العروبة – خاص
يحيي العالم في الثلاثين من آب من كل عام اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010، وبدأ إحياؤه منذ عام 2011، بهدف تسليط الضوء على معاناة المختفين وعائلاتهم، والتأكيد على الحق في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر، فيما يأتي إحياء المناسبة هذا العام بالتزامن مع مرور 20 عاماً على اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وتعرّف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه حرمان شخص من حريته، يتبعه رفض الاعتراف بذلك أو الكشف عن مصيره أو مكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون، فيما يمكن أن ترقى هذه الممارسة إلى جريمة ضد الإنسانية عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.
وتحمل المناسبة بالنسبة إلى السوريين أبعاداً مضاعفة في ظل الإرث الثقيل لملف الاعتقال والاختفاء القسري، إذ تشير أحدث الأرقام المتاحة التي نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حزيران 2026 إلى وجود ما لا يقل عن 177,021 شخصاً مختفين قسرياً منذ آذار 2011، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 امرأة.
وتكشف إحصائيات الشبكة حجم التحولات التي طرأت على توثيق الملف، إذ كان تقريرها السنوي لعام 2024 يسجل 113,218 مختفياً قسرياً، قبل أن يرتفع الرقم في تقرير آب 2025 إلى 177,057 شخصاً، وأرجعت الشبكة هذا التغير إلى تحديث قواعد البيانات بعد سقوط نظام الأسد البائد، وخروج معتقلين من السجون والمراكز الأمنية، ونقل حالات أخرى إلى تصنيف المختفين، إلى جانب توسع عمليات التوثيق وتعزيز الأدلة والبيانات.
وأظهرت بيانات الشبكة لعام 2025 أن نظام الأسد البائد كان مسؤولاً عن نحو 90 بالمئة من إجمالي حالات الاختفاء القسري الموثقة، بما يعادل نحو تسعة من كل عشرة مختفين، فيما ربطت الشبكة هذه الممارسة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من المحاكمة العادلة.
وأطلقت الهيئة الوطنية للمفقودين، في هذا السياق وبالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، برنامجها الوطني «أثر» للإبلاغ عن المفقودين، بهدف توفير وسيلة آمنة وميسرة تتيح للعائلات تسجيل بيانات ذويها وتقديم البلاغات المتعلقة بهم.
وأوضحت الهيئة أن البرنامج يستهدف إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين وتوثيق البلاغات بطريقة منظمة وآمنة، بما يدعم عمليات البحث والكشف عن مصيرهم، ويعزز حق العائلات في معرفة الحقيقة.
وبيّنت أن المرحلة الحالية تعتمد استمارة إلكترونية مؤقتة موزعة بحسب المحافظات والمناطق، لتنظيم استقبال البلاغات ومعالجتها بصورة منهجية، إلى حين إطلاق المنصة الوطنية الدائمة الخاصة بالبرنامج.
وأعلنت الهيئة أنها ستفتتح على مراحل مراكز ميدانية في المحافظات الثلاث عشرة المتبقية، بهدف مساعدة العائلات على إتمام التسجيل وتقديم البلاغات، وإتاحة الخدمة أمام الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في استخدام الوسائل الإلكترونية.
وأكدت أن «أثر» يمثل خطوة أولى ضمن مسار وطني متكامل لمعالجة قضية المفقودين، يقوم على تسهيل وصول العائلات إلى قنوات الإبلاغ الرسمية، مع الالتزام بحماية المعلومات والبيانات الشخصية وخصوصيتها، وصون كرامة المفقودين وعائلاتهم.
وحذرت الهيئة العائلات من تقديم بياناتها ومعلوماتها الحساسة عبر روابط أو جهات غير موثوقة، داعية إلى اعتماد القنوات الرسمية حصراً، ومؤكدة أن كل بلاغ يمكن أن يدعم مسار البحث والكشف عن مصير المفقودين.
ويضع إطلاق البرنامج ملف المفقودين أمام مرحلة جديدة تقوم على الانتقال من تشتت البلاغات والمعلومات إلى بناء سجل وطني موحد، فيما تبقى معرفة مصير عشرات الآلاف من السوريين وكشف الحقيقة وتحقيق العدالة من أبرز الاستحقاقات الإنسانية والحقوقية التي خلفتها سنوات الانتهاكات، وهو ما تختصره رسالة «أثر»: «كل بلاغ يترك أثراً… وكل أثر خطوة نحو الحقيقة».
المزيد...