العروبة – خاص
حوّل أستاذ التربية الرياضية وبطل الملاكمة السوري موفق الزهوري تجربته الشخصية مع إصابة خطيرة كادت تؤدي إلى بتر قدمه إلى مبادرة إنسانية تستهدف الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن، من خلال تصميم أجهزة تدريب بدني بسيطة تساعدهم على تحسين قدراتهم الحركية وتعزيز اعتمادهم على أنفسهم.
واستطاع الزهوري، مستفيداً من خبرته الرياضية وتجربته مع العلاج والتعافي، مساعدة نحو 300 شخص، وفق ما أكده في تصريح لـ«العروبة»، مشيراً إلى أن نسبة تتراوح بين 70 و80% من المستفيدين حققت تحسناً ملحوظاً في الحركة والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، في تجربة تجمع بين التأهيل البدني والدعم النفسي والاجتماعي.
مشهد إنساني كان بداية الفكرة
أوضح الزهوري، أستاذ التربية الرياضية وبطل سوريا في الملاكمة لعدة سنوات والحاصل على المركز الثاني أوروبياً، أن فكرة المبادرة بدأت خلال زيارة قام بها إلى أحد المخيمات، حيث شاهد أستاذاً متقدماً في العمر ينتظر دوره للحصول على سلة غذائية.
وأشار إلى أن المشهد ترك أثراً كبيراً في نفسه، ودفعه إلى العودة للمخيم في اليوم التالي، حيث وجد الرجل جالساً أمام خيمته ومحاطاً بأحفاده الأربعة، يستعيد ذكريات حياته السابقة والظروف التي كان يعيش فيها قبل وصوله إلى المخيم.
وبيّن أن هذه التجربة دفعته إلى التفكير في احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، والبحث عن وسائل عملية تساعدهم على ممارسة النشاط البدني وفق قدراتهم، وتحسين قدرتهم على الحركة والاعتماد على أنفسهم.
إصابة عام 2012 غيّرت مسار حياته
أشار الزهوري إلى أن تجربته الشخصية مع الإصابة شكلت دافعاً أساسياً لبدء العمل في مجال التدريب والتأهيل البدني للمصابين وكبار السن.
وأوضح أنه تعرض عام 2012 لإصابة خطيرة في قدمه كادت تؤدي إلى بترها، لكنه رفض خيار البتر وخضع لعدة عمليات جراحية ناجحة، حتى تمكن من استعادة قدرته على المشي.
وأضاف أن مروره بهذه التجربة جعله أكثر إدراكاً للصعوبات الجسدية والنفسية التي يواجهها المصابون، ولا سيما الأشخاص الذين فقدوا جزءاً من قدرتهم على الحركة أو أصبحوا بحاجة إلى مساعدة الآخرين في حياتهم اليومية.
وأكد أن استعادته القدرة على المشي كانت نقطة تحول دفعته إلى تكريس جهوده لمساعدة الجرحى وذوي الإعاقة، والاستفادة من خبرته الرياضية في تطوير وسائل تدريب تتناسب مع احتياجاتهم.
من عرسال بدأت المبادرة عام 2013
بيّن الزهوري أن انطلاقته الفعلية كانت عام 2013 في منطقة عرسال، حيث بدأ بجمع الأطفال وتنظيم فعاليات وأنشطة رياضية لهم، بالتوازي مع إشراك المصابين في تدريبات تهدف إلى تحسين قدراتهم البدنية والحركية.
وأوضح أن المبادرة تطورت لتشمل فئات تحتاج إلى برامج تدريب تتناسب مع ظروفها الصحية والجسدية، مع إعطاء الأولوية للمصابين الذين فقدوا أطرافهم، إلى جانب المدرسين والأساتذة المتقاعدين وكبار السن.
وأشار إلى اهتمامه بصورة خاصة بالأشخاص الذين يعانون صعوبات في الوقوف والحركة، ومن بينهم كبار السن الذين يضطرون إلى استخدام الكرسي أثناء أداء الصلاة.
وأكد أن الهدف من هذه الأنشطة يتمثل في مساعدة المستفيدين على تحسين حركتهم واستعادة أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في أداء شؤونهم اليومية.
أجهزة تدريب بسيطة تعتمد على المطاط والنوابض
أوضح الزهوري أن الأجهزة التي يصممها ويستخدمها في التدريب تعتمد على أدوات بسيطة، منها المطاط والنوابض والأوزان الخفيفة، بما يجعلها أكثر ملاءمة للقدرات الجسدية المتفاوتة لدى كبار السن وذوي الإعاقة.
وبيّن أن استخدام المطاط والنوابض يتيح زيادة المقاومة تدريجياً خلال أداء التمرين، بدلاً من تحميل الجسم وزناً ثابتاً وكاملاً منذ بداية الحركة، كما يحدث في بعض التمارين المعتمدة على الأوزان الحديدية أو الإسمنتية.
وأشار إلى أن هذه الطريقة تساعده على تكييف التدريبات مع قدرات المستفيدين ومستوياتهم الحركية، بما يتيح لهم ممارسة التمارين بصورة تدريجية.
ولفت إلى أن تصميم هذه الوسائل جاء نتيجة خبرته في التربية الرياضية والملاكمة، ومحاولاته إيجاد أدوات تدريب عملية يمكن استخدامها مع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الحركة.
300 مستفيد وتحسن حركي لدى معظمهم
أكد الزهوري أن المبادرة ساعدت نحو 300 شخص من المصابين والجرحى وكبار السن، مشيراً إلى أن ما بين 70 و80% منهم حققوا تحسناً ملحوظاً في حالتهم الحركية، وفق متابعته لنتائج التدريبات.
وأوضح أن عدداً من المستفيدين أصبحوا قادرين على المشي والاعتماد على أنفسهم بدرجة أكبر، بعد أن كانوا يواجهون صعوبات في أداء بعض الحركات والأنشطة اليومية.
وأضاف أن بعض كبار السن الذين اعتادوا أداء الصلاة جلوساً على الكرسي تمكنوا، بعد مشاركتهم في التدريبات، من الوقوف والركوع والسجود.
وتعكس هذه النتائج، بحسب تجربة الزهوري، أهمية توفير أنشطة بدنية تتناسب مع قدرات المصابين وكبار السن، مع مراعاة اختلاف احتياجاتهم ومستوياتهم الحركية.
الصالة مساحة للتواصل والدعم النفسي
أشار الزهوري إلى أن أهمية المبادرة تتجاوز التمارين والأجهزة المستخدمة، إذ توفر الصالة مساحة اجتماعية يلتقي فيها المستفيدون ويمارسون الأنشطة والألعاب ويتواصلون مع بعضهم.
وأوضح أن هذا الجانب يسهم في تخفيف العزلة التي قد يعاني منها بعض المصابين وكبار السن، ويشجعهم على المشاركة في الأنشطة الجماعية واستعادة ثقتهم بقدراتهم.
وبيّن أن اللقاءات والأنشطة المشتركة تساعد المستفيدين على تحسين حالتهم النفسية، وتمنحهم شعوراً بالحيوية والنشاط، إلى جانب الفوائد المرتبطة بالتدريب البدني.
وأكد أن توفير بيئة تشجع على الحركة والتواصل يمثل جزءاً أساسياً من المبادرة، لما له من دور في دعم المستفيدين ومساعدتهم على مواصلة التمارين.
تجربة شخصية تحولت إلى فرصة لمساعدة الآخرين
تقدم تجربة موفق الزهوري نموذجاً لتحويل المعاناة الشخصية إلى مبادرة تستجيب لاحتياجات فئات تواجه صعوبات حركية وجسدية، مستفيدة من الخبرة الرياضية والإمكانات البسيطة المتاحة.
فالإصابة التي تعرض لها عام 2012، وما تبعها من عمليات جراحية واستعادة القدرة على المشي، شكلت نقطة انطلاق لمسار اختار من خلاله مساعدة الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن على تحسين حركتهم وتعزيز استقلاليتهم.
وتبرز أهمية المبادرة في الجمع بين التدريب البدني والتواصل الاجتماعي، بما يمنح المستفيدين فرصة لممارسة الأنشطة المناسبة لقدراتهم، واستعادة الثقة بالنفس والمشاركة في الحياة اليومية، في تجربة يسعى الزهوري إلى مواصلتها لخدمة مزيد من المحتاجين إلى الدعم والتأهيل.