملت في نقوشها وزخارفها رموزاً مستمدة من الحضارات التي تعاقبت على أرض سوريا، لتصبح كل قطعة نتاج رحلة دقيقة تبدأ من المعدن الخام وتنتهي بعمل يدوي يجمع بين المهارة والجمال والهوية.
وتستند هذه الحرفة إلى خبرات تراكمت وتوارثتها عائلات حرفية جيلاً بعد آخر، في وقت تواجه فيه اليوم تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتراجع الإقبال على المشغولات التراثية، ومنافسة المنتجات المصنعة آلياً، فضلاً عن ضعف توجه الأجيال الجديدة نحو تعلم أسرار المهنة واستكمال مسيرتها.
ويؤكد الحرفي إيلي أسامة نداف، البالغ من العمر 38 عاماً، في تصريح لـ«العروبة»، أن صياغة الفضة تقوم في جوهرها على الصبر والدقة، موضحاً أن الفضة ليست مجرد معدن، وإنما «لوحة بيضاء تعكس حضارة الشعب ومعتقداته ورموزه، وتحمل بريقاً خاصاً لا يشبه أي معدن آخر».
ويشير نداف، الذي ينتمي إلى عائلة تمارس الحرفة منذ أكثر من تسعين عاماً، إلى أن انتقال الخبرة بين الأجيال كان أحد أهم عوامل استمرار المهنة، إذ بدأ التعرف إلى أسرارها منذ سنوات الدراسة الإعدادية، عندما كان يرافق والده إلى محله في السوق القديم خلال العطلة الصيفية، ويراقب مراحل تحويل السبائك الخام إلى مشغولات فنية.
رحلة دقيقة من السبيكة إلى المشغولة
وتبدأ صناعة القطعة الفضية، وفق نداف، بفكرة يرسمها الحرفي على الورق، قبل اختيار سبيكة الفضة المناسبة، سواء من عيار 925 أو 999، وأحياناً عيار 850 في القطع الرقيقة للمحافظة على متانتها، لتنتقل بعدها إلى عمليات الصهر والتبريد والسحب وتحويل المعدن إلى رقائق أو شرائط بسماكات مختلفة.
وتمر القطعة بعد ذلك بمرحلة «التفصيل»، التي تعد من أدق مراحل الصياغة، ويستخدم خلالها الحرفي الملقط والزرديات والمطارق الصغيرة لتكوين التفاصيل والزخارف، قبل الانتقال إلى الصقل والتلميع باستخدام المبارد وأوراق الصنفرة والمياه أو الآلات الحديثة، وصولاً إلى شكلها النهائي.
وتتطلب هذه المراحل مهارة تراكمية ويداً ثابتة وعيناً خبيرة، ما يمنح المشغولات المصنوعة يدوياً خصوصيتها، ويجعل الاختلافات الدقيقة بين قطعة وأخرى جزءاً من قيمة العمل الحرفي الذي لا يقوم على الإنتاج المتطابق والمتسلسل.
زخارف تختزن هوية المكان
وتتميز المشغولات الفضية التقليدية بتنوع زخارفها ونقوشها المستوحاة من البيئة والتراث، إذ يوضح نداف أن العمل يشمل المشغولات الشرقية الأصيلة والزخارف العربية واليونانية المستوحاة من حضارات قامت على أرض سوريا، إلى جانب الأسماء والهدايا والخواتم والأساور المصنوعة يدوياً.
ويلفت إلى استخدام خامات أخرى في بعض التصاميم، مثل الحرير والجلد، مع الاتجاه إلى تخفيف أوزان القطع لتسهيل اقتنائها وتسويقها، بما يسمح للحرفة بالتكيف مع تغير احتياجات السوق مع الحفاظ على خصوصيتها.
وتحضر عناصر الطبيعة في كثير من النقوش، ومنها أوراق العنب والقمح بوصفها رموزاً للخصوبة والحياة، إلى جانب الأشكال الهندسية و«النجمة الثمانية» التي يشير نداف إلى وجودها في زخارف الجامع الأموي، فضلاً عن توظيف رموز فينيقية وسريانية.
ويعتبر نداف أن هذه الرموز ليست مجرد إضافات جمالية، وإنما تحمل دلالات ثقافية وتاريخية، وأن الحفاظ عليها يتيح نقل جانب من هوية المكان إلى الأجيال المقبلة، ويؤكد أن الصناعات اليدوية كانت جزءاً أصيلاً من حياة المجتمع وذاكرته.
تحديات السوق أمام العمل اليدوي
وتواجه صياغة الفضة اليوم جملة من التحديات التي تؤثر في استمرارها وقدرتها على المنافسة، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار المواد الأولية نتيجة ارتباط أسعار الفضة بالأسواق العالمية، إضافة إلى زيادة تكاليف الغاز المستخدم في عمليات الصهر.
ويلاحظ نداف تراجع الإقبال على المشغولات الفضية مقارنة بما كان سائداً سابقاً، حين كانت بعض الأسر تحرص على اقتناء الأطقم الفضية للمناسبات، وكانت الفضة تدخل ضمن مقتنيات العرائس، بينما بات جانب من الطلب الحالي يتركز لدى السياح وبعض العائلات التي ما تزال متمسكة بالمشغولات التراثية.
ويشير إلى أن دخول المصوغات الصينية والتركية المصنعة آلياً بأسعار أقل فرض تحدياً إضافياً أمام المنتج اليدوي، إذ يصعب على الحرفي منافسة الإنتاج الآلي من ناحية السعر، في ظل ما تتطلبه القطعة اليدوية من وقت وجهد ومهارة في مختلف مراحل تنفيذها.
ويلفت إلى أن الضرائب والرسوم تمثل عبئاً آخر على العاملين في المهنة، داعياً إلى مراعاة خصوصية النشاط الحرفي والتمييز بين طبيعة عمل الحرفيين ونشاط تجار الذهب والفضة.
حرفة تبحث عن جيل جديد
وتواجه المهنة تحدياً آخر يرتبط بانتقالها إلى الأجيال الجديدة، إذ يوضح نداف أن كثيراً من أبناء الحرفيين يتجهون إلى اختصاصات جامعية أو أعمال أخرى، في ظل ما تتطلبه الصياغة من جهد وصبر ووقت، مقابل مردود مادي قد لا يشجع الشباب على تعلمها.
ويقترح للحفاظ على الحرفة إنشاء معاهد مهنية مجانية لتدريس فنون صياغة الفضة والنحاس وفق مناهج أكاديمية، وتنظيم ورش تدريبية بإشراف كبار الحرفيين، بما يتيح نقل الخبرات المتراكمة قبل فقدانها.
ويدعو إلى تسهيل حصول الحرفيين على المواد الخام، ومنح تسهيلات ضريبية للمحال التي تحافظ على الطابع التراثي، إلى جانب تنظيم مهرجانات سنوية للمشغولات الفضية، وإدراج المنتجات التراثية ضمن الهدايا الرسمية، وتوسيع نطاق تسويقها إلكترونياً للوصول إلى الأسواق الخارجية.
ويشدد كذلك على أهمية تشجيع المصممين الشباب على الاستفادة من النقوش والزخارف القديمة وإعادة تقديمها بأساليب تتناسب مع متطلبات الموضة الحديثة، بما يحقق توازناً بين المحافظة على أصالة الحرفة وقدرتها على مواكبة تغير أذواق المستهلكين.
ويختصر نداف ما تحتاج إليه صياغة الفضة للاستمرار بقوله: «هذه المهنة ليست مجرد كسب رزق، إنها عبادة وصبر وإخلاص، من يرغب في تعلمها، عليه أن يحبها بقلبه قبل يديه، وعندها ستحيا وتستمر».
وتبقى صياغة الفضة أكثر من عملية لتحويل معدن خام إلى قطعة للزينة، فهي حرفة تختزن في أدواتها وأساليبها ونقوشها ذاكرة اجتماعية وثقافية امتدت عبر أجيال، وبين تحديات الكلفة والمنافسة وتراجع أعداد الحرفيين، يرتبط استمرارها بقدرتها على نقل خبراتها إلى جيل جديد، وفتح أسواق أوسع أمام منتجاتها، لتظل المشغولة الفضية حاملة لملامح التراث السوري وذاكرة المكان.
معد التقرير: هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور... المعهد التقاني للصناعة التطبيقية بحمص يعزز التدريب العملي عبر 6 اختصاصات وشراكات صناعية من تطريز فساتين الأعراس إلى الحقائب والريزين.. حرف يدوية تعزز دخل النساء في حمص بطل ملاكمة سوري يحوّل معاناته مع الإصابة إلى مشروع لتأهيل الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن وزير الإعلام من القاهرة: سوريا تعيد بناء منظومتها الإعلامية وتؤسس لإعلام مهني حر ومسؤول «مؤشر الشاورما» في سوريا.. ارتفاع الأسعار يقلص قدرة الحد الأدنى للأجور إلى 49 سندويشة شهرياً سبخة الموح في بادية تدمر.. ثروة الملح التي حفظت تاريخ المدينة ووفرت مصدر رزق لأجيال