العروبة – خاص
استضاف فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص الدكتور نزيه كسيبي، رئيس جمعية «ألزاس–سوريا» وأمين سر المجلس السوري–الفرنسي، في أمسية حوارية بعنوان «من فرنسا إلى قلب الثورة»، تناول خلالها تجربته في الحراك الثقافي والإعلامي والتظاهرات التي شهدتها المدن الفرنسية دعماً للقضية السورية، إلى جانب جهود دعم اللاجئين السوريين، ومبادرات ومشاريع تهدف إلى تعزيز التعاون بين سوريا وفرنسا في مجالات التعليم والطاقة الشمسية وتمكين المرأة.
وأوضح الدكتور نزيه كسيبي، رئيس جمعية «ألزاس–سوريا» وأمين سر المجلس السوري–الفرنسي، في تصريح لـ«العروبة»، أن القضية السورية كانت في بدايات الثورة تحظى بأولوية في الإعلام الفرنسي ولدى قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي، مشيراً إلى وجود تعاطف قوي مع المدنيين السوريين الذين تعرضوا للاضطهاد والتعذيب والقتل.
وبيّن أن عدداً من الأحزاب الفرنسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات نظمت تظاهرات شعبية دعماً للسوريين وقضيتهم، إلا أن حضور الأحداث السورية تراجع في الإعلام خلال السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد قرار الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عدم التدخل عسكرياً، رغم استعداد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند لضرب نظام الأسد البائد على خلفية استخدام السلاح الكيميائي، معتبراً أن ذلك شكّل «طعنة في ظهر المجتمع المدني السوري».
ولفت كسيبي إلى أن الحديث عن سوريا عاد بقوة إلى الإعلام الفرنسي بعد سقوط نظام الأسد البائد بشكل مفاجئ، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود بعض الأصوات السياسية والإعلامية التي تنظر إلى العهد الجديد في سوريا بوصفه «إسلاموياً»، من دون امتلاك صورة كافية عن مستوى الانفتاح وسقف الحريات الذي يراه إيجابياً ويستحق التثمين.
من التظاهر إلى إبقاء القضية حاضرة
وأشار كسيبي إلى أن السوريين، مع اندلاع الثورة ضد جبروت نظام الأسد البائد، اندفعوا إلى تنظيم التظاهرات في مختلف المدن الفرنسية، وشاركهم فيها عدد من الفرنسيين المتعاطفين مع الجالية السورية وقضيتها.
وأوضح أن أعداد المشاركين في بدايات الثورة كانت تصل إلى الآلاف في بعض المدن، قبل أن تتراجع تدريجياً مع مرور السنوات نتيجة حالة الإحباط التي أصابت السوريين أنفسهم، لتصبح المشاركة في بعض الأحيان مقتصرة على عشرات الأشخاص.
وأضاف أن جمعية «ألزاس–سوريا» في مدينة ستراسبورغ واصلت نشاطها رغم تراجع أعداد المشاركين، مؤكداً أن عدداً من المثقفين كان لهم دور في تحفيز المحبطين وتشجيعهم على مواصلة المشاركة في التظاهرات.
وبيّن أن التظاهرات شكلت مساحة مهمة للتذكير بالقضية السورية وعدالتها، وإيصال صوت السوريين إلى المجتمع الفرنسي، لافتاً إلى أن الصحافة المحلية كانت تنقل معاناة السوريين ومطالبهم، ما أسهم في إبقاء القضية حاضرة في المشهد العام.
دعم السوريين في الداخل واللجوء
وأشار كسيبي إلى أن موقفه منذ بداية الثورة قام على ضرورة مساعدة السوريين داخل سوريا مادياً لتمكينهم من البقاء، بالتوازي مع العمل على مساندة اللاجئين الذين وصلوا إلى فرنسا.
وأوضح أن العمل مع السلطات الفرنسية شمل المساعدة في تأمين السكن وتعليم اللغة الفرنسية، وتوفير الأثاث المنزلي من خلال التبرعات التي قدمها مواطنون فرنسيون، إضافة إلى التعريف بالتاريخ والمعالم الفرنسية لمساعدة اللاجئين على الاندماج في المجتمع الجديد.
وأكد استمرار الجهود لإرسال المساعدات إلى سوريا، ولا سيما الأدوية والمعدات الطبية، مشيراً إلى إرسال حاوية أخيرة إلى محافظة درعا، والتحضير لإرسال حاوية جديدة إلى محافظة حلب.
ورأى أن الاعتقاد بأن سوريا لم تعد بحاجة إلى المساعدة غير دقيق، في ظل حجم الدمار الذي تعرضت له البلاد، مشيراً إلى أن إعادة الإعمار تحتاج إلى جهود كبيرة وطويلة الأمد.
أفكار تتحول إلى مشاريع
وأوضح كسيبي أن المشاريع المستقبلية تبدأ عادة كأفكار وأحلام، قبل أن تتحول إلى مبادرات عملية متى توافرت الإمكانات والظروف المناسبة.
وأشار إلى أن المجلس السوري–الفرنسي كرّم عدداً من الشخصيات التي دعمت الثورة السورية، بينهم الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، والرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، وأنور مالك، إضافة إلى بلدية ستراسبورغ.
ولفت إلى مشروع في مجال تمكين المرأة حظي بدعم بلدية ستراسبورغ، ويستهدف تدريب 15 أرملة في حمص على الخياطة وتأهيلهن لدخول سوق العمل، بالتعاون بين جمعية «ألزاس–سوريا» ومنظمة «عدل وإحسان للتنمية».
وأوضح أن العائق الحالي أمام تنفيذ المشروع يتمثل في صعوبة تحويل التمويل من فرنسا إلى سوريا عبر القنوات المصرفية، مشيراً إلى وجود المشكلة نفسها في مشروع لتركيب 250 نقطة إنارة بالطاقة الشمسية في شوارع الأحياء الشعبية بمدينة حمص، الأمر الذي يستدعي إيجاد آليات بديلة للتمويل والتنفيذ.
تعاون بين حمص وستراسبورغ
وكشف كسيبي عن العمل على مشروع للتعاون، أو ما كان يعرف بالتوأمة، بين مدينتي ستراسبورغ وحمص، وبين جامعتي المدينتين، بعد استكمال الموافقات اللازمة من وزارتي الخارجية والتعليم العالي.
وأضاف أن هناك مشروعاً آخر لتجهيز مستوصف يخدم منطقتي جورة الشياح والغوطة، بالتعاون مع «البيت السوري» في فرنسا، مشيراً إلى أن جورة الشياح كانت تضم، وفق ما يذكر، أول مستوصف في حمص خلال خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يغيب عن الخدمة.
وأعرب كسيبي عن تفاؤله بمستقبل العلاقات بين سوريا وفرنسا، معتبراً أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد مزيداً من التقارب والتعاون، ولا سيما في مجالات إعادة الإعمار والتنمية وتبادل الخبرات.
وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي كان أول رئيس أوروبي يزور سوريا، معرباً عن تطلعه إلى تنظيم زيارة لوفد من البرلمان الفرنسي وآخر من البرلمان الأوروبي إلى سوريا، للاطلاع ميدانياً على الواقع السوري، وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة حول التغيير الجديد، والمساهمة في دعم جهود إعادة الإعمار.
حلمان من ستراسبورغ إلى سوريا
واستعاد كسيبي، في ختام حديثه، روح الحلم التي عبّر عنها مارتن لوثر كينغ في حلمه بإزالة العنصرية من الولايات المتحدة، مؤكداً أن لديه بدوره حلمين يعمل على تحقيقهما، يتمثل الأول في إعادة تأهيل نحو 750 ألف شقة متضررة وتجهيزها للسكن، من خلال تمويل من دون فوائد، على أن يسدد أصحابها المبالغ بعد عشر أو خمس عشرة سنة.
وأوضح أن الحلم الثاني يتمثل في دعوة الرئيس أحمد الشرع إلى البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ لإلقاء خطاب أمام البرلمانيين الأوروبيين، مؤكداً أن العمل جارٍ لتحقيق هذا الهدف.
واختتم كسيبي حديثه باستحضار حكاية الطائر الطنان «كوليبري»، الذي حاول بمنقاره الصغير المساهمة في إطفاء حريق الغابة، مردداً عبارته الفرنسية «Je fais ma part»، أي «أنا أقوم بدوري».
وتعكس هذه الرؤية، وفق ما طرحه كسيبي، رغبة في الانتقال من مرحلة التعاطف والمساندة إلى مرحلة أكثر استدامة تقوم على التعاون والشراكة، بما يتيح للسوريين في الداخل والمهجر الإسهام في إعادة بناء بلدهم، وفتح قنوات جديدة للتواصل بين سوريا وفرنسا.