مقال رأي – محمد العلي
أنا حمص، وهذه هويتي، أنا المدينة التي لا تحتاج إلى كثير من التعريف، فقد كتب التاريخ اسمي على امتداد قرون طويلة، وعرفني العاصي قبل أن تعرفني نشرات الأخبار، وعاشت في أحيائي أجيال تركت في شوارعي وأسواقي وبيوتي شيئاً من ذاكرتها.
وعرفت الحياة بكل تفاصيلها، من ضحكات الأطفال في الأزقة إلى أصوات الباعة في الأسواق، ومن حركة الناس في الشوارع إلى دفء البيوت والعائلات، وتشكلت هويتي من أبنائي قبل حجاراتي السوداء العتيقة، وبقيت شاهدة على تعاقب الأزمنة وتغير الدول، حتى جاء ربيع عام 2011 ليكتب في تاريخي صفحة جديدة، لم تكن منفصلة عن تاريخي، بل امتداداً لهوية مدينة عرفت دائماً معنى أن تكون حاضرة في قلب الأحداث.
وبدأت حكايتي مع الثورة من الجنوب السوري، من درعا مهد الثورة، حين خرج أبناؤها وكسروا جدار الصمت في مملكة الرعب التي بناها نظام الأسد البائد، نادت درعا، فسمعتها حمص.
ولم يكن خروج أبنائي بحثاً عن دور أو رغبة في تصدر المشهد، بل كان فزعة مدينة سورية لمدينة سورية أخرى، فالمسافة بين الجنوب والوسط لا تفصل السوري عن أخيه، والكرامة لا يمكن أن تكون شأناً يخص مدينة دون أخرى، لذلك خرج أبنائي لأن درعا لم تكن وحدها، ولأن وجع الأخ هو وجع أخيه، وصرخة مدينة سورية تجد صداها في مدينة سورية أخرى.
وكبر صوتي مع الأيام، وخرجت المظاهرات من شوارعي وأحيائي واتسعت شيئاً فشيئاً، وتحول الهتاف من صوت محدود إلى مشهد واسع، وأصبح الشارع مكاناً يلتقي فيه الناس حول الحرية والكرامة.
وتحول صوتي، مع اتساع الحراك، من الهتاف لدرعا إلى الهتاف لسوريا كلها، حتى أصبحت مع الوقت عاصمة للثورة السورية، لا لأن أبنائي بحثوا عن بطولة، وإنما لأنهم وجدوا أنفسهم في مقدمة المشهد، واستمروا فيه عندما أصبح الطريق أكثر صعوبة.
لكل حي حكاية
وبدأ القمع يأخذ شكلاً أكثر قسوة، وجاءت الاعتقالات والمداهمات والقتل والمجازر، واتسع القصف ليطال الأحياء والبلدات، حتى أصبح لكل عائلة تقريباً حكايتها مع الخوف والانتظار والفقدان.
وحمل كل حي من أحيائي حكايته، فتحول بابا عمرو إلى أحد أبرز رموز الثورة والحصار والقصف، وحملت الخالدية والبياضة وجورة الشياح وحمص القديمة والوعر صفحات أخرى من تلك السنوات، فيما عاشت الرستن وتلبيسة والحولة والقصير في ريف المحافظة فصولاً قاسية، حتى ارتبطت أسماؤها في ذاكرة السوريين بالثورة والحصار والقصف والنزوح.
ولم تكن تلك المناطق بالنسبة إليّ مجرد نقاط على خريطة، بل بيوتاً وأهلاً وأطفالاً وعائلات، وكلما أصاب الألم حياً أو بلدة شعرت أن جزءاً مني يتألم.
وتغيرت الحياة نفسها مع اشتداد الحصار، فلم يعد التحدي مقتصراً على خروج أبنائي إلى الشارع، بل أصبح تأمين الخبز والدواء والماء والاحتياجات الأساسية جزءاً من يومياتهم، ودخلت أصوات القذائف والانفجارات إلى تفاصيل حياتهم، وأصبح الأب يحاول حماية عائلته، والأم تضم أطفالها في لحظات الخوف، والطفل يتعلم أسماء أصوات لم يكن ينبغي لطفل أن يعرفها.
وبقيت الفكرة التي خرج الناس من أجلها رغم القصف، فالحرية والكرامة لم تكونا جداراً يمكن هدمه، ولا شارعاً يمكن إغلاقه، بل معنى استقر في نفوس أبنائي.
مفاتيح حملت وعد العودة
ووصلت بعد سنوات القتال إلى واحدة من أقسى مراحل حكايتي، التهجير، خرج أبنائي من أحيائهم وبيوتهم، بعضهم حمل حقيبة صغيرة، وبعضهم حمل طفلاً، وبعضهم حمل مفتاح منزله، وكأن ذلك المفتاح كان وعداً بالعودة أكثر من كونه مجرد قطعة معدنية.
وتركوا خلفهم البيوت والشوارع والمدارس والذكريات، وبقيت أحرس أبواباً أُغلقت، وأحياء غاب عنها أهلها، وبيوتاً تنتظر أصحابها.
ولم يستطع التهجير أن يقتلعني من أبنائي، فقد تشبثوا بي كما تشبثت بهم، وحملوا صور أحبائهم وأسماء أحيائهم ولهجتي ورائحة شوارعي، وكل ما استطاعوا إنقاذه من الذاكرة.
وخرجوا من حمص، لكنني لم أخرج منهم، حملوني في حقائبهم وصورهم وحكاياتهم، وفي كل مرة جلس فيها حمصي بعيداً عن مدينته وقال: “أنا من حمص”، بقي بيننا ذلك الخيط الذي لا يستطيع التهجير قطعه.
أنا والدة الساروت ورفاقه
وفداني أبنائي البررة بالدماء، فلم تكن تضحياتهم حكاية عابرة، بل أصبحت جزءاً من روحي وذاكرتي، كل شهيد ارتقى ترك اسمه في ترابي، وكل أم فقدت ابنها تركت شيئاً من قلبها في شوارعي، وكل أب حمل وجعه بصمت صار شاهداً على أنني لم أكن يوماً مجرد مكان، كنت بيتاً، وكانوا أبنائي.
وأقول: أنا والدة الساروت ورفاقه، كم أفخر بك يا ولدي، الذي ضحيت بما تملك لتعيش كما ينبغي، ولهذا لم يكن التهجير قادراً على اقتلاعي من قلوب أبنائي، لأن المدينة لا تسكن في الحجر وحده.
وشكلت الثورة بالنسبة إليّ أكثر من سنوات من الألم، كانت لحظة شعرت فيها أنني جزء أساسي من حكاية وطن كامل، بدأت بفزعة لدرعا، ثم أصبح الهتاف من أجل سوريا كلها، وصار اسمي حاضراً في وجدان السوريين كلما تحدثوا عن الحرية والكرامة والصمود.
أريد أن أعود مدينة للحياة
وأرفض اليوم أن أبقى مدينة تستمد حضورها من الماضي وحده، أو أن يظل اسمي مرتبطاً فقط بما تعرضت له، أريد أن أعود مدينة للحياة، وأن تمتلئ مدارسي، وتنبض أسواقي، وتزدهر شوارعي، وأن يعود إليّ أبنائي الذين فرقتهم سنوات الحرب.
وأريد لأطفالي أن يكبروا وهم يعرفون معنى الحرية لا معنى الخوف، وأن تنتظر الأم ابنها عند باب البيت وهي تعرف أنه سيعود، لا لأنها اعتادت الانتظار، وأريد للعاصي أن يبقى شاهداً على الحياة، ولحمص أن تستعيد مكانتها مدينة سورية نابضة تحمل تاريخها معها وتمضي نحو المستقبل.
ولا أريد أن أبني المستقبل على النسيان، فالذاكرة ليست خصماً للحياة، وهي عتاد الثائرين، وليست عائقاً أمام إعادة الإعمار، بل جزء من العدالة وبناء المجتمع الجديد، ولا أريد لأبنائي أن يبقوا أسرى الحزن، بل أن تتحول تضحياتهم إلى مسؤولية، وأن تصبح السنوات التي عاشوها درساً يجعل الحرية والكرامة والعدالة مبادئ ثابتة، لا شعارات مؤقتة.
هذه هويتي
وحين يسألني أحدهم اليوم: من أنتِ؟ لا أحتاج إلى سرد كل ما حدث كي أجيب.
أنا مدينة العاصي والتاريخ، ومدينة الأحياء التي حفظت أسماء أبنائها، أنا المدينة التي سمعت درعا عندما نادت، فخرج أبنائي فزعة لها، ثم حملوا صوت الحرية والكرامة إلى قلب سوريا.
وأنا المدينة التي عرفت القمع والحصار والقصف والتهجير والمجازر، لكنها لم تسمح لهذه الأحداث أن تعرّفها وحدها، لأن هويتي أوسع من جراحي، وأعمق من خرابي، وأقوى من كل محاولة لاختزالي في صورة واحدة.
أنا حمص، وهذه هويتي.
وتعيش هويتي في حجارة القلعة والأسواق القديمة، وفي العاصي الذي يجري بجانبي، وفي تاريخي الممتد عبر القرون، وفي أبنائي الذين وقفوا عندما نادت درعا، وفي شوارعي التي احتضنت المظاهرات، وفي الذين صمدوا عندما اشتد القمع، وفي الذين عاشوا الحصار والقصف، وفي الذين حملوا مفاتيح بيوتهم حين هُجّروا، وفي الذين ظلوا يحملونني داخلهم أينما ذهبوا.
وعرفت الألم، لكنني لم أجعله هويتي الوحيدة، وعرفت الفقد ولم أنسَ الحياة، وعرفت التهجير ولم أتخلَّ عن أبنائي، وعرفت الحرب، لكنني أعيش اليوم السلام.
وحين يسألني التاريخ من أنا، سأقول:
أنا مدينة عريقة مضرجة بدماء الفداء، سبقت الحرب، وعاشت الثورة، وحملت ذاكرة أبنائها، وتنتظر اليوم أن تنهض من جديد.
أنا حمص.
وهذه حكايتي.
وهذه هويتي.