العروبة – خاص
استخدم نظام الأسد البائد، على مدى عقود، وسائل الإعلام الرسمية والمحلية (المرئية والمسموعة والمكتوبة)، أداةً لتوجيه الرأي العام وفرض رواية السلطة، فلم تكن الأولوية لنقل الواقع كما هو أو إتاحة المجال أمام السوريين لطرح مشكلاتهم وهمومهم، بقدر ما انصب الاهتمام على تقديم صورة تتوافق مع الخطاب الرسمي وتخدم مصالح النظام.
وكان فرض النظام البائد قيوداً واسعة على العمل الصحفي، وربط المؤسسات الإعلامية الرسمية بخطابه السياسي، ما ضيّق مساحات النقد والمساءلة، ودفع جانباً كبيراً من التغطيات إلى التركيز على أخبار المسؤولين وتحركاتهم وتصريحاتهم، بدلاً من وضع المواطن وقضاياه في صدارة العمل الإعلامي.
وأخضع النظام اختيار القضايا وطريقة معالجتها للسقف الذي تحدده السلطة وأجهزتها، ما أدى إلى تغييب ملفات ترتبط مباشرة بحياة السوريين، أو تناولها بصورة مجتزأة لا تتعارض مع الرواية الرسمية، وأفقد الإعلام المحلي تدريجياً دوره في مراقبة المؤسسات وكشف مواطن الخلل ونقل شكاوى الناس، قبل أن يحولها لأداء تساند القتل وتشوه صورة كل من عارضه.
«العروبة» وذاكرة المرحلة السابقة
عانت صحيفة «العروبة»، باعتبارها إحدى الصحف المحلية في محافظة حمص، من تداعيات هذه المنظومة، إذ ابتعدت خلال مراحل سابقة عن الشارع الحمصي وهمومه، وتحولت، بفعل ممارسات مسؤولين تعاقبوا على إدارتها، من صحيفة يفترض أن تكون صوتاً للمحافظة إلى جهة مرتبطة بجمع المعلومات وإعداد تقارير كانت تطلبها الأفرع الأمنية التابعة لنظام الأسد البائد.
وأنتج هذا الواقع صورة سلبية عن الصحيفة لدى شريحة من أبناء حمص، بعدما ارتبط اسمها بمنظومة إعلامية فاسدة وقفت ضد أبناء حمص، في حين كان المنتظر من وسيلة إعلام محلية أن تكون الأكثر قرباً من تفاصيل حياتهم والأقدر على إيصال أصواتهم ومساءلة المؤسسات المعنية بخدمتهم، علاوة عن الانحياز لصوت الشعب الذي رفض الظلم والقهر.
مرحلة جديدة بعد سقوط النظام
بادرت إدارة مؤسسة الوحدة، عقب سقوط نظام الأسد البائد، إلى العمل على إعادة إحياء الصحف المحلية، عبر إعادة بناء كوادرها والاستعانة بخبرات وطاقات جديدة، ضمن توجه يهدف إلى استعادة الوظيفة الأساسية لهذه المؤسسات، وفي مقدمتها نقل صوت المجتمع المحلي والتعامل مع مختلف مكوناته وقضاياه بعيداً عن التحيز والتمييز.
وشهدت صحيفة «العروبة» في إطار هذا التوجه تحولاً في طبيعة عملها وتغطياتها اليومية، مع توسيع حضور المواد الإخبارية والسياسية والمحلية، ومنح قضايا محافظة حمص وسكانها مساحة أكبر، في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الصحفية بحيث يبدأ الخبر من المواطن واحتياجاته، لا من المسؤول وتصريحاته.
استعادة ثقة أبناء حمص
تسعى الصحيفة في مرحلتها الجديدة إلى تجاوز الصورة التي تركتها سنوات الإعلام الموجّه، وبناء علاقة مختلفة مع أبناء المحافظة، تقوم على الاقتراب من قضاياهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم، وإتاحة مساحة لمختلف الأصوات والمكونات، بما يعيد للصحافة المحلية دورها بوصفها حلقة وصل بين المجتمع والمؤسسات.
ويتطلع القائمون على «العروبة» إلى استعادة ثقة الجمهور تدريجياً، وترسيخ حضور الصحيفة كمنبر محلي يتابع ما يجري في مدن حمص وبلداتها وأحيائها، ويرصد احتياجات سكانها وينقلها إلى الرأي العام والجهات المعنية.
وتبدأ المهمة الجديدة لـ«العروبة» من استعادة وظيفتها ومعناها كصحيفة محلية، لتكون صوتاً حمصياً لجميع أبناء المحافظة، وذاكرةً توثق أحداثها وتحولاتها، ومساحةً تنقل واقع الناس وقضاياهم، بعد عقود طغت فيها رواية السلطة على أصوات المواطنين.
المزيد...