العروبة – خاص
يمثل قرار إلغاء تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب محطة سياسية واقتصادية مفصلية، تتجاوز دلالاتها الإجراء القانوني إلى فتح صفحة جديدة في علاقة سوريا بمحيطها العربي والدولي، وما يمكن أن يترتب عليها من فرص في مجالات التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.
ووصف عضو مجلس الشعب عن محافظة حمص قتيبة أحمد العيسى، في تصريح خاص لـ«العروبة»، القرار بأنه انتصار سياسي ووطني مهم، وخطوة طال انتظارها لإنهاء جانب من الظلم والعزلة اللذين فُرضا على سوريا وشعبها، مؤكداً أن أهميته لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار.
وقال العيسى إن القرار «يفتح الباب أمام عودة سوريا إلى موقعها الطبيعي بين دول العالم»، لكنه لا يعني في الوقت نفسه رفع جميع العقوبات، بل يمثل بداية مرحلة جديدة تتطلب توحيد الجهود، وترسيخ الاستقرار، وبناء اقتصاد وطني قادر على النهوض.
قرار يفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي
ورأى العيسى أن القرار ينقل علاقة سوريا مع المجتمع الدولي من حالة العزلة والعقوبات إلى مساحة أوسع من الحوار وتبادل المصالح، بما قد يشجع دولاً ومؤسسات دولية على إعادة فتح قنوات التواصل مع دمشق.
وأكد أن سوريا تسعى إلى استعادة موقعها الطبيعي في محيطها العربي والدولي، كدولة مستقلة القرار ومتمسكة بسيادتها وكرامة شعبها، مشدداً على أن نجاح المرحلة المقبلة يحتاج إلى مؤسسات قوية وموثوقة، ودولة مستقرة، وسياسة خارجية متوازنة تحفظ المصالح السورية وتمنع التدخل في شؤونها.
وأشار إلى أن القيمة السياسية للقرار تكمن أيضاً في إزالة أحد العوائق التي حدّت من قدرة سوريا على بناء علاقات طبيعية مع العديد من الأطراف الدولية، الأمر الذي يمكن أن يمهد لمرحلة جديدة من التعاون والشراكات.
الانعكاس الاقتصادي.. فرصة لا تعني تدفق الاستثمارات فوراً
واعتبر العيسى، اقتصادياً، أن إلغاء التصنيف يمكن أن يسهم في تخفيف المخاطر القانونية والمصرفية المرتبطة بالتعامل مع سوريا، ويساعد تدريجياً على تسهيل حركة التجارة والمدفوعات، ويشجع المستثمرين على دراسة العودة إلى السوق السورية.
وحذر من التعامل مع القرار باعتباره مفتاحاً تلقائياً لتدفق الاستثمارات، موضحاً أن تحويل الفرصة السياسية إلى نتائج اقتصادية يحتاج إلى بيئة مستقرة وشفافة، وحماية حقيقية لحقوق الملكية، وإصلاح النظام المصرفي، وإجراءات جادة وحازمة لمكافحة الفساد.
وقال إن المسؤولية اليوم تتمثل في تحويل الانفتاح إلى «نهضة اقتصادية حقيقية»، تقوم على الإنتاج والعمل وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتوفير فرص العمل، بما ينسجم مع تضحيات السوريين خلال السنوات الماضية.
حمص.. من اقتصاد التعويض إلى اقتصاد الإنتاج
ووضع العيسى محافظة حمص في قلب المرحلة الاقتصادية المقبلة، مستنداً إلى ما تمتلكه من مقومات صناعية وزراعية وتجارية، وموقع جغرافي يؤهلها للقيام بدور محوري في الاقتصاد السوري.
وأوضح أن حمص تحتاج إلى التمويل والطاقة والبنية التحتية والاستقرار التشريعي حتى تتمكن من استعادة دورها الاقتصادي، مؤكداً أن أبناء المحافظة يستحقون أن تتحول سنوات الصبر والتضحيات إلى مشاريع وفرص عمل وخدمات أفضل.
وحدد مجموعة من القطاعات التي يمكن أن تشكل قاعدة للاستثمار والتنمية في حمص، وفي مقدمتها الصناعة والطاقة والبنية التحتية، والزراعة والصناعات الغذائية، والنقل والخدمات اللوجستية، والإسكان وإعادة الإعمار، والصحة والتعليم، إضافة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأكد أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء المنشآت والبنية التحتية، بل يجب أن تشمل الإنسان والاقتصاد والخدمات، بما يعيد إلى حمص مكانتها ودورها في الاقتصاد الوطني.
إعادة الإعمار.. بناء الإنسان قبل الحجر
وشدد العيسى على ضرورة النظر إلى مرحلة التعافي باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً، وليس مجرد عملية لإعادة بناء ما تهدم، مؤكداً أن الاستثمار في الإنسان، إلى جانب تطوير الخدمات وخلق فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي، يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
وأوضح أن حمص قادرة على التحول إلى بيئة جاذبة للإنتاج والاستثمار إذا توافرت لها الأدوات والظروف المناسبة، معتبراً أن المرحلة المقبلة تتيح فرصة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي في المحافظة، والانتقال من اقتصاد يقوم على معالجة آثار الحرب والتعويض عن الخسائر إلى اقتصاد قائم على الإنتاج والاستثمار والتنمية المستدامة.
مسؤولية مشتركة أمام فرصة تاريخية
وأكد العيسى أن إلغاء تصنيف سوريا يمثل فرصة تاريخية لإزالة أحد أبرز العوائق أمام عودة البلاد إلى الاقتصاد العالمي، لكنه شدد على أن القرار «ليس نهاية الطريق».
وقال إن الاستفادة الحقيقية من هذه الفرصة تتطلب إدارة وطنية كفوءة، وتشريعات واضحة، ومؤسسات قوية، وإجراءات حازمة لمكافحة الفساد، وضمانات حقيقية للمستثمرين، بالتوازي مع الحفاظ على القرار الاقتصادي والسياسي السوري المستقل.
وأضاف أن «الباب انفتح أمام سوريا، وعلينا ألا نسمح بضياع هذه الفرصة»، داعياً مؤسسات الدولة ورجال الأعمال والمجتمع إلى تحمل مسؤولياتهم في مرحلة إعادة البناء.
واختصر العيسى رؤيته لحمص بأن تكون المحافظة شريكاً فاعلاً في إعادة بناء سوريا، وأن تنتقل من «اقتصاد التعويض إلى اقتصاد الإنتاج والتنمية المستدامة»، بما يعيد إليها دورها الاقتصادي، ويحوّل مقوماتها الصناعية والزراعية والتجارية إلى مشاريع حقيقية وفرص عمل، ويجعل منها نموذجاً في التعافي والعمل الوطني.
وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بمراجعة الكونغرس من دون تسجيل أي اعتراض.
ورحبت سوريا بالقرار الأميركي، معتبرة إياه تحولاً مهماً يفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدولية، ويدعم جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وتعزيز الأمن والاستقرار، وسط آمال بأن تترجم إزالة التصنيف إلى انفتاح اقتصادي واستثماري ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.