النظافة في حمص.. بين تراكمات ميدانية وضغط الترحيل وتجربة فرز قيد الاختبار

العروبة – خاص
بين شكاوى من تراكم القمامة في عدد من أحياء حمص، وتأكيد مديرية النظافة أن واقع المدينة جيد بصورة عامة، تقف منظومة جمع وترحيل النفايات أمام ضغط متزايد تفرضه زيادة الكميات، ونقص الآليات والعمال والسائقين والحاويات.
وتكشف جولة ل”العروبة”وشهادات الأهالي ومخاتير الأحياء عن نقاط تتكرر فيها تجمعات القمامة، ولا سيما خلال أيام العطل، في حين تشير مديرية النظافة إلى أن التراكمات الطارئة تتم معالجتها خلال فترة قصيرة، وأن التحديات الحالية ترتبط أساساً بارتفاع حجم النفايات ومحدودية الإمكانات المتاحة.

وبين الروايتين، يبرز سؤال أكثر اتساعاً: هل تستطيع منظومة النظافة الحالية مواكبة احتياجات مدينة تتزايد فيها كميات النفايات، أم أن الحل يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من الترحيل بعد التراكم إلى إدارة متكاملة للنفايات تبدأ من المصدر؟

نقاط تراكم وشكاوى متكررة

رصدت «العروبة» خلال جولتها في عدد من أحياء المدينة نقاطاً تتكرر فيها تجمعات القمامة، ومنها وادي الذهب وكرم الزيتون وشارع الخضري في كرم اللوز وشارع سامي الشوا، إضافة إلى المهاجرين والأرمن الجنوبي والخالدية والبياضة ودير بعلبة وبابا عمرو.

وأشار سكان في هذه المناطق إلى تجمع القمامة على جوانب الطرق والمنصفات، وتزايد كمياتها خلال أيام العطل، وما يرافق ذلك من روائح وانتشار للحشرات وتشويه للمظهر العام.

وطالب الأهالي بزيادة انتظام عمليات الجمع والترحيل، ومعالجة النقاط التي تتحول بصورة متكررة إلى أماكن لتجمع القمامة، إلى جانب زيادة أعداد الحاويات وتحسين توزيعها بما يتناسب مع الكثافة السكانية، والحد من الرمي العشوائي ونبش الحاويات، اللذين يسهمان في بعثرة المخلفات وانتشارها في محيطها.

وأشار منذر حمود من وادي الذهب إلى أن تراكم القمامة يزداد خلال أيام العطل، فيما لفتت أم ساري من كرم الزيتون إلى انتشار الروائح والحشرات، ولا سيما خلال الأيام الحارة.

وفي كرم اللوز، طالب الأهالي بترحيل القمامة من شارع الخضري والشوارع المتفرعة عنه، بينما دعا سكان شارع سامي الشوا إلى معالجة أماكن تجمع النفايات على المنصف وتأمين الحاويات الكافية.

وتكررت الملاحظات في أحياء أخرى، وإن بدرجات متفاوتة، حول امتلاء بعض الحاويات أو اهترائها، وغياب الحاويات عن بعض النقاط، والحاجة إلى تعزيز أعمال الكنس وانتظام مرور سيارات الجمع والترحيل.

الحاويات والترحيل.. مشكلة تختلف من حي إلى آخر

توضح شهادات مخاتير الأحياء أن واقع النظافة لا يرتبط بعامل واحد، بل يتأثر بعدد الحاويات، والكثافة السكانية، وانتظام مواعيد الترحيل، ومواعيد رمي النفايات، إلى جانب قدرة الآليات والعمال على تغطية المناطق.

وأوضح مختار حي الحميدية نزار خزام لـ«العروبة» أن نحو 10 آلاف نسمة يقطنون الحي، وأن أعداد الحاويات غير كافية، فيما تواجه زيادتها صعوبات مرتبطة بضيق الشوارع وعدم توفر مواقع مناسبة لها.

وأشار إلى أن سيارة الترحيل تمر مرة واحدة يومياً، مطالباً بزيادة مرات الترحيل، ومعالجة مشكلة النباشين، وتفعيل المخالفات والتوعية، إلى جانب تنظيم آلية التعامل مع نفايات المطاعم والكافتيريات في حمص القديمة.

وبيّن مختار حي الادخار لؤي زهوري أن عدد سكان الحي يبلغ نحو 17 ألف نسمة، وأن الترحيل يتم كل يومين وفق برنامج مديرية النظافة، مطالباً بزيادة الحاويات وتأمين عمال لكنس الشوارع، وتنظيم حملات نظافة بمشاركة الأهالي.

من جهته، أكد مختار حي الشماس عبد الباسط زقريط أن أعداد الحاويات لا تتناسب مع عدد سكان الحي، الذي يتراوح بين 15 و20 ألف نسمة، مشيراً إلى أن الترحيل يتم بواسطة سيارة واحدة يومياً باستثناء الجمعة، ما يؤدي أحياناً إلى تراكم القمامة.

ولفت إلى الحاجة إلى زيادة عمال النظافة واستبدال سيارة ترحيل القمامة بسبب تسرب السوائل ذات الروائح الكريهة أثناء عملية العصر.

السكان جزء من المعادلة

ولا يحصر الأهالي أسباب المشكلة في أداء الجهات الخدمية، إذ أشار عدد منهم إلى أن بعض السلوكيات، كإلقاء الأكياس خارج الحاويات، والرمي في أماكن غير مخصصة، وعدم الالتزام بمواعيد رمي القمامة، تزيد من صعوبة الحفاظ على نظافة الأحياء.

وأوضح رسلان الخولي من حي الشبابية لـ«العروبة» أن التوعية المجتمعية تمثل عاملاً أساسياً في الحد من المشكلة، داعياً إلى تعزيز دور المؤسسات المجتمعية ودور العبادة في نشر ثقافة النظافة، وإعادة دراسة مواقع الحاويات وأحجامها بما يتناسب مع أعداد السكان.

ولفت إلى أن بعض الحاويات تمتلئ خلال وقت قصير نتيجة خدمتها أعداداً كبيرة من السكان، فيما يسهم نبشها بحثاً عن المواد القابلة لإعادة التدوير في بعثرة النفايات، مشيراً إلى أن مرور سيارات الترحيل مرة واحدة يومياً قد لا يكون كافياً في بعض المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

كما أشارت أم حمزة من العباسية إلى وجود حاويات مهترئة وتجمع للنفايات حولها، فيما لفتت ليلى محفوض من الوعر القديم إلى الحاجة إلى تعزيز كنس الشوارع وانتظام عمل سيارات الجمع، مقترحة تخصيص أماكن لرمي الكرتون أمام المحال التجارية.

وأشارت رجاء موسى من وادي الذهب إلى تراكم القمامة في بعض الشوارع الفرعية والمنصف الرئيسي لشارع الأهرام، بينما ذكر حمزة عيسى من كرم اللوز عدم وجود حاوية قرب مدرسة الفتح، ما حوّل الموقع إلى نقطة للرمي العشوائي.

وقال أحمد صوماف من حي الادخار إن النفايات قد تبقى يومين أو ثلاثة في بعض الحالات، في حين أكدت رولا حاج محمد من حي الغربية أن الحفاظ على النظافة يبدأ من الأسرة، ومن توعية الأطفال بعدم رمي النفايات في الشوارع والأبنية.

مديرية النظافة: الواقع جيد بصورة عامة

في المقابل، ينفي مدير النظافة في مجلس مدينة حمص، المهندس عماد الصالح، أن يكون واقع النظافة في المدينة متردياً، مؤكداً لـ«العروبة» أن مستوى النظافة جيد بصورة عامة، وأن التراكمات التي تظهر في بعض النقاط لا تعكس واقع المدينة ككل، ولا سيما أنها تعالج خلال وقت قصير.

وأوضح الصالح أن يوم الجمعة يمثل عطلة لعمال النظافة، مع استمرار العمل جزئياً عبر ورديات تخدم المحاور الرئيسية والأسواق التجارية، فيما يمثل السبت يوم دوام، مؤكداً استمرار عمليات الجمع والترحيل وفق الإمكانات المتاحة.

وكشف أن أبرز التحديات تتمثل في عدم كفاية أعداد الآليات، الأمر الذي يفرض زيادة ساعات عمل الآليات والعمال، وينعكس على الآليات نفسها من خلال ارتفاع الأعطال وخروج بعضها عن الخدمة.

1500 طن من النفايات في أيام الذروة

وبيّن الصالح أن كميات النفايات ارتفعت بصورة كبيرة، من نحو 700 طن يومياً قبل التحرير إلى نحو 1500 طن في أيام الذروة حالياً بعد عودة الأهالي، أي أكثر من ضعف الكميات السابقة.

وتتزامن هذه الزيادة، وفق الصالح، مع تناقص أعداد السائقين والعمال ونقص الآليات والأدوات والعدد والبنية التحتية الخاصة بالحاويات.

ولفت إلى إبرام عقد مع القطاع الخاص لمعالجة واقع النظافة في عدد من الأحياء، والعمل على توسيع نطاقه مستقبلاً، بالتوازي مع خطة لزيادة أعداد الحاويات بما يتناسب مع الكثافة السكانية.

وهنا تبدو المشكلة أقرب إلى ضغط على كامل سلسلة الجمع والترحيل، لا إلى نقص في عملية واحدة فقط: كميات أكبر، وآليات محدودة، وحاجة إلى عدد أكبر من العمال والسائقين والحاويات.

فرز النفايات من المصدر.. تجربة لم تُحسم نتائجها بعد

ولا تقتصر معالجة ملف النفايات على زيادة عمليات الجمع والترحيل، إذ بدأت حمص اختبار أسلوب مختلف من خلال تجربة فرز النفايات من المصدر في حي الوعر الجديد، أطلقتها مديرية البيئة بالتعاون مع مديرية النظافة ولجنة الحي وفق «نظام الكيسين»، لفصل النفايات القابلة لإعادة التدوير عن النفايات الرطبة باستخدام حاويات مخصصة بلونين.

وتهدف التجربة إلى تقليل كميات النفايات الواصلة إلى المطامر، وخفض تكاليف الجمع والنقل واستهلاك الوقود والجهد، والاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير.

لكن التجربة لا تزال في مرحلتها الأولى، بانتظار قياس تجاوب السكان وتحديد إيجابياتها ومعوقاتها وجدواها الاقتصادية والبيئية.

وأوضح الصالح أن الاستفادة من التجربة بصورة كاملة غير ممكنة في الوقت الراهن لعدم اكتمال البنية التحتية والتجهيزات اللازمة للتعميم، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تركز على جمع بيانات واقعية حول التركيب المورفولوجي للنفايات المنزلية، وقياس استجابة المواطنين، تمهيداً لتحديد إمكانية توسيعها مستقبلاً.

البيئة والصحة.. كلفة تتجاوز المشهد العام

لا تتوقف تداعيات تراكم النفايات عند الجانب الخدمي والجمالي، بل تمتد إلى البيئة والصحة العامة، ولا سيما عندما تطول فترة بقائها أو تتحول بعض المواقع إلى مكبات عشوائية، فضلاً عن لجوء البعض إلى حرقها.

وأشار مدير البيئة في حمص طلال العلي لـ«العروبة» إلى أن تراكم النفايات والمكبات العشوائية يؤديان إلى تشويه المظهر العام وانبعاث الروائح الناتجة عن التحلل، وتوفير بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض.

ولفت إلى أن العصارة الناتجة عن تحلل النفايات يمكن أن تسهم في تلوث التربة، مع إمكانية انتقال بعض الملوثات إلى المياه السطحية أو الجوفية، بحسب طبيعة الموقع والظروف المحيطة.

وحذر من الحرق العشوائي للقمامة في الأماكن المفتوحة، لما يسببه من انبعاث ملوثات تؤثر في نوعية الهواء والبيئة والصحة العامة، موضحاً أن طبيعة هذه الملوثات تختلف تبعاً لمكونات النفايات وظروف الاحتراق.

وأكد أن دور مديرية البيئة يتركز بصورة أساسية على التوعية والتثقيف، من خلال الحملات والأنشطة التي تعرّف بمخاطر تراكم النفايات والحرق العشوائي، وتشجع على التخلص السليم منها، إلى جانب التنسيق مع الجهات المعنية لمعالجة الآثار البيئية ضمن اختصاص كل جهة.

ومن الناحية الصحية، ذكرت الدكتورة إيلينا الباقوني، اختصاص طب الأسرة، لـ«العروبة»، أن تراكم القمامة في الحاويات والشوارع والأحياء السكنية لفترات طويلة، ولا سيما خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يشكل خطراً صحياً وبيئياً متزايداً في حال عدم ترحيلها وفق برنامج منتظم.

وأوضحت أن القمامة المتراكمة توفر بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، وقد تزيد من مخاطر بعض الأمراض والمشكلات الصحية المرتبطة بتلوث المياه والغذاء وانتقال الملوثات، إضافة إلى احتمال زيادة المشكلات التنفسية والحساسيات الجلدية والعينية نتيجة الغازات والروائح والملوثات الناتجة عن تحلل المواد العضوية.

وأشارت إلى أن السوائل الناتجة عن تحلل النفايات قد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، ما يضيف أضراراً بيئية إلى المشكلة الصحية، مؤكدة أهمية وضع برامج واضحة ومنتظمة لترحيل القمامة، بما في ذلك خلال أيام العطل، ولا سيما في أشهر الصيف.

من ترحيل النفايات إلى إدارتها

تظهر المعطيات التي رصدتها «العروبة» أن ملف النظافة في حمص لا يرتبط بعامل واحد. فارتفاع كميات النفايات إلى نحو 1500 طن يومياً في أيام الذروة، بالتوازي مع نقص الآليات والعمال والسائقين والحاويات، يفرض ضغطاً متزايداً على عمليات الجمع والترحيل، فيما تزيد سلوكيات الرمي العشوائي ونبش الحاويات من صعوبة الحفاظ على نظافة الشوارع ومحيط الحاويات.

وبالتالي، فإن تحسين واقع النظافة لا يبدو مرتبطاً بزيادة الترحيل وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل رفع كفاءة الآليات، وزيادة أعداد الحاويات وتحسين توزيعها، وتنظيم عمليات الجمع، ومعالجة نقاط التراكم، وضبط المخالفات، وتعزيز التوعية والمشاركة المجتمعية.

أما تجربة فرز النفايات من المصدر، فتقدم مساراً مختلفاً يمكن أن يخفف الضغط عن عمليات الجمع والترحيل والمطامر، لكن نجاحها سيبقى مرتبطاً بمدى تجاوب السكان، واكتمال البنية التحتية، وقدرة المنظومة على التعامل مع المواد المفروزة بعد جمعها.

ويبقى التحدي أمام حمص هو الانتقال تدريجياً من التعامل مع النفايات بعد تراكمها إلى إدارة متكاملة تبدأ من المصدر، مروراً بالفرز والجمع والنقل والمعالجة، وصولاً إلى التخلص الآمن منها، بما يخفف الضغط عن منظومة الترحيل، ويحافظ على البيئة والصحة العامة، ويسهم في تحسين المشهد الحضري للمدينة.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور... المعهد التقاني للصناعة التطبيقية بحمص يعزز التدريب العملي عبر 6 اختصاصات وشراكات صناعية من تطريز فساتين الأعراس إلى الحقائب والريزين.. حرف يدوية تعزز دخل النساء في حمص بطل ملاكمة سوري يحوّل معاناته مع الإصابة إلى مشروع لتأهيل الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن وزير الإعلام من القاهرة: سوريا تعيد بناء منظومتها الإعلامية وتؤسس لإعلام مهني حر ومسؤول «مؤشر الشاورما» في سوريا.. ارتفاع الأسعار يقلص قدرة الحد الأدنى للأجور إلى 49 سندويشة شهرياً سبخة الموح في بادية تدمر.. ثروة الملح التي حفظت تاريخ المدينة ووفرت مصدر رزق لأجيال