بين رفوف المكتبة وشاشة الهاتف.. كيف يستعيد الكتاب حضوره لدى الأطفال؟

العروبة – خاص
فرض الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل والمحتوى الرقمي السريع واقعاً جديداً على علاقة الأطفال بالكتاب، بعدما باتت الشاشة توفر المعلومة والترفيه خلال لحظات، فيما تحاول الأسر والمكتبات والمراكز الثقافية الحفاظ على عادة القراءة وجعلها جزءاً من حياة الطفل اليومية.
وأبقى هذا التحول الباب مفتوحاً أمام الكتاب، إذ ما يزال عدد من الأطفال يجدون في القصص والقراءة مساحة للمتعة والاكتشاف، ولا سيما عندما تتوافر بيئة أسرية مشجعة، ومكتبات قادرة على تقديم محتوى يتناسب مع أعمارهم واهتماماتهم.
شغف يبدأ من القصة
ويجد الطفل يوسف، وهو في الصف السادس الابتدائي، متعته في زيارة المكتبة واقتناء قصص الأطفال، مؤكداً أن القراءة تجمع بالنسبة إليه بين الفائدة والمتعة، وتمنحه فرصة لاكتشاف موضوعات وحكايات جديدة.
وأسهم أصدقاء والده في تعزيز علاقته بالكتاب من خلال توجيهه إلى القصص المناسبة وتشجيعه على القراءة، الأمر الذي ساعده على تنمية مفرداته اللغوية وزيادة اهتمامه بالمطالعة.
وتكشف هذه التجربة أن علاقة الطفل بالكتاب لم تنتهِ مع انتشار الوسائل الرقمية، وإنما تغيرت الظروف المحيطة بها، إذ يبقى اختيار القصة المناسبة وتوفير المكان المشجع والنشاط المحفز عوامل قادرة على جعل القراءة جزءاً محبباً من يومياته.
الأسرة تصنع العادة
وتحرص فاتن محمد، 38 عاماً، على اصطحاب ابنها إلى المكتبة وتشجيعه على اختيار القصص الملائمة لعمره، معتبرة في حديثها لـ«العروبة» أن الكتاب يسهم إلى جانب المتعة في توسيع خيال الطفل وتنمية مفرداته وقدرته على التعبير.
وتحاول جعل اختيار القصص نشاطاً محبباً يرتبط بالاكتشاف، بعيداً عن اقتصار علاقة الطفل بالقراءة على الواجبات المدرسية، بما يساعد على تحويل زيارة المكتبة إلى عادة مستمرة.
وترى أم حازم أن التحدي الأكبر أمام الأسرة يتمثل في تحقيق التوازن بين القراءة واستخدام الهاتف، بعدما أصبح الأخير حاضراً في معظم تفاصيل حياة الأطفال، معتبرة أن المنع الكامل ليس حلاً عملياً، وأن تنظيم ساعات استخدامه وتخصيص وقت يومي للكتاب يمكن أن يساعدا في الحفاظ على عادة المطالعة.
ويؤكد فادي العلي، والد طفلين في المرحلة الإعدادية، لـ«العروبة» أن سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي وسرعة انتشاره وضعت أطفال اليوم أمام تحديات تختلف عما عرفته الأجيال السابقة، في وقت يحافظ فيه الكتاب على أهميته في بناء شخصية الطفل وتنمية معارفه وقدرته على التعلم.
ويشدد على أن دور الأسرة يتجاوز شراء الكتب إلى تقديم القدوة، لأن رؤية الطفل والديه يقرآن تساعد على جعل الكتاب عنصراً طبيعياً في حياته، وليس نشاطاً مفروضاً عليه.
المحتوى السريع وتحدي التركيز
وتربط نور عمران، خريجة كلية التربية اختصاص علم النفس، ابتعاد بعض الأطفال عن القراءة بجملة من العوامل، في مقدمتها طبيعة المحتوى الرقمي الذي يقدم صوراً ومقاطع قصيرة ومتنوعة خلال ثوانٍ، ما يدفع الطفل نحو المعلومة السريعة ويقلل صبره على المحتوى الذي يحتاج إلى وقت وتركيز.
وتوضح لـ«العروبة» أن الاستخدام المفرط للهاتف ووسائل التواصل قد يؤثر في قدرة الطفل على التركيز والاستمرار في نشاط واحد لفترة طويلة، بينما لا تكمن المعالجة في منع التكنولوجيا بصورة مطلقة، وإنما في تنظيم استخدامها وتوفير بدائل ممتعة تشمل القراءة والأنشطة الثقافية والفنية والرياضية.
وتؤكد أهمية منح الطفل مساحة لاختيار الكتب المناسبة لعمره وميوله، وتحويل القراءة إلى تجربة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمكتبة، بعيداً عن التعامل مع الكتاب باعتباره مهمة إضافية أو وسيلة للعقاب.
المكتبة تتغير أيضاً
ولفت مدير المكتب الإعلامي في مديرية ثقافة حمص محمد علوش، في حديث لـ«العروبة»، إلى أن المشهد القرائي لدى الأطفال تغير مع انتشار الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع القراءة، إذ أصبح الطفل يمتلك مصادر متعددة للمعلومة والترفيه، وأصبح الكتاب أمام منافسة أكبر على اهتمامه.
وبين أن المهمة لم تعد تقتصر على دعوة الأطفال إلى المطالعة، وإنما تتطلب تقديم القراءة بصورة ممتعة وقريبة من اهتماماتهم، ولا سيما من خلال نوادي القراءة والمسابقات وورشات الحكاية والأنشطة الثقافية والفنية المرتبطة بالكتاب.
وأوضح أن مديرية ثقافة حمص تعمل على جعل المكتبة جزءاً من الحياة الثقافية اليومية للطفل، وليس مكاناً لاستعارة الكتب فقط، عبر برامج القراءة والتعلم التفاعلي وورشات الأطفال والمسابقات والفعاليات المختلفة في المراكز الثقافية.
وأضاف أن انتشار هذه المراكز في مناطق متعددة من المحافظة يساعد على إيصال الأنشطة إلى شريحة أوسع من الأطفال وعدم حصرها في مركز المدينة، بهدف بناء علاقة مستمرة مع الكتاب أساسها الاختيار والاكتشاف والمتعة.
أرقام أكثر دقة لقياس القراءة
وأوضح علوش أن المديرية تمتلك بيانات عن النشاط الثقافي العام في المديرية والمراكز التابعة لها، وتعمل على تطوير آلية تصنيفها بصورة أكثر تفصيلاً، بما يسمح مستقبلاً برصد أعداد الأطفال المستفيدين من المكتبات والأنشطة القرائية بشكل مستقل ودقيق.
كما اعتبر أن قياس نجاح المكتبات لا ينبغي أن يرتبط بأعداد الزوار وحدها، بل بأعداد المشاركين في الأنشطة القرائية ونسب استعارة الكتب والمشاركة في النوادي والمسابقات، ومدى استمرار علاقة الأطفال بالمكتبة.
ولفت إلى اختلاف الكتب التي تجذب الأطفال تبعاً للأعمار والميول، مع وجود اهتمام بالقصص والحكايات والروايات المخصصة للأطفال واليافعين والكتب المصورة، إلى جانب المؤلفات التي تجمع المعرفة بالمتعة، ما يستدعي تنويع محتويات المكتبات لتشمل العلوم المبسطة والمعارف العامة والسير والأدب الموجه للفئات العمرية المختلفة.
وأكد العمل على تطوير أساليب تقديم الكتاب من خلال ربطه بالفن والمسرح والرسم وورشات الحكاية والمسابقات، إلى جانب إمكانية الاستفادة من الأدوات الرقمية للتعريف بالكتب والمحتوى الثقافي، بدلاً من التعامل معها بوصفها منافساً لا يمكن التعايش معه.
وخلص إلى أن الهواتف والمنصات الرقمية غيرت طريقة تعامل الأطفال مع المعرفة، ما يجعل تقديم الكتاب بصورة أكثر جاذبية الطريق الأنسب لبناء علاقة تدفع الطفل إلى القراءة بدافع الفضول والمتعة والاهتمام.
ويبقى بناء جسر بين العالم الرقمي والكتاب خياراً أكثر واقعية من إبعادهما عن بعضهما، بحيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتعريف بالقراءة وتشجيعها، ويحافظ الكتاب في المقابل على مكانته كمساحة للخيال والمعرفة والاكتشاف متى قُدّم للطفل بطريقة تلامس اهتماماته وعالمه.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور... المعهد التقاني للصناعة التطبيقية بحمص يعزز التدريب العملي عبر 6 اختصاصات وشراكات صناعية من تطريز فساتين الأعراس إلى الحقائب والريزين.. حرف يدوية تعزز دخل النساء في حمص بطل ملاكمة سوري يحوّل معاناته مع الإصابة إلى مشروع لتأهيل الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن وزير الإعلام من القاهرة: سوريا تعيد بناء منظومتها الإعلامية وتؤسس لإعلام مهني حر ومسؤول «مؤشر الشاورما» في سوريا.. ارتفاع الأسعار يقلص قدرة الحد الأدنى للأجور إلى 49 سندويشة شهرياً سبخة الموح في بادية تدمر.. ثروة الملح التي حفظت تاريخ المدينة ووفرت مصدر رزق لأجيال