العروبة – خاص
حافظت العراضة الحمصية على حضورها بوصفها أحد أبرز ملامح التراث الشعبي في حمص، فلم تبقَ طقساً مرتبطاً بأفراح المدينة ومناسباتها الاجتماعية، بل تحولت خلال سنوات الحرب والتهجير إلى ذاكرة متنقلة حملها أبناء حمص معهم إلى مناطق نزوحهم، ومنها إلى عدد من الدول العربية والأوروبية، لتستمر الأهازيج واللباس التقليدي والطقوس الموروثة شاهداً على ارتباط الحمصيين بمدينتهم وهويتهم.
تراث رافق المهجرين
وأوضح قائد فرقة «سيف حمص» أبو عبدو البشير، في تصريح لصحيفة «العروبة»، أن انتقال العراضة إلى خارج حمص ارتبط بظروف الحرب التي شنها نظام الأسد البائد وما رافقها من تهجير، إذ حمل أبناء المدينة موروثهم الشعبي معهم وحافظوا على تقديمه في المناسبات بمناطق وجودهم الجديدة.
وقال البشير: «بدأت فكرة نقل العراضة الحمصية إلى خارج حمص بسبب الحرب والثورة والتهجير الذي تعرضنا له من قبل النظام البائد، عندما خرجنا من حمص القديمة توجهنا إلى الريف الشمالي في تلبيسة، وبعدها دير فول، ثم انتقلنا إلى إدلب».
وأشار إلى أن وجود المهجرين في دير فول وسط مجتمعات تمتلك عادات وتقاليد مختلفة أتاح فرصة للتعريف بالعراضة الحمصية، التي لاقت استحسان الأهالي، وبدأت الدعوات تتزايد لتقديمها في الأعراس ومختلف المناسبات والأفراح.
وبيّن أن انتقالهم إلى إدلب عام 2017 شكّل مرحلة جديدة في انتشار هذا الموروث، إذ قُدمت العراضة للمرة الأولى هناك عند جامع سعد بمشاركة مجموعة من الشباب، ولاقت تفاعلاً واسعاً، قبل أن يتسع حضورها لتشمل الأعراس والمناسبات والمظاهرات.
وأضاف أن هذا الانتشار أسهم في تشكيل فرقة للعراضة شاركت في افتتاح المحال التجارية والأفراح والفعاليات المختلفة، كما أتاح لأبناء مناطق أخرى التعرف إلى تفاصيلها وتعلم طريقة أدائها، بما في ذلك الأهازيج والصوت العوبي وطقوس تزيين العريس.
وأكد البشير أن الحرص على حماية هوية العراضة بقي حاضراً طوال سنوات الثورة، إذ جرى توظيف أهازيج ذات مضمون ثوري مع المحافظة على روح الموروث الحمصي وأسلوبه، ما ساعد على استمراره وانتقاله إلى أماكن جديدة.
ولفت إلى أن العراضة لم تتوقف عند حدود مناطق النزوح في سوريا، وإنما انتقلت مع المهجرين إلى دول عربية وأوروبية، حيث واصل أبناء حمص تقديمها في الأفراح والسهرات والمناسبات، لتصبح وسيلة لاستحضار أجواء المدينة والحفاظ على الصلة بتراثها الشعبي.
عودة إلى حمص وحماية للأصول
وأعرب البشير عن سعادته بعودة العراضة إلى حمص، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والتهجير تركت آثارها على بعض تفاصيل الموروث، وأدت إلى فقدان أو تغير أجزاء من صورته الأصلية.
وكشف عن العمل على خطة للحفاظ على العراضة والتراث الحمصي وفق أصولهما، وتصحيح بعض الكلمات والأهازيج المتداولة، بما يمنع انتقال الصيغ غير الدقيقة إلى الأجيال المقبلة.
وقال: «نعمل على خطة جديدة نحافظ من خلالها على العراضة الحمصية والتراث الحمصي بحقيقته، كما كان موجوداً بأصوله الصحيحة، وألا يتغير شيء منه»، موضحاً أن هذه الجهود تجري بالتعاون مع عدد من أهل المعرفة بالتراث في حمص بهدف توثيقه ونقله بصورة سليمة.
من حارات حمص إلى المهرجانات
من جهته، أكد خالد سلمانية «أبو سليمان»، مؤسس ثالث فرقة عراضة حمصية، في حديث لـ«العروبة»، أهمية الحفاظ على العراضة باعتبارها موروثاً شعبياً يصل الأجيال الجديدة بذاكرة مدينتهم، لافتاً إلى مشاركة فرقته في مناسبات ومهرجانات داخل سوريا وخارجها.
وأشار إلى أن مشاركاته شملت مهرجان الإسماعيلية في القاهرة، إلى جانب فعاليات في جبلة وطرطوس وتلكلخ، فضلاً عن تلبية دعوات لإقامة عراضات وأعراس في جدة ولبنان، بما يعكس انتشار هذا اللون التراثي وتفاعل الجمهور معه.
واستذكر سلمانية جذور العراضة الحمصية، موضحاً أنها لم تبدأ على هيئة فرق منظمة كما هي اليوم، وإنما نشأت كعادة اجتماعية يشارك فيها أبناء حارات حمص القديمة خلال الأعراس والمناسبات.
وبيّن أن أبناء أحياء باب الدريب وباب السباع وباب التركمان وباب المسدود وباب تدمر وجورة الشياح والخالدية كانوا يشاركون في هذه المناسبات وفق تقاليد متوارثة، مرتدين الشروال واللباس العربي التقليدي، ومتجمعين لتقديم الأهازيج والعراضة.
«حبل العريس» وطقوس الأفراح القديمة
وأشار سلمانية إلى ارتباط العراضة بصورة أساسية بالأعراس وعقد القران، ومن أبرز طقوسها «حبل العريس»، حيث كان العريس يُرافق من حارة إلى أخرى وسط الأهازيج والأغاني الشعبية.
وأوضح أن الأعراس كانت تقام في البيوت العربية الكبيرة، ويدعو أهل العرس كبارية الحارات الأخرى للمشاركة، فيما يخرج أبناء الحارة لاستقبال الضيوف بالعراضة والأهازيج، وكانت عبارات الترحيب تُكتب على السيوف، بينما تعتمد العراضة على الطبل والسيفين والطروسين، ويتولى أحد كبارية الحارة قيادتها وتنظيم المشاركين.
وأضاف أن العراضة ترافقت مع طقوس شعبية أخرى، من بينها «البوجي» و«شبا الروش السهرة»، حيث تتداخل الأهازيج مع رقصات المشاركين لتشكل جزءاً متكاملاً من المشهد الاحتفالي في أعراس حمص القديمة.
ولفت إلى أن انتقال الأعراس من البيوت العربية إلى صالات الأفراح أدى إلى تراجع بعض هذه الطقوس، وفي مقدمتها «حبل العريس»، الذي أصبح حضوره نادراً مقارنة بما كان عليه سابقاً.
تطوير يحافظ على الهوية
وأكد سلمانية أن تغير شكل المناسبات دفع فرق العراضة إلى تطوير أدائها بما يتلاءم مع طبيعة الاحتفالات الحديثة، من دون التخلي عن عناصرها الأساسية، مشيراً إلى أن فرقته أدخلت إيقاعات جديدة وزادت عدد الطبول واستخدمت الدفوف، مع الحفاظ على هوية العراضة وروحها التراثية.
وأوضح أن حضور العراضة لم يقتصر تاريخياً على الأعراس، بل شمل استقبال الحجاج بعد عودتهم، وعقد القران، ومناسبات الطهور والاحتفال بقدوم المواليد، ما جعلها جزءاً من الحياة الاجتماعية لأبناء حمص.
وأكد أن العراضة لا تزال حاضرة في معظم الأعراس الحمصية رغم تغير أنماط الاحتفال، مدفوعة بارتباط الشباب بها وبصورتها التراثية المتمثلة باللباس التقليدي والسيف والأهازيج الشعبية، إلى جانب استمرار الطلب على الفرق المتخصصة.
موروث ينتقل بين الأجيال
وشدد سلمانية على أن بقاء العراضة مرتبط بقدرتها على الوصول إلى الأجيال الجديدة، مستذكراً تجربته في تعلمها من خلال المشاركة في عادات حارته، حيث كان الصغار والكبار يجتمعون في المناسبات ويتناقلون تفاصيلها بصورة تلقائية.
وأشار إلى حرصه على نقل هذا الموروث إلى أبنائه وأحفاده، معتبراً أن تطوير الأداء بما ينسجم مع العصر لا يعني التخلي عن الجذور، وإنما يمنح العراضة فرصة للاستمرار والوصول إلى جمهور جديد.
ونوّه إلى أن قائد الفرقة يتحمل مسؤولية أساسية في حماية هذا الموروث، من خلال تنظيم المشاركين وضبط الأهازيج والحركات، والتمتع بالحضور والصوت والأداء المناسب، إلى جانب المحافظة على اللباس التقليدي بوصفه جزءاً أساسياً من هوية العراضة وصورتها المتوارثة.
وتواصل العراضة الحمصية اليوم رحلتها بين الأجيال والأماكن، حاملة معها أهازيج الحارات وطقوس الأفراح واللباس الشعبي وذاكرة المدينة، وبعد أن خرجت مع المهجرين من حمص إلى مناطق النزوح ثم عبرت معهم إلى بلدان أخرى، بقيت حاضرة بوصفها أكثر من مجرد فقرة احتفالية، لتغدو مساحة تحفظ جانباً من الهوية الشعبية وتعيد وصل أبناء المدينة بتراثهم مهما ابتعدوا عن المكان.
معد التقرير: هيا العلي
المزيد...