العروبة – خاص
تروي ناعورة حمص حكاية ممتدة من الإبداع الهندسي والتراث المائي، إذ شكّلت على مدى قرون شاهداً على براعة الإنسان في تسخير قوة الطبيعة لخدمة المدينة وسكانها، ولم تكن مجرد وسيلة لرفع المياه، بل معلماً حضارياً ارتبط بذاكرة حمص وتاريخها ومعالمها القديمة.
وأوضح الباحث في الجمعية التاريخية رامي الدالاتي في تصريح لـ “العروبة” أن الناعورة الأولى في حمص أُنشئت عام 1712، بهدف جر المياه من ساقية الغوطة إلى داخل المدينة، لتغذية عدد من معالمها المهمة، وفي مقدمتها التكية المولوية والجامع النوري الكبير وحمام الباشا، إضافة إلى تلبية جانب من احتياجات الأحياء والبساتين المحيطة.
وأشار الدالاتي إلى أن تعرض الناعورة الخشبية للأضرار مع مرور الزمن أوجد حاجة إلى إنشاء ناعورة أكثر متانة وقدرة على الاستمرار، ليجري مطلع عام 1922 تصميم ناعورة حديدية على نفقة بلدية حمص، وبأيدي الحرفي الحمصي عمر الدالاتي، الذي امتلك خبرة واسعة في الأعمال الميكانيكية وصب المعادن.
وبيّن أن الناعورة صُنعت من الحديد الخالص، فيما صُنع محورها من الفولاذ، ومضاجعها من النحاس المسكوب، أما علب رفع المياه فصُنعت من الحديد الصاج، لتشكل في ذلك الوقت نموذجاً متقدماً للصناعة المحلية، وتعكس مستوى عالياً من الدقة والإتقان في تنفيذ مكوناتها.
وذكر الدالاتي أن عمل الناعورة اعتمد على قوة تيار نهر العاصي، إذ كانت المياه تدفع ألواحها الخشبية لتدور العجلة بصورة متواصلة، وتملأ الصناديق المخصصة لرفع المياه، قبل أن تفرغها عند أعلى نقطة في قناة حجرية مرتفعة على القناطر، ومنها تنتقل المياه إلى الأماكن التي يصعب وصولها إليها بصورة طبيعية.
ولفت إلى أن النواعير المنتشرة على مجرى العاصي أسهمت في تأمين المياه للحمامات العامة والمساجد والبيوت، إلى جانب ري الأراضي الزراعية والبساتين، لتؤدي بذلك دوراً أساسياً في حياة السكان قبل ظهور المضخات الحديثة وتطور شبكات إمداد المياه.
وأوضح الدالاتي أن حمص ضمت في الماضي ناعورتين، إحداهما خشبية اندثرت مع مرور الزمن، فيما بقيت الناعورة الحديدية شاهدة على مهارة صانعها عمر الدالاتي، وما وصلت إليه الحرفة المحلية آنذاك من قدرة على تنفيذ منشآت مائية وهندسية متقدمة.
وأشار إلى أن الناعورة الحديدية تعرضت للتخريب، قبل أن تُنقل من موقعها الأصلي قرب التكية المولوية في السوق المعروف باسمها، لتستقر لاحقاً في مدينة جسر الشغور، حيث ما تزال قائمة وتعمل حتى اليوم.
وتبقى ناعورة حمص جزءاً من ذاكرة التراث المائي والهندسي للمدينة، وشاهداً على مرحلة امتزجت فيها الحرفة بالابتكار والاستفادة من الطبيعة، لتروي بعجلتها التي أدارتها مياه العاصي حكاية مدينة عرفت منذ قرون كيف توظف مواردها في خدمة عمرانها وحياة أهلها.
المزيد...