العروبة – خاص
تكشف عودة الأهالي إلى تدمر حجم التحديات الخدمية التي تواجه المدينة، في ظل بنية تحتية تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، ونقص واضح في الإمكانات والآليات والكوادر، فيما تتواصل الجهود المحلية لمعالجة الأعطال وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
ويشير أحمد رافدي مدني من تدمر لـ«العروبة» إلى أن واقع الخدمات الأساسية في تدمر متدنٍ، ولا يتناسب مع مكانة المدينة الأثرية والسياحية وأهميتها الاقتصادية والأمنية، فضلًا عن أهمية البادية وما تختزنه من موارد طبيعية وزراعية وحيوانية وطاقوية، معتبراًأن الخدمات تبدو «سيئة جداً» عند مقارنتها بهذه الأهمية.
مياه الشرب.. مصادر متاحة وشبكات غير كافية
وأوضح رافدي أن مياه الشرب تصل إلى المدينة من منطقة بيار العمي، التي تضم ستة آبار بطاقة استخراجية كبيرة، وتنقل عبر الأنابيب إلى خزان رئيسي، قبل توزيعها على الأحياء وفق برنامج ضخ دوري بمعدل مرة كل يومين.
وبيّن أن واقع التزويد يختلف بين الأحياء، إذ لا تتجاوز نسبة المناطق المكتفية بالمياه بشكل كامل 10% من المدينة، في حين تحصل أحياء أخرى على المياه بشكل جزئي وبضغط ضعيف، ما يضطر الأهالي إلى استخدام مضخات منزلية تحتاج إلى طاقة كهربائية أكبر من المتاح.
وأشار إلى أن أحياء أخرى تعاني من انعدام المياه أو شبه انعدامها، ما يدفع سكانها إلى الاعتماد على آبار حفرت بمبادرات أهلية لتأمين احتياجاتهم.
ولفت رافدي إلى أن مياه بيار العمي تعاني ارتفاع نسبة الكلس والملوحة، ما يجعلها غير مناسبة للشرب، موضحاً أن المدينة كانت تعتمد سابقاً على آبار الدوارة ذات المياه العذبة، التي كانت تخلط مع مياه بيار العمي، إلا أن هذه الآبار تعرضت للتخريب وما تزال خارج الخدمة.
وأضاف أن الأهالي يعتمدون حالياًعلى مياه العبوات البلاستيكية المباعة في المحال، وسط مخاوف تتعلق بسلامة مصادرها وعمليات التصفية والتعبئة، في حين يفتقر فرع مؤسسة المياه إلى المعدات وقطع الصيانة، ولا يمتلك حتى مقراًخاصاُ به.
الكهرباء.. تغذية متاحة وشبكة متهالكة
وأوضح رافدي أن التغذية الكهربائية متوفرة من المصدر بكميات جيدة، إلا أن المشكلة تكمن في الشبكة الداخلية المتهالكة، والاستجرارات غير المنظمة وغياب العدادات، إلى جانب قلة المحولات وعدم تناسبها مع الطلب المتزايد نتيجة عودة السكان.
وأشار إلى أن هذه العوامل تؤدي إلى أعطال متكررة واحتراق بعض المحولات، فيما يعاني الأهالي من انقطاعات قد تمتد لساعات طويلة، وأحيانًا لأيام خلال فصل الشتاء، إضافة إلى تفاوت شدة التيار الكهربائي بين المناطق، ما يعرض الأجهزة المنزلية للأعطال.
ولفت رافدي إلى أن مؤسسة الكهرباء تمتلك كاداُجيداً، لكنها تفتقر إلى المعدات والمواد اللازمة للصيانة، ولا تتوفر لديها سوى رافعة واحدة تخدم تدمر ومناطق البادية.
وبيّن أن شراء نحو 4.5 أطنان من الأمراس ضمن مخصصات دعم قطاع الكهرباء أسهم في استبدال بعض الأجزاء التالفة، إلا أن هذه الكمية لا تكفي لإعادة تأهيل الشبكة بشكل كامل.
وأشار محمد فضيل مهاوش، من أهالي تدمر، لـ«العروبة»، إلى تحسن نسبي في واقع الكهرباء خلال الأيام الماضية، عقب إصلاح جزء من الشبكة في الحي الأوسط، ولا سيما منطقة الساحل العامة التي كانت تشهد أعطالًا متكررة وانقطاعات متواصلة، مع استمرار العمل على إصلاح بقية الأحياء.
طرق متضررة وصرف صحي بحاجة إلى تأهيل
وأوضح مهاوش أن طرق تدمر الداخلية والخارجية تعاني حالة من التهالك نتيجة عامل الزمن والأضرار التي خلفتها العمليات العسكرية السابقة، إذ تنتشر الحفر في معظم الشوارع، ما يعرقل حركة السكان والمركبات، ويرفع تكاليف صيانة السيارات ويزيد مخاطر الحوادث.
وأشار إلى أن بعض الأهالي بادروا إلى ردم الحفر بطرق فردية وباستخدام مواد بدائية، إلا أن هذه المبادرات لا تقدم حلولاً مستدامة، في ظل الحاجة إلى خطة متكاملة لمعالجة واقع الطرق.
وبيّن أن شبكة الصرف الصحي تعمل بصورة جزئية وتعاني من الانسدادات والتسربات، ما يؤدي إلى تشكل مستنقعات من المياه الآسنة وانتشار الروائح الكريهة والبعوض، فضلاً عن مخاطر تسرب المياه تحت الأبنية والمنازل.
وأضاف مهاوش أن جزءاًمحدوداً من شبكة الصرف الصحي في المنطقة الغربية من الحي الأوسط جرى تغييره خلال الأشهر الماضية، بينما ما تزال بقية الأحياء بحاجة إلى استكمال أعمال التأهيل، مشدداًعلى ضرورة معالجة شبكتي الصرف الصحي والمياه قبل البدء بأعمال تعبيد الطرق.
النفايات.. إمكانات محدودة أمام احتياجات متزايدة
وأشار مهاوش إلى أن قطاع النظافة يعاني بدوره من نقص في الإمكانات، ولا سيما عدد الحاويات، رغم إضافة 30 حاوية قدمها الأهالي، مؤكداً أن العدد ما يزال أقل بكثير من الحاجة، خصوصاًمع تزايد أعداد العائدين إلى المدينة.
وأوضح أن النقص يؤدي إلى امتلاء الحاويات وتراكم النفايات حولها، فيما تعتمد البلدية على ضاغطة قديمة كثيرة الأعطال، إلى جانب جرار زراعي مقدم من الأهالي، وسط نقص في الكوادر وآليات جمع وترحيل النفايات والأنقاض.
وأكد مهاوش أن انتشار القمامة والأنقاض في عدد من الشوارع الرئيسية والفرعية يرتبط بضعف إمكانات مجلس مدينة تدمر ونقص عمال النظافة والآليات، مشدداًعلى الحاجة إلى دعم لوجستي وآليات إضافية ورفد البلدية بمزيد من العمال.
وأشار إلى أن واقع المكبات يواجه تحدياً إضافياً يتمثل بوجود ألغام غير منزوعة في عدد من المناطق المحيطة بالمدينة، ما يحد من إمكانية استخدامها للتخلص من النفايات.
المجلس المحلي.. خطة لمعالجة الأعطال تدريجيًا
من جهته، أوضح رئيس المجلس المحلي في تدمر المهندس أمين الصالح لـ«العروبة»، أن المجلس وضع خطة لتأمين الآليات الخدمية اللازمة، ويعمل بالتنسيق مع المحافظة للحصول على آليات جديدة، ولا سيما آليات النظافة والحاويات الكبيرة، بما يتناسب مع تزايد الاحتياجات.
وأشار الصالح إلى أن المدينة تشهد عودة مستمرة للأهالي، بمعدل عائلة أو عائلتين يومياً، ما يفرض أعباء إضافية على المجلس، ويستدعي توسيع الخدمات بما يواكب الزيادة في أعداد السكان.
وبيّن أن الحي الشمالي شهد خلال الفترة الماضية أعمالًا لمعالجة أعطال كبيرة في شبكتي المياه والكهرباء، فيما يجري العمل على استكمال إيصال المياه إلى مختلف أجزاء الحي، بالتوازي مع جهود إعادة تأهيل شبكة الكهرباء.
ولفت الصالح إلى أن المرحلة المقبلة ستعطي الأولوية لمعالجة أعطال شبكة الصرف الصحي، باعتبارها من أبرز الاحتياجات الخدمية، مؤكداً أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمدينة تتطلب جهوداً متواصلة وخطة متكاملة لإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق.
وأوضح أن المجلس يعمل بالتنسيق مع المحافظة والجهات المعنية على وضع خطة لإعادة تأهيل البنية التحتية، تستهدف معالجة أكبر قدر ممكن من الأعطال خلال العامين المقبلين، وفق الإمكانات المتاحة وبالتعاون مع الجهات الداعمة.
الأولوية لإزالة الألغام واستعادة الخدمات
ووصف الرافدي التحسن الخدمي خلال الفترة الأخيرة بأنه طفيف، في ظل محدودية المشاريع المنفذة واعتماد جزء كبير من الجهود على المبادرات الأهلية.
ويرى الصالح أن إزالة الألغام ومخلفات الحرب المحيطة بالمدينة يجب أن تكون أولوية، إلى جانب إعادة تفعيل الدوائر الحكومية والخدمات المرتبطة بمدينة سياحية، بالتوازي مع معالجة ملفات البنية التحتية.
وتجمع الآراء على أن تدمر تحتاج إلى تدخل واسع ومتزامن في مختلف القطاعات، بحيث لا تقتصر المعالجة على إصلاح عطل هنا أو شبكة هناك، وإنما تنطلق من أهمية المدينة الأثرية والسياحية، وتواكب عودة الأهالي إليها، بما يضمن استعادة الخدمات الأساسية وتحسين ظروف الحياة فيها بصورة تدريجية ومستدامة.