العروبة – خاص
أكد الرئيس أحمد الشرع أن العلاقات السورية العراقية تستند إلى روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، وأن البلدين يمتلكان فرصة لتعزيز التعاون في قطاعات النقل والطاقة والمياه والزراعة والتجارة، مشيراً إلى نمو حركة الشاحنات بينهما، والعمل على مشروع متكامل للربط النفطي وإعادة تأهيل البنية التحتية المرتبطة به.
وأوضح الشرع، في مقابلة مع قناة دجلة العراقية، بثت تصريحات منها الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا» مساء الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026، أن سوريا تشكل منفذاً بحرياً استراتيجياً للعراق على البحر المتوسط، وممراً يربط الغرب بالعراق وصولاً إلى الخليج العربي، مؤكداً ضرورة بناء مصالح مشتركة يصعب تفكيكها بفعل المتغيرات السياسية.
علاقات تاريخية ومصالح مشتركة
أكد الرئيس الشرع أن العلاقات الاجتماعية بين سوريا والعراق تاريخية، وتقوم على روابط الأنساب والعشائر، وأن مصير البلدين مترابط في الماضي والحاضر والمستقبل.
وأشار إلى أن الشعبين السوري والعراقي عانيا من الحروب والاستبداد والضغوط النفسية، ما يفرض على الجيل الحالي مسؤولية إطلاق مبادرات تحمي الأجيال المقبلة من تكرار تلك الظروف.
وأوضح أن العلاقات بين دمشق وبغداد شهدت خلال السنة والنصف الماضية تطوراً ملحوظاً، ولا سيما في المجال الاقتصادي، مستندة إلى روابط ومصالح مشتركة.
وبيّن أن موقف الحكومة العراقية تجاه سوريا كان إيجابياً منذ وصول الحكومة السورية إلى دمشق، رغم محاولات بعض القوى السياسية دفع بغداد نحو اتخاذ مواقف سلبية، معتبراً أن التطورات اللاحقة أثبتت صواب توجه الحكومة العراقية.
ولفت إلى أن التوافق على تعزيز الروابط بين البلدين كان قائماً منذ الاتصالات الأولى بين دمشق وبغداد، ولا سيما مع رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، وأن الأحداث الأخيرة أسهمت في تسريع العمل على هذه الروابط.
وشدد الشرع على ضرورة بناء علاقات طبيعية وموثوقة تشمل المياه والمعابر الحدودية والاقتصاد والتنمية والزراعة، مؤكداً أن المصالح المشتركة يجب أن تبقى مقدمة على السياسات المتغيرة، وأن الروابط الاقتصادية تمثل الأساس الذي ينبغي العودة إليه في العلاقات بين البلدين.
أكثر من 140 ألف شاحنة خلال أشهر
كشف الرئيس الشرع عن نمو سريع في حركة النقل والتجارة بين سوريا والعراق خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية.
وأوضح أن أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت عبرت من سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى دول أخرى عبر الأراضي السورية، إلى جانب أكثر من 40 ألف شاحنة مخصصة للاستيراد والتصدير بين البلدين.
وأكد أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنح العراق منفذاً استراتيجياً على البحر المتوسط، ويوفر مسارات تجارية تربط المنطقة بالأسواق الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أهمية الربط بين ميناء الفاو العراقي وميناء طرطوس السوري، إلى جانب الطرق البرية التي تصل السعودية بسوريا عبر العراق، وتركيا بالعراق عبر الأراضي السورية.
مشروع للربط النفطي وإعادة تأهيل البنية التحتية
أوضح الشرع أن المرحلة الأولى من التعاون شهدت توقيع مذكرات تفاهم بشأن التعاون النفطي في الولايات المتحدة، بالتزامن مع زيارة شركات إلى سوريا خلال العام الماضي، كانت لديها استثمارات بمئات ملايين الدولارات، وبحثت عن فرص تحقق المنفعة المتبادلة.
وأشار إلى أنه نصح الشركات المهتمة بالاستثمار في سوريا بتوجيه استثماراتها إلى العراق، مؤكداً أهمية إعادة بناء خطوط النفط الممتدة إلى بانياس قبل أزمة مضيق هرمز، لما يمثله المشروع من منفعة اقتصادية للبلدين.
وبيّن أن هذه الشركات توجهت إلى العراق خلال حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وناقشت المشروع معه، إلا أن المباحثات بقيت عامة في ظل المرحلة الانتقالية آنذاك، قبل استكمال التطورات مع وصول رئيس الوزراء علي الزيدي.
وأكد استمرار العمل على مشروع الربط النفطي بمشاركة مجموعة من الشركات الإقليمية والأمريكية، بهدف إنشاء منظومة متكاملة تشمل خطوط أنابيب النفط والتكرير وتأهيل البنية التحتية والمرافق المرتبطة بها.
ولفت إلى أن الاستثمارات العراقية في سوريا بدأت تتخذ خطوات عملية، وكان قطاع الإسمنت من أوائل القطاعات التي شهدت استثماراً عراقياً بعد العهد الجديد، مع وجود فرص للتعاون في قطاعات أخرى.
المياه والزراعة ضمن أولويات التعاون
اعتبر الرئيس الشرع أن ملف المياه من أهم القضايا المشتركة بين سوريا والعراق، داعياً إلى التعامل معه برؤية استراتيجية تستند إلى الاستفادة المثلى من الموارد المائية والمساحات الزراعية في البلدين.
وأوضح أن المساحات الزراعية السورية والعراقية تُقدّر بما يتراوح بين 80 و100 مليون دونم، ويمكن أن تسهم في تلبية الاحتياجات الغذائية لما بين 100 و130 مليون نسمة، ما يجعلها سلة غذائية محتملة للمنطقة بأكملها.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة، بالتعاون مع دول تمتلك خبرات متقدمة، مثل الدنمارك وهولندا، لترشيد استهلاك المياه ورفع الإنتاجية الزراعية.
وبيّن أن الدراسات تشير إلى إمكانية زيادة الإنتاج الزراعي بنحو 70% في بعض المناطق عند استخدام التقنيات المناسبة، مؤكداً ضرورة استثمار الموارد المتاحة بما يحقق أعلى إنتاجية ممكنة.
تسهيل التنقل وزيارة المقامات الدينية
أكد الشرع انفتاح سوريا على تعزيز العلاقات الاجتماعية مع العراق وتسهيل السفر وتنقل الأفراد بين البلدين.
وأوضح أن زيارة مقام السيدة زينب متاحة، ولا يوجد لدى سوريا مانع من ذلك، مع الحرص على التأكد من سلامة الظروف الأمنية، ولا سيما في ظل محاولات بعض الجهات إثارة النعرات الطائفية.
وأشار إلى إلقاء القبض على أشخاص حاولوا استغلال هذا الملف لإثارة التوترات، مؤكداً أن سوريا لا تنظر إلى علاقاتها مع العراق من منظور طائفي أو عرقي، وإنما انطلاقاً من المشتركات التاريخية والاقتصادية والروابط العميقة بين الشعبين.
بحث ملف أكثر من ثلاثة آلاف معتقل سوري في العراق
كشف الرئيس الشرع عن مباحثات مع الجانب العراقي بشأن ملف المعتقلين الذين سلمتهم قوات التحالف إلى الحكومة العراقية.
وأوضح أن الملف طُرح خلال لقاءات مع مجلس القضاء العراقي، وأن رئيس المجلس زار سوريا والتقى مسؤولين في وزارة العدل، حيث جرى الاتفاق على وضع برنامج لمعالجته.
وأشار إلى وجود أكثر من ثلاثة آلاف سوري بين المعتقلين، بعضهم لا تربطهم صلة بالتنظيمات، مبيناً أن العمل يجري على دراسة تصنيفهم إلى فئات، والنظر في مسؤولية سوريا عنهم وإمكانية إعادتهم إليها.
الشرع يتحدث عن تجربته في العراق عام 2003
تطرق الرئيس الشرع خلال المقابلة إلى تجربته الشخصية في العراق، موضحاً أنه توجه إليه عام 2003 بدافع ما وصفه بالغيرة والنخوة للدفاع عن العراقيين ومواجهة الاحتلال الأمريكي.
وأكد أن ذهابه كان بمبادرة شخصية، دون ارتباطات تنظيمية أو سياسية أو عسكرية أو أمنية، مشيراً إلى أنه دخل العراق قبل دخول القوات الأمريكية بنحو أسبوع أو عشرة أيام.
وأوضح أن حياته كانت مستقرة قبل سفره، وكان يتابع تعليمه ويعيش في ظروف مريحة، إلا أن شعوره بالمسؤولية تجاه الشعب العراقي دفعه إلى اتخاذ قرار الذهاب.
وأشار إلى دخوله السجن في العراق نحو عام 2005، موضحاً أنه لم يشارك في أحداث الاقتتال الطائفي التي شهدها العراق عام 2006.
وبيّن أن الأخبار كانت تصل إلى المعتقلين بعد أشهر من وقوع الأحداث نتيجة انقطاع التواصل مع الخارج، وأن السجون ضمت آنذاك شخصيات تتولى اليوم مسؤوليات سياسية في العراق.
ولفت إلى أن جزءاً من الطبقة السياسية العراقية واجه الاحتلال الأمريكي ودخل السجون، قبل أن يتولى بعض أفرادها لاحقاً رئاسة أحزاب سياسية.
وأكد اعتزازه بتجربته في العراق، وبما لمسه من كرم العراقيين وشهامتهم، مشدداً على أنه لم يعتدِ على أي مدني أو شخص أعزل، وأنه حرص على التمييز بين القتال والاعتداء على المدنيين خلال المواجهات العسكرية.
حصر السلاح بيد الدولة العراقية
أكد الرئيس الشرع دعمه توجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نحو محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن بناء جيش موحد وقوي يشكل مصدر حماية لجميع العراقيين.
وأوضح أن تعدد الأذرع العسكرية المرتبطة بالقوى السياسية والفصائل يضعف الدولة، لأن توزيع القوة العسكرية بين جهات متعددة يجعلها شريكة في القرار خارج الإطار القانوني والمؤسسي.
وشدد على أن الدول تتعامل مع مؤسسات رسمية واضحة، مثل الجيش وحرس الحدود والشرطة ووزارة الداخلية، وأن وجود تنظيمات عسكرية متعددة داخل الدولة يضعف قدرتها على إدارة شؤونها.
وأكد أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى حصرياً بيد الدولة، باعتباره من أهم صلاحياتها التي لا ينبغي التنازل عنها.
وأشار إلى أن برنامج رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يمثل، من وجهة نظره، توجهاً صحيحاً لبناء مؤسسات قوية، بعد أكثر من عقدين من عدم الاستقرار الذي شهده العراق منذ عام 2003.
فرصة تاريخية لاستعادة القرار الإقليمي
اعتبر الشرع أن سوريا والعراق ودول المنطقة تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لبناء دول مستقلة القرار، بعيداً عن التبعية والتجاذبات الدولية والإقليمية والنزاعات الطائفية.
وأوضح أن سوريا نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وأصبحت قادرة على مد الجسور وتوضيح الالتباسات المرتبطة بالعراق وما شهدته المنطقة من نزاعات.
وأشار إلى أن أكثر من عشرة ملايين شخص من أبناء سوريا والعراق يعيشون لاجئين في الدول الغربية نتيجة غياب فرص الحياة المناسبة في بلدانهم، مؤكداً مسؤولية الحكومات عن تهيئة الظروف اللازمة لعودتهم وتنمية الموارد البشرية.
وشدد على أن البلدين يمتلكان إمكانات تؤهلهما لبناء دولتين قويتين تحظيان بالاحترام، بعد عقود من الانقلابات والحروب الداخلية والنزاعات الطائفية.
ودعا إلى تجاوز الجدل المستمر حول أحداث الماضي، والتركيز على برامج عملية تحقق التنمية والازدهار، مع ضرورة قراءة التاريخ بموضوعية بعيداً عن التفسيرات الانتقائية.
وأكد الشرع أن المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية لسوريا والعراق لاستعادة قوتهما الذاتية ومكانتهما في المنطقة، من خلال بناء مؤسسات مستقرة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وتقديم مصالح الشعبين على الخلافات السياسية.
ترتبط سوريا والعراق بعلاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، عززتها الروابط العائلية والعشائرية والحدود المشتركة والمصالح المتبادلة، ولا سيما في مجالات التجارة والنقل والطاقة والمياه والزراعة.
وشهدت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية تطوراً في التعاون الاقتصادي، بالتزامن مع تنامي حركة النقل التجاري عبر المعابر الحدودية، وطرح مشروعات استراتيجية للربط النفطي وتطوير خطوط النقل والبنية التحتية، بما يعزز دور سوريا ممراً تجارياً للعراق نحو البحر المتوسط.
وتبرز ملفات المياه والأمن الحدودي والاستثمارات المشتركة ضمن أولويات التعاون بين دمشق وبغداد، إلى جانب معالجة القضايا المرتبطة بالمعتقلين السوريين في العراق، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، في إطار توجه لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التنسيق بين البلدين.