كيف تعبر الأسرة مع أبنائها سنوات المراهقة؟ .. مختص لـ«العروبة»: الحدود لا تتعارض مع الحب والثقة

العروبة – خاص
تتغير ملامح العلاقة داخل الأسرة عندما يدخل الأبناء مرحلة المراهقة، فالصمت الذي لم يكن مألوفاً قد يصبح أكثر حضوراً، والانفعال قد يظهر لأسباب يراها الأهل بسيطة، فيما تتسع رغبة الابن أو الابنة في الخصوصية والاستقلال، لتبدأ معها أسئلة الأهل حول الحدود الفاصلة بين تغير طبيعي تفرضه المرحلة وسلوك يستدعي القلق والتدخل.
ويؤكد استشاري العلاقات الأسرية نبيل الشحادة في تصريح لـ “العروبة” أن كثيراً من التصرفات التي تزعج الأهل لا تمثل مشكلة بحد ذاتها، وإنما ترتبط بمرحلة يسعى خلالها المراهق إلى تكوين هويته وإثبات استقلاليته واختبار علاقته بالمحيط.
تغيرات أقلقت الأمهات
وروت السيدة هيا، في حديث لـ«العروبة»، تجربتها مع ابنها البالغ من العمر 16 عاماً، مشيرة إلى أن التغير في سلوكه فاجأها، بعدما أصبح قليل الكلام أحياناً وسريع الانفعال أحياناً أخرى، وقد يرفض الدخول معها في نقاش.
وقالت: «في البداية كنت أفسر كل تصرف على أنه قلة احترام أو عناد، لكنني أدركت لاحقاً أن ابني يمر بمرحلة حساسة يحتاج فيها إلى من يفهمه أكثر من حاجته إلى من يعاقبه».
وأوضحت أنها غيرت تدريجياً طريقة تعاملها معه، وأصبحت تسأل نفسها قبل الحكم على تصرفاته إن كان السلوك يشكل خطراً حقيقياً، أم أنه مجرد طريقة مختلفة للتعبير عن المشاعر، وإن كانت ردة فعلها مرتبطة بما فعله بالفعل أم بخوفها عليه وعلى مستقبله.
وأضافت: «تعلمت أن أمنحه فرصة للتعبير، فأحياناً يكفي أن أسأله: ماذا يزعجك؟ أو كيف تشعر؟ لأكتشف أن وراء غضبه ضغوطاً أو مشاعر لم يستطع التعبير عنها».
عندما يصبح الاستماع مفتاحاً للحوار
وشاركت السيدة ابتسام تجربة مشابهة، إذ رأت أن رفع المراهق صوته أو انسحابه ورفضه النقاش لا يعني دائماً وجود مشكلة خطرة، فقد يكون عاجزاً في لحظة الانفعال عن التعبير عن مشاعره بطريقة أكثر نضجاً.
وأشارت إلى أن خوف الأهل على مستقبل أبنائهم قد يكون وراء حدة بعض ردود أفعالهم، مؤكدة أن توفير مساحة آمنة للمراهق للحديث عن مشاعره يساعد على تخفيف الصدام داخل الأسرة.
وقالت: «عندما يشعر ابني بأنه مسموع ومفهوم، يصبح أكثر استعداداً للتعاون والحوار»،وأكدت ابتسام أن وضع القواعد لا يعني إضعاف العلاقة مع الأبناء، مضيفة: «الحدود ضرورية، لكن طريقة تقديمها هي التي تحدد إن كانت ستُقابل بالاحترام أو بالعناد».
أين ينتهي الاستقلال ويبدأ السلوك المقلق؟
وأوضح الشحادة أن الميل إلى الخصوصية وقضاء وقت أطول مع الأصدقاء وتقلب المزاج وانتقاد بعض أفكار الأسرة وتجربة أنماط مختلفة في اللباس والاهتمامات، إلى جانب اختبار القواعد والحدود، تعد من المظاهر المرتبطة بمرحلة المراهقة.
وبيّن لـ “العروبة” أن الفارق بين الاستقلال والوقاحة يظهر في طريقة التعبير، فإبداء رأي مخالف أو طلب مساحة لاتخاذ القرار بأسلوب يحافظ على الاحترام يختلف عن اللجوء إلى الإهانة والسخرية ورفع الصوت أو التجاهل المتعمد بهدف الإساءة إلى الوالدين.
ودعا الشحادة الأهل عند حدوث الانفعال إلى تأجيل النقاش حتى تهدأ الأجواء، والاستماع إلى المراهق دون مقاطعته، وإتاحة مساحة للتفاوض في المسائل غير الأساسية، مع الحفاظ على ثبات القيم والحدود الجوهرية.
ونصح بتقديم خيارات للمراهق بدلاً من الاكتفاء بالأوامر، والتركيز عند حدوث الخطأ على تصحيح السلوك نفسه، بعيداً عن مهاجمة شخصيته أو تحويل الخلاف إلى حكم دائم عليه.
حدود تحمي العلاقة ولا تهدمها
وأكد الشحادة أن وضع الحدود لا يتعارض مع الحب والثقة، مشدداً على أهمية إشراك المراهق في صياغة القواعد التي تنظم حياته، والالتزام بها بصورة ثابتة، وربط العواقب بالسلوك الذي صدر عنه.

وأشار إلى ضرورة استمرار رسائل الدعم والاهتمام حتى عند وجود خلاف، إلى جانب تعزيز السلوك الإيجابي وعدم اختزال علاقة الأهل بأبنائهم بالنقد والملاحظات السلبية.
وشدد على أهمية أن يعتذر الأهل أيضاً عندما يخطئون، بما يعزز الاحترام المتبادل ويقدم للمراهق نموذجاً عملياً لتحمل المسؤولية عن التصرفات.
متى يصبح تدخل المختص ضرورياً؟
وحذر الشحادة من تجاهل التغيرات الحادة والمستمرة في حياة المراهق، ولا سيما التراجع الدراسي الكبير، والانسحاب من الأسرة والأصدقاء، وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يمارسها، واضطرابات النوم أو الأكل والحزن المستمر.
وأضاف أن الحديث عن اليأس أو إيذاء النفس، وتعاطي المواد المخدرة والهروب والعنف والسلوكيات المؤذية للنفس، تمثل مؤشرات تستدعي تدخلاً متخصصاً وعدم الاكتفاء بالتعامل معها بوصفها تغيرات عابرة مرتبطة بالعمر.
وأشارت ابتسام بدورها إلى أن اللجوء إلى اختصاصي نفسي أو مرشد أسري يصبح مهماً عندما يتكرر الصدام داخل المنزل أو يكاد التواصل يصبح مستحيلاً، أو عند ظهور العزلة الشديدة والعدوانية والحزن المستمر والتراجع الدراسي والسلوكيات المؤذية.
وأكدت هيا أنها لن تتردد في طلب المساعدة إذا فقدت القدرة على التواصل مع ابنها أو لاحظت تغيرات مقلقة في سلوكه، معتبرة أن الاستعانة بمختص خطوة تساعد الأسرة على فهم أبنائها وتقديم الدعم المناسب لهم.
المراهقة مرحلة نمو
وخلص الشحادة إلى أن المراهقة مرحلة نمو وليست مرضاً، وأن مهمة الأسرة لا تتمثل في إلغاء استقلال المراهق، وإنما في مساعدته على اكتشاف ذاته وتوجيهه نحو تحمل مسؤولية خياراته وقراراته ضمن حدود تحافظ على الأمان والاحترام والثقة.
ويبقى التمييز بين تغيرات المراهقة الطبيعية والمؤشرات المقلقة أساساً في طريقة تعامل الأسرة مع هذه المرحلة، فالحوار والاستماع ووضع الحدود بوضوح يمكن أن تحمي العلاقة من الصدام المستمر، فيما يستدعي استمرار التغيرات الحادة أو ظهور سلوكيات مؤذية الاستعانة بالاختصاصيين لتقديم الدعم المناسب للمراهق وأسرته.

المزيد...
آخر الأخبار
الرئيس الشرع يطرح رؤية شاملة للعلاقات مع العراق.. تكامل اقتصادي وتعاون أمني ومصالح استراتيجية سوريا والأردن تتفقان على لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في الغارات الأخيرة وتداعياتها جامعة حمص تكفّ يد عاملين وتحيلهما إلى المحكمة المسلكية على خلفية الانتساب إلى ميليشيات النظام البائد النشرة الرياضية | منتخب حمص وصيفاً للجمهورية في القوة البدنية واستحقاقات سورية مرتقبة اقتصاد العروبة | الدولار عند 122 ليرة والذهب مستقر.. 450 مليون دولار لمشروعات الطرق السيارات الكهربائية في حمص.. مزايا بيئية واقتصادية وتحديات في الشحن والصيانة الخارجية السورية تدين الغارات الأردنية على درعا وتطالب بلجنة أمنية مشتركة لمنع تكرارها «أريزونا PVC» في حسياء.. مشروع صناعي لدعم إعادة الإعمار وتشغيل الكوادر السورية من وجع الفقد إلى المطالبة بالعدالة.. والد «حمودي» يوجّه رسالة إلى السوريين ورئيس الجمهورية معالم من حمص: السيباطات في حمص.. ممرات حجرية تحفظ ذاكرة المدينة وتروي تاريخ عمارتها