العروبة – خاص
تغيّرت نظرة النساء إلى الذهب مع تبدل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وتطور الأذواق، فبعد أن كان جزءاً أساسياً من جهاز العروس، وهدية ترتبط بالمناسبات العائلية، ومدخراً تعتمد عليه الأسرة في أوقات الحاجة، أصبحت دوافع اقتنائه أكثر تنوعاً بين الحفاظ على القيمة المادية والرغبة في الزينة ومواكبة التصاميم الحديثة.
وفي حمص، تتباين آراء النساء حول أهمية الذهب وطرق اختياره، إذ تحتفظ الأجيال الأكبر بذكريات ترتبط بقيمته الاجتماعية والعائلية، فيما تميل بعض الفتيات إلى المشغولات الخفيفة والتصاميم العصرية، وتبحث أخريات عن بدائل أقل تكلفة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بينما يؤكد عاملون في مهنة الصياغة استمرار حضور الذهب بوصفه وسيلة للادخار والزينة معاً.
الذهب في ذاكرة الأمهات.. هدية تحمل قيمة اجتماعية
تستعيد السيدة إزدهار ذكرياتها مع الذهب، موضحة أنه كان يحتل مكانة خاصة في حياة المرأة والأسرة، ويرتبط بالمناسبات الاجتماعية، ولا سيما الزواج، حين اعتاد الأهل تقديم قطع ذهبية لابنتهم تعبيراً عن محبتهم وفرحتهم بها.
وأشارت إلى أن الذهب كان يشكل جزءاً مهماً من جهاز العروس، ويحمل معاني عائلية تتجاوز قيمته المادية، إذ كانت المرأة تحتفظ بالقطع التي تلقتها في المناسبات المهمة وتعتز بها بوصفها ذكريات مرتبطة بأهلها ومراحل حياتها.
وبيّنت أن امتلاك الذهب كان يمنح المرأة شعوراً بالأمان، نظراً إلى قيمته المادية وإمكانية الاحتفاظ به لسنوات طويلة، ما جعله يجمع بين رمزية الهدية العائلية وأهمية الادخار.
مدخرات وقت الشدة.. الذهب ضمانة للأسرة
من جانبها، ربطت السيدة عائدة أهمية الذهب بدوره في توفير الأمان المادي للأسرة، مشيرة إلى أنه كان يمثل وسيلة للادخار يمكن الاستفادة منها عند مواجهة ظروف معيشية صعبة أو نفقات طارئة.
وأوضحت أن المرأة كانت تحرص على الاحتفاظ بما تمتلكه من قطع ذهبية، باعتبارها رصيداً مادياً يمكن اللجوء إليه عند الضرورة، سواء من خلال بيع بعض المشغولات أو الاستفادة من قيمتها لتلبية احتياجات الأسرة.
ولفتت إلى أن هذه النظرة جعلت اقتناء الذهب مرتبطاً بالاستقرار المادي والاستعداد للظروف غير المتوقعة، إلى جانب استخدامه للزينة في المناسبات الاجتماعية.
الجيل الجديد.. الأناقة في القطع الخفيفة
مع تطور الأذواق وتنوع التصاميم، أصبحت بعض الفتيات يفضلن المشغولات الذهبية البسيطة التي تجمع بين الأناقة وخفة الوزن، وتناسب الاستخدام في مناسبات مختلفة.
وقالت تيجن إن خياراتها تميل إلى القطع الذهبية الناعمة والخفيفة، ذات التصاميم العصرية التي تتناسب مع ذوقها الشخصي، بعيداً عن المشغولات الكبيرة والثقيلة التي كانت تحظى بإقبال واسع في الماضي.
وأوضحت أن جمال التصميم وإمكانية ارتداء القطعة في مناسبات متعددة يشكلان عاملين أساسيين في اختيارها، مشيرة إلى تفضيلها المشغولات التي تضيف لمسة بسيطة وأنيقة إلى مظهرها.
وتعكس هذه الخيارات جانباً من تغير معايير اقتناء الذهب لدى بعض الفتيات، مع ازدياد الاهتمام بالشكل والتصميم وسهولة الاستخدام.
ارتفاع الأسعار يحد من القدرة على الشراء
في المقابل، أشارت آلاء إلى أن ارتفاع أسعار الذهب أصبح من أبرز العوامل التي تحد من قدرة كثير من الفتيات على اقتنائه، في ظل تكاليف المعيشة ومحدودية الإمكانات المادية.
وأوضحت أن الرغبة في امتلاك قطعة ذهبية لا تزال موجودة، إلا أن الأسعار تجعل تحقيق هذه الرغبة صعباً، ما يدفعها إلى تأجيل الشراء وانتظار تحسن ظروفها المادية.
ولفتت إلى أن اقتناء الذهب أصبح يتطلب تخصيص مبالغ قد لا تتوافر بسهولة، ولا سيما مع تعدد الاحتياجات اليومية والأولويات المعيشية.
وتبرز هذه الشهادة تأثير القدرة الشرائية في قرارات اقتناء المشغولات الذهبية، حتى لدى الفتيات اللواتي يحتفظن برغبة في امتلاكها.
الإكسسوارات البديلة.. خيارات متنوعة بتكاليف أقل
أما لونا، فأوضحت أنها تفضل الإكسسوارات المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ «الستيل»، إلى جانب القطع المعروفة تجارياً باسم «الذهب البرازيلي»، لما توفره من تنوع في الأشكال والتصاميم التي تناسب ذوقها.
وأشارت إلى أن اختيارها يرتبط برغبتها في تجديد الإكسسوارات باستمرار، واقتناء قطع مختلفة تتلاءم مع ملابسها ومناسباتها، دون الحاجة إلى شراء الذهب.
وأكدت أن الزينة بالنسبة إليها مسألة ذوق شخصي، وأن جمال القطعة وتناسبها مع المظهر العام يشكلان معيارين أساسيين في الاختيار، بصرف النظر عن كونها مصنوعة من معدن ثمين.
من الادخار إلى الموضة.. تحولات في نظرة النساء إلى الذهب
أوضح الحرفي جورج زكي الأخرس، رئيس جمعية الصاغة سابقاً في حمص، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن المرأة في الأجيال السابقة كانت تنظر إلى الذهب باعتباره وسيلة للادخار وملاذاً مادياً يمكن الاعتماد عليه في المستقبل.
وأشار إلى أن امتلاك كميات أكبر من الذهب كان يمنح المرأة شعوراً بالأمان والاستقرار، نظراً إلى إمكانية الاستفادة من قيمته عند الحاجة، ما جعل الادخار أحد الدوافع الرئيسية لاقتناء المشغولات الذهبية.
وبيّن أن تطور الحياة وانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أسهما في تغيير خيارات بعض النساء والفتيات، مع ازدياد الاهتمام بجمال القطعة وتصميمها ومدى مواكبتها للموضة.
وأضاف أن بعض المشترِيات أصبحن يفضلن التصاميم المعروفة محلياً باسم «الفرفشة» أو «الفانتاستيك»، التي تتميز بأشكالها العصرية وتفاصيلها الجمالية، بدلاً من التركيز على المشغولات التقليدية المرتبطة بالادخار.
وأكد أن هذه التحولات لم تُلغِ اهتمام الجيل الجديد بالقيمة المادية للذهب، إذ لا تزال فئة من الفتيات تحرص على اقتنائه بهدف الحفاظ على قيمة المال وتكوين مدخرات يمكن الاستفادة منها مستقبلاً.
التصاميم الحديثة.. تنوع في الأشكال والمشغولات
أشار الأخرس إلى أن تطور صناعة الذهب أتاح إنتاج مشغولات متنوعة من حيث الأشكال والتفاصيل وطرق التصنيع، مع ازدياد اهتمام بعض المشترين بالمظهر الجمالي للقطعة والتصميم العام.
وأوضح أن بعض المشغولات الحديثة تعتمد على أحجار للزينة، سواء من الألماس أو الزيركون، فيما يركز المشترون أحياناً على جمال التصميم وتناسق التفاصيل أكثر من اهتمامهم بقيمة الأحجار المستخدمة.
وبيّن أن الأسواق شهدت دخول موديلات متنوعة، ولا سيما التصاميم الإيطالية والتركية المستوردة بطرق نظامية، ما أتاح خيارات إضافية أمام المستهلكين وأسهم في توسيع حضور المشغولات العصرية.
ولفت إلى أن بعض هذه القطع تتميز بارتفاع أجور الصياغة والمصنعية، نتيجة دقة التصنيع وكثرة التفاصيل الفنية، مشيراً إلى توافر تصاميم بعيارات مختلفة، من بينها عيارا 18 و12.
عيارات الذهب.. اختلاف في النقاء والصلابة والتصميم
شرح الأخرس أن اختلاف عيارات الذهب يرتبط بنسبة المعدن الخالص في القطعة، والمعادن الأخرى التي تدخل في تركيبها، ما يؤثر في خصائص المشغولات وقيمتها وإمكانية تشكيلها.
وأوضح أن عيار 24 يتميز بدرجة نقاء مرتفعة، بينما يحتوي عيار 21 على نسبة أقل من الذهب الخالص، نتيجة إضافة معادن أخرى، من بينها النحاس، لزيادة صلابة المشغولات وتحسين متانتها.
أما عيارا 18 و12، فتتيح المعادن الداخلة في تركيبهما خصائص تساعد على تنفيذ تصاميم متنوعة وتفاصيل دقيقة، بما يمنح الصاغة خيارات أوسع في إنتاج المشغولات الحديثة.
وأشار إلى أن اختيار العيار يرتبط بطبيعة الاستخدام والتصميم المطلوب، إضافة إلى الإمكانات المادية للمشتري ومدى اهتمامه بالقيمة الادخارية أو الجمالية للقطعة.
أجور الصياغة وتأثيرها في قيمة الذهب عند إعادة البيع
لفت الأخرس إلى أن قيمة المشغولات الذهبية لا تتحدد بالوزن والعيار وحدهما، إذ تدخل أجور الصياغة والتصميم والأحجار المستخدمة ضمن السعر النهائي الذي يدفعه المشتري.
وأوضح أن القطع التي تتطلب عملاً فنياً دقيقاً أو تتضمن أحجاراً وتفاصيل زخرفية قد ترتفع أجور تصنيعها مقارنة بالمشغولات البسيطة، ما ينعكس على كلفتها عند الشراء.
وأشار إلى أن المشتري قد لا يسترد كامل المبالغ التي دفعها مقابل المصنعية والتفاصيل الزخرفية عند إعادة البيع، لأن تقييم القطعة يتأثر بوزن الذهب وعياره وقيمة الأحجار وحالة السوق.
وبيّن أن هذه الفروق تستدعي الانتباه إلى طبيعة المشغولات عند شرائها، ولا سيما بالنسبة إلى من يقتني الذهب بهدف الادخار والحفاظ على قيمة المال.
الموديلات التقليدية.. تراجع الإقبال أمام التصاميم العصرية
استعرض الأخرس التحولات التي شهدتها أذواق المشترين خلال السنوات الماضية، موضحاً أن العائلات كانت تفضل مشغولات تقليدية مثل المباريم والجنزير الصب وأساور رأس الحية والأساور المجدولة.
وأشار إلى أن هذه الموديلات كانت تحظى بإقبال واسع، نظراً إلى ارتباطها بالعادات الاجتماعية وتفضيلات الأجيال السابقة، إلا أن الطلب عليها تراجع مع انتشار التصاميم الحديثة.
وأوضح أن صياغة المشغولات من عيار 21 تعتمد بصورة أساسية على العمل اليدوي، فيما تتطلب بعض القطع المصنوعة من عيار 18 وقتاً وجهداً إضافيين، ولا سيما التصاميم التي تتضمن أحجاراً وتفاصيل دقيقة.
وأضاف أن أجور الصياغة تختلف تبعاً للعيار وطبيعة العمل ومستوى التفاصيل، مشيراً إلى أن الذهب عيار 21 يحتوي على نسبة أعلى من الذهب الخالص مقارنة بالعيارات الأقل، ما يؤثر في قيمته المعدنية.
وأكد أن مقدار الخسارة المحتملة عند إعادة البيع يختلف بحسب وزن القطعة وعيارها وأجور تصنيعها والأحجار المستخدمة فيها، إضافة إلى الأسعار السائدة في السوق وقت البيع.
الذهب الخليجي.. تصاميم مميزة وإجراءات للمعايرة والوسم
تطرق الأخرس إلى المشغولات الذهبية الخليجية، مشيراً إلى أنها تتميز بدقة التصنيع وجمالية التصميم، وكانت تحظى باهتمام بعض العائلات التي اعتادت اقتناء قطع منها، ولا سيما الأساور والمشغولات ذات الطابع المميز.
وأوضح أن بعض هذه القطع كانت تصل إلى الأسواق المحلية عن طريق أشخاص قادمين من دول الخليج، وتلقى اهتماماً من المشترين الباحثين عن تصاميم مختلفة عن الموديلات المتداولة.
وبيّن أن المشغولات تخضع للإجراءات اللازمة قبل عرضها للبيع، بما يشمل معايرتها ووسمها بالختم السوري وفق الأصول المعتمدة، من خلال الجهة المختصة، تمهيداً لطرحها في واجهات المحال.
الذهب بين الأجيال.. قيمة اجتماعية ومدخرات وأذواق متجددة
تكشف آراء النساء والعاملين في مهنة الصياغة عن تنوع الدوافع المرتبطة باقتناء الذهب، بين من تحتفظ به باعتباره ذكرى عائلية وهدية مرتبطة بالمناسبات، ومن تنظر إليه بوصفه مدخرات يمكن الاستفادة منها عند الحاجة، ومن تفضل المشغولات العصرية أو الإكسسوارات البديلة.
وتبرز الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار بوصفهما عاملين مؤثرين في قرارات الشراء، إلى جانب تطور صناعة المشغولات الذهبية وتنوع العيارات والتصاميم وأجور الصياغة، ما يفرض على المشترين الموازنة بين القيمة المادية للقطعة وجمالها وتكلفة اقتنائها.
ومع اختلاف الأذواق والأولويات بين الأجيال، يحتفظ الذهب بمكانته في حياة كثير من النساء، حاملاً معاني اجتماعية وذكريات عائلية وقيمة مادية، فيما تستمر خيارات اقتنائه بالتغير تبعاً للقدرة الشرائية وتطور الموضة والاحتياجات الشخصية.