العروبة – خاص
حددت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أربعة ضمانات قانونية قالت إنها تشكل الحد الأدنى الواجب مراعاته في المحاكمة الغيابية للإرهابي الفار بشار الأسد وماهر الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، بالتوازي مع الإجراءات القضائية المرتبطة بهما في فرنسا، وطرحت مفهوماً تحليلياً أطلقت عليه «الغياب البنيوي».
وأصدرت الشبكة، الثلاثاء 8 أيلول، تقريراً بعنوان «المحاكمة الغيابية ضد بشار وماهر الأسد: المعايير القانونية للمساءلة الانتقالية في سوريا»، تناول الإجراءات التي بدأت أمام القضاء السوري في 26 نيسان الماضي، وإمكان توظيف نتائجها في مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة في سوريا.
أربعة ضمانات للمحاكمة
وحدد التقرير الضمانات بالاستناد إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 32 والاجتهادات القضائية المقارنة، وتتمثل في الإخطار الفعّال للمتهم، وثبوت تنازله عن حق الحضور أو تهربه بعد إبلاغه بصورة كافية، وتأمين تمثيل قانوني فعّال له، وضمان إعادة المحاكمة أو إجراء مراجعة جديدة لموضوع الدعوى عند وجود خلل في الإخطار أو التنازل.
وطرح التقرير مفهوم «الغياب البنيوي» لوصف الحالات التي تنهار فيها بصورة متزامنة ومستمرة الافتراضات الأساسية التي تستند إليها المحاكمة الغيابية التقليدية، ولا سيما عندما يتعذر عملياً الوصول إلى المتهم وإعادة محاكمته.
واعتبر أن حالة الإرهابي الفار بشار الأسد تندرج، وفق الإطار التحليلي الذي تبنته الشبكة والسجل العلني المتاح، ضمن هذا المفهوم، بعد فراره مع أسرته إلى موسكو وحصولهم على لجوء وصفته روسيا بـ«الإنساني».
الحماية الروسية
وأوضح التقرير أن إمكانية الوصول إلى الأسد تصطدم باستمرار تمتعه بحماية روسيا، وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، سبق أن استخدمت حق النقض ضد مشروع القرار S/2014/348، كما أنها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وأشار إلى أن المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري تنظم إجراءات المحاكمة الغيابية، فيما تقضي المادتان 328 و329 بإلغاء الحكم الغيابي تلقائياً عند تسليم المتهم نفسه أو إلقاء القبض عليه، وإعادة محاكمته بصورة كاملة وبحضوره.
وبيّن التقرير أن إعادة المحاكمة تبقى متاحة من الناحية القانونية وفق هذه المواد، رغم تعذرها عملياً في الظروف الحالية، وهو ما اعتبره عاملاً ينبغي أخذه في الحسبان عند تقييم طبيعة أي حكم غيابي يصدر في القضية.
مسار قضائي في فرنسا
وتناول التقرير الإجراءات القضائية الفرنسية، موضحاً أن الهيئة العامة لمحكمة النقض الفرنسية نقضت في 25 تموز 2025 مذكرة توقيف صدرت بحق بشار الأسد في 14 تشرين الثاني 2023، استناداً إلى تمتعه وقتها بالحصانة الشخصية بصفته رئيساً للدولة.
وأضاف أن المحكمة الفرنسية قضت في اليوم ذاته، في قضية المسؤول السوري السابق أديب ميالة، بأن الحصانة الوظيفية لا تمنع المحاكم الفرنسية من النظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مع مراعاة القواعد التعاهدية المطبقة.
وأشار التقرير إلى معلومات علنية تفيد بأن قضاة تحقيق فرنسيين وقعوا في 29 تموز 2025 مذكرة توقيف جديدة بحق بشار الأسد ضمن ملف هجمات الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية ودوما خلال آب 2013.
وذكر أن مذكرة منفصلة صدرت في 21 كانون الثاني 2025 على خلفية مقتل المواطن الفرنسي السوري صلاح أبو نبوت في درعا بتاريخ 7 حزيران 2017.
ماهر الأسد ومكان وجوده
ووصف التقرير حالة ماهر الأسد بأنها شكل قريب ومؤقت من «الغياب البنيوي»، في ظل عدم توافر معلومات موثوقة تثبت مكان وجوده الحالي، مع وجود تقارير تتحدث عن احتمال تنقله في العراق أو وجوده في روسيا دون وصولها إلى مستوى الإثبات الكافي.
وأوضح أن وثائق الادعاء المدني في فرنسا تشير إلى استهداف ماهر الأسد بمذكرة توقيف صدرت في 14 تشرين الثاني 2023، بصفته القائد الفعلي المزعوم للفرقة الرابعة المدرعة التابعة لجيش نظام الأسد البائد.
وأضاف أن المذكرة ارتبطت باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب على خلفية استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية ودوما خلال آب 2013.
وأكد التقرير أن الضمانات الأربع للمحاكمة العادلة تنطبق بصورة كاملة على حالتي بشار وماهر الأسد، بصرف النظر عن العقبات العملية التي تحول في الوقت الراهن دون مثولهما أمام القضاء.
فجوتان في إجراءات دمشق
ورصدت الشبكة الإجراءات التي اتخذتها محكمة الجنايات الرابعة في دمشق خلال جلسة 26 نيسان 2026، إذ تلت أسماء المتهمين الغائبين وأصدرت قرارات تتعلق بمواعيد التبليغ وفق المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وذكرت أن المحكمة قررت في جلسة 10 أيار أن مذكرات الدعوة أُبلغت أصولاً في آخر محل إقامة معروف للمتهمين، وثبتت عدم حضورهما وأعلنتهما فارين، مع اتخاذ تدابير تتعلق بأموالهما.
ورصد التقرير، في المقابل، فجوتين في السجل العلني المتاح، تتمثل الأولى في غياب سجل شامل يوضح وسائل وقنوات ونتائج كل محاولة إخطار، والثانية في عدم وجود ما يؤكد علناً تعيين المحكمة محامياً مستقلاً لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين.
حكم مشروط
وأكد المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن ضمانات المحاكمة العادلة الأربع يجب أن تطبق كاملة أمام محكمة الجنايات الرابعة، مشيراً إلى أن العقبات العملية التي تمنع الوصول إلى بشار وماهر الأسد لا تسقط هذه الضمانات أو تقلل من أهميتها.
وأضاف عبد الغني أن أي حكم غيابي يصدر في ظروف «الغياب البنيوي» ينبغي التعامل معه باعتباره حكماً مشروطاً وفق المادتين 328 و329 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وأوضح أن أهمية مثل هذا الحكم يمكن أن تتمثل في إنشاء سجل علني للوقائع والأسس القانونية، ودعم إجراءات لاحقة وملفات الولاية القضائية العالمية، إضافة إلى تزويد آليات الأمم المتحدة بالأدلة ضمن حدود اختصاص كل منها.
مطالب تشريعية وقضائية
واستند التقرير إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وفي مقدمتها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه سوريا عام 1969، والتعليق العام رقم 32 للجنة المعنية بحقوق الإنسان.
واستند كذلك، عند ارتباط الوقائع المزعومة بنزاع مسلح، إلى المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي، بما في ذلك القاعدة 153 المتعلقة بمسؤولية القادة والرؤساء عن جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسوهم.
واستفاد التقرير أيضاً من اجتهادات المحكمة الخاصة بلبنان والمحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في بناء الإطار القانوني الذي اعتمده لتقييم المحاكمات الغيابية.
ودعت الشبكة السلطات السورية ومحكمة الجنايات الرابعة إلى اعتماد الضمانات الأربع كحد أدنى في جميع المحاكمات الغيابية، والاحتفاظ بسجل كامل لإجراءات الإخطار، وتعيين محامين مستقلين تتوافر لهم الموارد اللازمة لتمثيل مصالح المتهمين الغائبين.
وطالبت بتضمين أي حكم غيابي تسبيباً واضحاً للظروف البنيوية والضمانات المطبقة وإمكان إعادة فتح القضية، كما دعت السلطتين التشريعية والدستورية في سوريا إلى إقرار تشريعات تعرف بصورة صريحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وأشكال المسؤولية الجنائية التي يمكن للمحاكم السورية الاستناد إليها.
وأشارت الشبكة إلى ضرورة انسجام هذه التشريعات مع المادتين 14 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 12 من الإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في 13 آذار 2025.
ودعت السلطات القضائية والادعاء العام في فرنسا إلى إبقاء قنوات التعاون القانوني والمساعدة القضائية مفتوحة مع السلطات السورية، ضمن حدود الاختصاص واستقلال القضاء، مع مراعاة حماية الشهود والأدلة وسرية الإجراءات.
وطالبت لجنة التحقيق الدولية المستقلة والآلية الدولية المحايدة والمستقلة بتقييم المواد الناتجة عن المحاكمات السورية وفق المعايير الإثباتية الخاصة بكل منهما، وعدم اعتبار الأحكام القابلة للإلغاء أو إعادة المحاكمة وفق القانون السوري أحكام إدانة نهائية أو مانعاً أمام استمرار العمل التحقيقي والتحليلي في ملفات الانتهاكات المرتكبة في سوريا.