سينما الزهراء في حمص.. حين جمعت الشاشة والمسرح وصنعت ذاكرة المدينة الثقافية

العروبة – خاص
شكّلت دور السينما في حمص خلال مراحل ازدهار الحياة الثقافية في القرن العشرين فضاءات تجاوزت مشاهدة الأفلام، إذ ارتبطت بالخروج العائلي واللقاءات الاجتماعية ومتابعة الإنتاج الفني، واحتضنت بعضها المسرح والموسيقى والنشاطات الفكرية، لتصبح جزءاً من المشهد المدني والثقافي للمدينة.
وبرزت سينما الزهراء بين تلك الدور بوصفها واحدة من المساحات التي جمعت الشاشة وخشبة المسرح في قلب حمص، وحافظت لعقود على حضورها في ذاكرة جمهورها، فلم يقتصر دورها على تقديم الأفلام، بل امتد إلى نشاط ثقافي وفني واجتماعي ارتبط بتحولات المدينة العمرانية والثقافية.
أكثر من دار للسينما
وأكد الباحث التاريخي المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية السورية، لـ«العروبة»، أن سينما الزهراء لم تكن مجرد دار للعرض، وإنما شكلت مساحة ثقافية وفنية حاضرة في الحياة اليومية للمدينة، وارتبط تاريخها بمراحل مهمة من التحولات العمرانية والثقافية التي شهدتها حمص خلال القرن العشرين.
وقال الدويري: «شكّلت سينما الزهراء في حمص نقطة تقاطع أساسية بين العمران والثقافة، وحافظت لعقود على موقعها كأحد أبرز منابر الفن السابع والمسرح في قلب المدينة، لم تكن مجرد دار عرض سينمائي، بل صرحاً اجتماعياً وثقافياً صاغ جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية والذائقة الفنية لجمهور حمص».
زمن الشاشة الفضية
وأشار الدويري إلى ارتباط سينما الزهراء بما يمكن وصفه بالعصر الذهبي للشاشة الفضية، إذ عرضت أحدث الأفلام العربية والعالمية، واستقطبت العائلات والشباب والمثقفين لمتابعة الأعمال المتنوعة والتعرف على التجارب السينمائية المختلفة.
ولفت إلى أن هذا الحضور جعل السينما مقصداً ثابتاً لشريحة واسعة من أبناء المدينة، وأكسبها مكانة تجاوزت حدود صالة العرض، لتصبح جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية التي عرفتها حمص في تلك المرحلة.
المسرح والموسيقى تحت سقف واحد
وأكد الدويري أن نشاط «الزهراء» لم يتوقف عند عروض الأفلام، وقال: «لم يقتصر دورها على العرض السينمائي، بل شهدت خشبتها استضافة عروض مسرحية وأمسيات موسيقية ونشاطات فكرية، مما جعلها مساحة جامعة لمختلف أشكال الفنون الأدائية».
وأشار إلى أن تنوع النشاطات رسخ مكانة السينما كمؤسسة ثقافية وفنية، ولم يحصرها في وظيفة مشاهدة الأفلام، بل منحها حضوراً امتد إلى محيطها الاجتماعي والشارعي وأدخلها في تفاصيل الحياة اليومية لأهالي حمص.
نقاشات خرجت من القاعة إلى الشارع
وأوضح الدويري أن الموقع الحيوي لسينما الزهراء أسهم في تحويلها إلى نقطة تلاقٍ، إذ امتدت تجربة الجمهور إلى ما بعد انتهاء العرض، من خلال النقاشات والانطباعات التي كانت تدور في محيطها بين روادها.
ولفت إلى أن هذه الحالة عززت حضور الفن في الحياة اليومية للشارع الحمصي، وحولت مشاهدة فيلم أو عرض مسرحي من نشاط داخل القاعة إلى تجربة اجتماعية وثقافية أوسع.
شاهد على ازدهار المدينة
وأشار الدويري إلى أن سينما الزهراء، إلى جانب دور العرض التاريخية الأخرى في حمص، مثلت مرحلة مهمة من الازدهار العمراني والمدني الذي شهدته المدينة في منتصف القرن العشرين.
وأوضح أن تلك المرحلة اتسمت بانفتاح المجتمع على الثقافة البصرية، إلى جانب بناء وتأسيس بنية تحتية قادرة على احتضان الفنون والنشاطات الثقافية المختلفة، ما منح دور العرض مكاناً بارزاً ضمن الحياة العامة للمدينة.
وأكد أن قراءة تاريخ سينما الزهراء لا يمكن فصلها عن قراءة تاريخ حمص نفسها، إذ لم تكن الأبنية والمؤسسات الثقافية بمعزل عن التحولات الاجتماعية والعمرانية، وإنما شكلت شاهداً على تطور الحياة العامة وتنوع علاقة الناس بالثقافة والفنون.
توثيق المكان وحفظ الذاكرة
وشدد الدويري على أهمية توثيق تاريخ سينما الزهراء واستعادة حكاياتها بوصف ذلك جزءاً من صون الهوية التراثية والفنية لمدينة حمص، لما يحمله المكان من ذاكرة تتصل بتاريخ المدينة وحياتها الثقافية.
وأكد أن استعادة الذاكرة المرتبطة بالسينما تسهم في التعريف بمراحل مهمة من تاريخ حمص، وتظهر الدور الذي أدته المؤسسات الثقافية والأهلية في بناء الوعي وصياغة التاريخ المحلي.
وتبقى سينما الزهراء، بما اختزنته من أفلام وعروض مسرحية وأمسيات موسيقية ونشاطات فكرية، أكثر من مبنى ارتبط بالشاشة الفضية، فهي جزء من ذاكرة حمص الثقافية والعمرانية، وشاهد على زمن اجتمعت فيه أشكال متعددة من الفن في فضاء واحد، وتركت حضوراً امتد من قاعة العرض إلى ذاكرة أبناء المدينة.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور... المعهد التقاني للصناعة التطبيقية بحمص يعزز التدريب العملي عبر 6 اختصاصات وشراكات صناعية من تطريز فساتين الأعراس إلى الحقائب والريزين.. حرف يدوية تعزز دخل النساء في حمص بطل ملاكمة سوري يحوّل معاناته مع الإصابة إلى مشروع لتأهيل الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن وزير الإعلام من القاهرة: سوريا تعيد بناء منظومتها الإعلامية وتؤسس لإعلام مهني حر ومسؤول «مؤشر الشاورما» في سوريا.. ارتفاع الأسعار يقلص قدرة الحد الأدنى للأجور إلى 49 سندويشة شهرياً سبخة الموح في بادية تدمر.. ثروة الملح التي حفظت تاريخ المدينة ووفرت مصدر رزق لأجيال