العروبة – خاص
أنهت سوريا في 24 آب 2026 مساراً امتد نحو 47 عاماً من وجودها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية رفع اسمها رسمياً من القائمة، لتطوى بذلك واحدة من أطول مراحل القيود الأمريكية المفروضة على البلاد منذ إدراجها للمرة الأولى في 29 كانون الأول 1979.
ويكشف تتبع العقوبات الأمريكية على سوريا عن مسار متدرج بدأ بتصنيفها دولة راعية للإرهاب، ثم توسع عبر قوانين وأوامر تنفيذية وعقوبات اقتصادية ومالية خلال العقود التالية، قبل أن يبدأ الاتجاه المعاكس عقب سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول 2024، وصولاً إلى رفع التصنيف في آب 2026.
1979.. بداية التصنيف
أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 كانون الأول 1979، خلال عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ليستمر التصنيف خلال العقود التالية مع نظام الأسد البائد.
وفرض التصنيف قيوداً مرتبطة بالمساعدات الخارجية الأمريكية وصادرات الأسلحة، إلى جانب ضوابط على بعض الصادرات ذات الاستخدام المزدوج وقيود مالية وتجارية أخرى.
2003 و2004.. توسيع دائرة العقوبات
أقر الكونغرس الأمريكي في 12 كانون الأول 2003 “قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية”، لتدخل العقوبات في العام التالي مرحلة جديدة من التوسع.
وأصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش في 11 أيار 2004 الأمر التنفيذي 13338 لتنفيذ العقوبات الواردة في القانون، ما أضاف قيوداً اقتصادية وتجارية واستهدف كيانات ومسؤولين مرتبطين بالحكومة السورية السابقة.
واستمر تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب خلال تلك المرحلة بصورة منفصلة عن برامج العقوبات الاقتصادية الأخرى، فيما توالت إجراءات إضافية بحق أفراد ومؤسسات سورية.
أحمد الرسلان:
2011.. العقوبات تتحول إلى منظومة أوسع
اتسع نطاق العقوبات الأمريكية مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، إذ بدأت واشنطن إصدار سلسلة من الأوامر التنفيذية التي استهدفت نظام الأسد البائد ومؤسساته.
وبدأت الإجراءات الجديدة بالأمر التنفيذي 13572 في نيسان 2011، ثم توسعت مع الأمر 13573 في 18 أيار، وصولاً إلى الأمر 13582 الصادر في 17 آب من العام ذاته، والذي فرض حظراً واسعاً على ممتلكات الحكومة السورية ومصالحها الواقعة ضمن الاختصاص الأمريكي.
وأصبح ملف العقوبات منذ ذلك الوقت قائماً على مسارين متوازيين، أولهما تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، والثاني منظومة العقوبات الاقتصادية التي توسعت بصورة كبيرة بعد عام 2011.
2019 و2020.. قانون قيصر يضيف طبقة جديدة
أقر الكونغرس الأمريكي في كانون الأول 2019 “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في 17 حزيران 2020، مضيفاً مستوى جديداً من العقوبات المفروضة على نظام الأسد البائد.
وفرض القانون عقوبات إلزامية على أشخاص وكيانات أجنبية تتعامل مع الحكومة السورية السابقة أو تقدم لها الدعم، كما شملت إجراءاته معاملات مرتبطة بقطاعات اقتصادية، بينها الطاقة والبنية التحتية.
وأضافت واشنطن خلال السنوات الأخيرة من حكم نظام الأسد البائد أدوات عقابية أخرى مرتبطة بمكافحة تجارة الكبتاغون، عبر قانونين أقرهما الكونغرس في كانون الأول 2022 ونيسان 2024، واستهدفا شبكات مرتبطة بتجارة المخدرات.
8 كانون الأول 2024.. نقطة التحول
شكل سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول 2024 نقطة تحول في مسار العقوبات والعلاقات بين دمشق وواشنطن، لتبدأ مرحلة جديدة اتجهت تدريجياً نحو تفكيك القيود التي تراكمت خلال العقود السابقة.
وترافق التحول مع انفتاح عربي ودولي على سوريا الجديدة، وتحركات دبلوماسية قادها الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، إلى جانب اتصالات مباشرة مع الإدارة الأمريكية لبحث مستقبل العلاقات والعقوبات وإعادة دمج سوريا اقتصادياً وسياسياً.
2025.. بداية تفكيك منظومة العقوبات
وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 30 حزيران 2025 الأمر التنفيذي 14312، موجهاً وزارات الخزانة والخارجية والتجارة إلى تخفيف القيود التجارية والمالية المفروضة على سوريا، لتدخل الإجراءات حيز التنفيذ في الأول من تموز.
وأعقب ذلك رفع القيود العامة عن التعاملات المالية مع الحكومة السورية والمؤسسات المالية السورية، بما فيها مصرف سوريا المركزي، والسماح للمؤسسات المالية الأمريكية بإقامة علاقات مصرفية مراسلة مع المصارف السورية، مع استمرار العقوبات المستهدفة بحق أشخاص وكيانات مرتبطة بنظام الأسد البائد.
وألغى الكونغرس الأمريكي في 18 كانون الأول 2025 “قانون قيصر” بصورة كاملة، بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، لتنتهي بذلك إحدى أبرز طبقات العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا.
2026.. خطوات متلاحقة نحو إنهاء القيود
تواصل مسار تخفيف القيود خلال عام 2026، إذ أزالت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي في 27 شباط هيئة تحرير الشام وجميع أسمائها المستعارة المعروفة من نظام عقوبات القرار 1267.
وأزالت وزارة الخارجية الأمريكية في أيار من العام ذاته اسم سوريا من قائمة “الدول غير المتعاونة بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب”، في خطوة سبقت بدء الإجراءات المتعلقة بإلغاء تصنيفها دولة راعية للإرهاب.
8 تموز.. بدء العد التنازلي
أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس في 8 تموز 2026 رسمياً بنيته إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، لتبدأ مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يوماً.
وجاءت الخطوة بالتزامن مع لقاء جمع الرئيس أحمد الشرع والرئيس ترامب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “ناتو” في أنقرة، فيما أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في اليوم ذاته بدء إجراءات إلغاء التصنيف.
وربط روبيو القرار بالتغييرات التي شهدتها سوريا والإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة في مجال مكافحة الإرهاب، إضافة إلى ضمانات رسمية قدمها الرئيس الشرع بأن سوريا لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي مستقبلاً.
والتقى الرئيس الشرع في اليوم ذاته المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك ووفداً من أعضاء الكونغرس برئاسة السيناتورة جين شاهين، حيث تناولت المباحثات إعادة الإعمار وإزالة القيود التشريعية المتبقية أمام سوريا.
22 آب.. انتهاء مهلة الكونغرس
انتهت في 22 آب 2026 مهلة الـ45 يوماً المخصصة لمراجعة الكونغرس للقرار، دون تسجيل اعتراض يحول دون استكمال إجراءات إلغاء التصنيف.
وانتقلت العملية بعد انتهاء المهلة من مرحلة المراجعة القانونية إلى التنفيذ، لتستكمل وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتان الإجراءات المتعلقة بتحديث اللوائح وإلغاء القيود المرتبطة بالتصنيف.
24 آب 2026.. نهاية تصنيف استمر نحو 47 عاماً
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 آب رفع اسم سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تحديثاً للوائح العقوبات يعكس انتهاء التصنيف.
وأوضح التحديث أن سوريا لم تعد خاضعة لأحكام لوائح “حكومات قائمة الإرهاب”، بما في ذلك القيود المرتبطة بالتعاملات المالية والمصرفية، كما ألغى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الترخيص العام السوري رقم 25 بعد انتفاء الحاجة إليه.
وأصدرت وزارات الخزانة والخارجية والتجارة الأمريكية بياناً استشارياً محدثاً بشأن تخفيف القيود على الصادرات والعقوبات، مؤكدة أن سوريا لم تعد خاضعة للحظر المرتبط بالحكومات المدرجة على قائمة الإرهاب.
وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن رفع التصنيف من شأنه دعم الاستثمار في سوريا وتعزيز استقرارها السياسي والاقتصادي، مع استمرار موقف واشنطن المتعلق بمكافحة الإرهاب ومحاسبة الجهات الفاعلة الإجرامية.
من العقوبات إلى مرحلة جديدة
يطوي رفع التصنيف مساراً بدأ عام 1979، ومر بمحطات متعاقبة من العقوبات والقيود الاقتصادية والمالية، وصولاً إلى الإجراءات الأوسع بعد عام 2011 وقانون قيصر، قبل أن يبدأ تفكيك هذه المنظومة عقب سقوط نظام الأسد البائد.
ويفتح القرار مرحلة جديدة أمام سوريا على صعيد العلاقات الدبلوماسية والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج في النظام المالي العالمي، مع بقاء عقوبات أمريكية مستهدفة بحق أشخاص وكيانات مرتبطة بنظام الأسد البائد لا يشملها رفع القيود العامة.