العروبة – خاص
تستعيد أبواب حمص السبعة حضورها في ذاكرة المدينة بوصفها شواهد على تاريخها العمراني والتجاري والعسكري، إذ شكّلت على مدى قرون مداخل رئيسية ضمن أسوارها وخطوطاً دفاعية تحميها، وربطتها بالمدن والقرى والطرق التجارية المحيطة، ورغم اندثار ستة منها بفعل التوسع العمراني وتوسعة الطرق، بقي باب المسدود شاهداً أثرياً يحمل بين حجارته جانباً من تاريخ حمص.
وأوضح عضو الجمعية التاريخية السورية رامي الدويري لـ«العروبة» أن هذه أبواب حمص السبعة لم تكن مجرد منافذ للعبور، بل ارتبط كل منها بموقع جغرافي ووظيفة عسكرية أو تجارية، وحملت أسماؤها دلالات تتصل بوجهاتها أو تاريخها والأحداث المرتبطة بها، ما يجعل تتبع مواقعها ووظائفها مدخلاً لقراءة تطور المدينة عبر مراحل مختلفة.
وأشار إلى أن «باب السوق»، الذي يُعتقد أنه باب الرستن وعُرف أيضاً باسم «باب المدينة»، كان يقع تقريباً في وسط السور الشمالي إلى الغرب من الجامع النوري الكبير، ويتجه نحو الشمال، وكان الباب الوحيد في هذا الجزء من السور المؤدي إلى حماة وحلب والمدن الشمالية وصولاً إلى مقر الخلافة العثمانية «الآستانة».
وبيّن أن تسميته ارتبطت بكونه يؤدي إلى أسواق المدينة المختلفة، ما جعله من أبرز منافذها التجارية، وكان موضعه في وسط شارع باب السوق القديم، في المكان المعروف اليوم بساحة الشهداء عند الساعة القديمة، قبل إزالته عقب التوسع العمراني الذي شهدته حمص بعد عام 1869.
وذكر أن الرواية التاريخية تربط الباب أيضاً بدخول جيش الفاتحين المسلمين بقيادة هشام بن عتبة بن أبي وقاص منه، ما أضفى عليه بعداً تاريخياً إلى جانب أهميته التجارية.
ولفت إلى أن باب تدمر كان يقع في الزاوية الشمالية الشرقية للسور ويتجه شرقاً، ولم يبقَ منه سوى بعض الحجارة المنحوتة، فيما يُعتقد أن موضعه يعود إلى ما قبل العصر الإسلامي، لمرور الطريق الواصل بين حمص وتدمر عبره.
وأضاف أن موقعه كان في وسط الشارع المؤدي إلى ساحة باب تدمر الداخلية، واكتسب اسمه لكونه يقود إلى تدمر، عاصمة الصحراء، عبر طريق حظي بأهمية تجارية كبيرة، قبل أن تزيله البلدية عام 1925 بعد سنوات من الإهمال، من دون أن تبقى آثار كافية تكشف تفاصيل بنائه المعماري.
وأوضح أن باب الدريب تموضع في الزاوية الجنوبية الشرقية للسور واتجه نحو الشرق، وكان يؤدي إلى القرى والأراضي الزراعية الواقعة شرق المدينة وجنوب شرقها عبر عدة طرق فرعية أو «دروب» غير معبدة، وهو ما يرجح ارتباط تسميته بهذه الدروب، فيما تذهب رواية أخرى إلى تسميته بذلك لكونه ممراً للمسافرين المشاة.
وأشار إلى أن البلدية أزالت باب الدريب عام 1925، ولم تبقَ آثار تكشف شكله أو تفاصيله المعمارية، ليغيب عن المشهد العمراني وتبقى تسميته حاضرة في ذاكرة حمص.
وبيّن أن باب السباع كان يقع إلى الشرق من القلعة، في الجانب الجنوبي من السور، ويفضي إلى المدينة القديمة من جهتها الجنوبية، كما كان يؤدي إلى حسيا ودمشق، وشكّل منفذاً تجارياً وطريقاً لخروج قافلة الحج، فضلاً عن أهميته العسكرية لقربه من القلعة ومدخلها الرئيسي.
وأشار إلى أن موضعه يقع في شارع باب السباع الحالي، قبل أن تزيله البلدية عند توسيع الطريق عام 1925، فيما بقيت بعض الصخور الكلسية الكبيرة في الجهة الغربية من السور المحاذي له، وتربط إحدى الروايات تسميته بنقوش لأسدين يرمزان إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي جدّد بناء الباب ورممه.
وتابع أن باب التركمان كان يقع إلى الجنوب من باب المسدود، عند نهاية السور الغربي الملاصق للقلعة، ويتجه نحو الغرب، ولا تزال بقايا من صخوره الكلسية الضخمة مرصوفة تحت جدران أحد المنازل المجاورة، فيما ترتبط تسميته، وفق الرواية المتداولة، بنزول بعض عشائر التركمان في المنطقة بعد دخول العثمانيين إلى المدينة.
وأوضح أن الباب كان يقود إلى البساتين والطرق المؤدية إلى دمشق وطرابلس والحصن والمدن الساحلية، كما أدى وظيفة عسكرية مهمة لقربه من القلعة، قبل إزالته خلال توسعة الطريق المؤدي إلى خارج المدينة عام 1925.
وأكد أن باب المسدود يمثل الباب الأثري الوحيد المتبقي من أبواب حمص السبعة، ويقع إلى الجنوب من باب هود ضمن السور الغربي للمدينة، وكان يؤدي إلى ساحة الميدان ومسبحها الكبير الذي قصده الشباب والفتيان لممارسة الفروسية والرماية والسباحة، إضافة إلى البساتين والطرق المؤدية إلى طرابلس وتلكلخ والحصن والمدن الساحلية.
وبيّن أن ركائز الباب الجانبية ما تزال قائمة رغم سقوط سقفه، وهو ما منحه خصوصية أثرية مقارنة بالأبواب الأخرى، كما تميز بضخامة بنائه وتحصيناته التي جعلته أشبه بقلعة مصغرة، إلى جانب برجين مربعين ضخمين شُيدا بالحجارة البيضاء والسوداء، وحجبت الأبنية الإسمنتية المحيطة أجزاءً كبيرة منهما.
ولفت إلى أن البناء يتميز أيضاً بمداميكه الحجرية المتينة وطاقتين تعلوان الباب، كانتا تؤمنان التهوية ودخول أشعة الشمس عبر المنور، ما يعكس جانباً من الخصائص المعمارية التي ميزت هذا المدخل التاريخي.
وذكر أن الرواية التاريخية تنسب بناء الباب إلى الملك المنصور بن الملك المجاهد شيركوه، فيما أمر السلطان العثماني سليم الأول بإغلاقه بعد دخوله وخروجه منه عام 1516، حتى لا يدخل قائد آخر عبره، وظل مغلقاً إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهو ما أسهم في حمايته من التداعي وأكسبه تسمية «الباب المسدود».
وأشار إلى أن باب هود، الذي لم يبقَ منه سوى بعض الحجارة، كان يقع في السور الغربي ويتجه نحو الغرب، ويؤدي إلى تلكلخ والحصن والمدن الساحلية وطرابلس، ما جعله منفذاً تجارياً مهماً يربط أسواق حمص بالساحل والميناء.
وأضاف أن التوسع العمراني أدى إلى إهمال الباب وإزالة أجزاء منه على مراحل، قبل أن تزيل البلدية ما تبقى منه عام 1925 لتوسعة الطريق العام، فيما تربط الرواية المتداولة تسميته بمقام النبي هود الذي كان يقع إلى الزاوية الجنوبية منه.
وتبقى أسماء أبواب حمص حاضرة في ذاكرة المدينة وأحيائها وشوارعها رغم زوال معظم معالمها، مستعيدةً مرحلة كانت فيها هذه المداخل تصل حمص بالمدن الشمالية والشرقية والساحلية، وتعبر منها القوافل والمسافرون، وتؤدي في الوقت نفسه دوراً في حماية المدينة وأسوارها.
ويختصر باب المسدود اليوم جانباً من ذلك التاريخ بوصفه الشاهد المادي الوحيد المتبقي، فيما تحولت الأبواب الستة الأخرى إلى ذاكرة مكانية تحفظها الروايات والوثائق وأسماء الشوارع، شاهدة على التحولات التي مر بها النسيج العمراني للمدينة.
هذا وتظل أبواب حمص السبعة صفحات من تاريخ مدينة تغيرت ملامحها مع الزمن، لكنها احتفظت بأسماء مداخلها القديمة وحكاياتها، لتروي للأجيال جانباً من تاريخ حمص العمراني والتجاري والعسكري، وتؤكد أهمية صون ما تبقى من شواهدها بوصفها جزءاً من ذاكرة المكان.