العروبة – خاص
تستعيد بساتين الزيتون في ريف حمص مع انطلاق موسم القطاف مشاهد اعتادتها العائلات منذ أجيال، حيث تتعالى أهازيج النساء بين الأشجار، وتجتمع الأسر للمشاركة في جمع المحصول، في تقليد سنوي يجمع بين العمل الزراعي واللقاءات العائلية.
ومع ساعات الصباح الأولى، تتوافد العائلات إلى بساتينها محمّلة بأدوات القطاف والسلال والأغطية، إلى جانب الطعام الذي أُعدّ في المنازل، استعداداً ليوم طويل تتوزع خلاله المهام بين أفراد الأسرة.
ولا يقتصر موسم الزيتون على جمع الثمار، بل يشكل مناسبة لاستعادة العادات الريفية وتبادل الذكريات، ونقل الخبرات والتقاليد من الآباء والأمهات إلى الأبناء والبنات.
لمّة العائلة تمنح القطاف طابعاً مختلفاً
يقول أبو نادر، وهو مزارع من ريف حمص، في تصريح لـ«العروبة»، إن يوم القطاف يختلف عن بقية أيام العمل الزراعي، لأن أفراد العائلة يجتمعون فيه، ويحرص الجميع على المشاركة مهما اختلفت أعمارهم.
ويوضح أن الأطفال يصرون على مرافقة أهاليهم إلى البساتين، رغم شعورهم بالتعب بعد ساعات قليلة، لأنهم يجدون في المشاركة فرصة للشعور بأن لهم دوراً في جمع المحصول.
وتتوزع الأعمال بين أفراد الأسرة، فيتولى الرجال والفتيان ضرب الأغصان أو جمع الثمار، فيما تنشغل النساء بفرش الأغطية وفرز الزيتون، وتشارك الفتيات في التقاط الحبات المتناثرة وترتيبها داخل الصناديق.
وبين شجرة وأخرى، تتبادل الأمهات والفتيات الأحاديث والضحكات، بينما يستعيد الآباء ذكريات مواسم قديمة كانوا يرافقون فيها آباءهم إلى البساتين، لتتحول ساعات العمل إلى فرصة للتواصل بين الأجيال.
أهازيج النساء تحفظ ذاكرة الريف
تحضر الأهازيج الشعبية بوصفها أحد أبرز المظاهر التي تميز موسم قطاف الزيتون، إذ تبدأ إحدى النساء بترديد مقطع من أغنية شعبية، فتشاركها الأخريات الغناء، وسط حركة الأيدي المنشغلة بجمع الثمار.
وتقول أم عادل، إحدى المشاركات في القطاف، إن الأهازيج تخفف مشقة العمل وتعيد إلى الذاكرة أيام الأمهات والجدات، حين كانت الأغاني الشعبية ترافق العائلات طوال ساعات القطاف.
وتضيف أن النساء تعلمن هذه الأهازيج منذ طفولتهن، وهن اليوم يرددنها أمام بناتهن حرصاً على استمرارها وعدم اندثارها.
وتتنوع موضوعات الأغاني بين ما يرتبط بموسم الزيتون وما يستحضر قصص الحب والحنين والفرح، لتضفي على العمل أجواء اجتماعية تتجاوز طبيعته الزراعية.
من جانبها، تؤكد سوسن، وهي شابة تشارك أسرتها في القطاف، في حديث لـ«العروبة»، أن موسم الزيتون يحمل أجواء مختلفة عن بقية الأعمال، لأن العائلة لا تجتمع لجمع الثمار فحسب، وإنما لقضاء يوم كامل معاً.
وتشير إلى أن الأهازيج والضحكات تجعل العمل أكثر متعة، وتدفع أفراد الأسرة إلى انتظار الموسم من عام إلى آخر.
ولا تقتصر مشاركة الفتيات على الغناء وجمع الثمار، بل يتعلمن أيضاً طرق فرش الشباك وانتقاء الزيتون والتعامل مع الأغصان بحذر، بما يسهم في انتقال الخبرة الزراعية والعادات الشعبية بين الأجيال.
مائدة تحت الأشجار تجمع الكبار والصغار
تشكل استراحة الطعام محطة أساسية في يوم القطاف، حيث تجتمع العائلة تحت ظلال الأشجار حول مائدة تضم أطباقاً أُعدّت في المنزل، إلى جانب الخبز والزيتون والجبن والخضار.
وتقول أم خالد، وهي إحدى المشاركات في القطاف، إن العائلة تحرص على إحضار الطعام وتناوله بصورة جماعية، لأن الاستراحة تمثل جزءاً مهماً من أجواء الموسم.
وتوضح أن أفراد الأسرة يستثمرون هذه اللحظات للحديث عن العمل والمحصول وذكريات المواسم الماضية، مؤكدة أن اجتماع العائلة يخفف الشعور بالتعب بعد ساعات القطاف.
وخلال الاستراحة، يتبادل الكبار الأحاديث حول كميات الإنتاج وأسعار الزيت، فيما يجد الأطفال فرصة للعب بين الأشجار، وقد تتحول المناسبة إلى لقاء يجمع أقارب لم يتمكنوا من الاجتماع منذ مدة.
أما عنود، ابنة أم خالد، فتؤكد أن أجمل ما تحتفظ به من ذكريات موسم الزيتون ليس عدد الصناديق التي جمعتها الأسرة، بل الجلسات العائلية والضحكات حول مائدة الطعام.
وتشير إلى أن أفراد العائلة يعودون إلى منازلهم متعبين بعد يوم طويل، لكنهم يشعرون بأنهم أمضوا وقتاً جميلاً معاً.
خبرات الآباء تنتقل إلى الأبناء
يحمل موسم القطاف جانباً تربوياً يرتبط بتعليم الأبناء قيمة العمل والعناية بالأرض، إذ يحرص الآباء على إشراك أطفالهم في المهام المناسبة لأعمارهم وتعريفهم بأساليب جمع الثمار والمحافظة على الأشجار.
ويستعيد أبو أحمد ذكريات طفولته عندما كان يرافق والده إلى البستان قبل شروق الشمس، ويتعلم منه كيفية التعامل مع أشجار الزيتون دون إلحاق الضرر بأغصانها.
ويقول إن والده كان يشدد على أهمية العناية بالشجرة والصبر في خدمتها، ويردد أمامه أن الأرض تعطي من يحافظ عليها.
ويضيف أنه يحاول اليوم نقل هذه القيم إلى أبنائه، وتعريفهم بحجم الجهد الذي يبذله المزارع حتى تصل حبات الزيتون إلى المعصرة.
وتشمل الخبرات التي تتوارثها العائلات طرق القطاف وتقاسم المهام والتعاون بين أفراد الأسرة، إلى جانب العادات المرتبطة بإعداد الطعام وتنظيم الاستراحة والمحافظة على الأهازيج الشعبية.
وتؤكد أم عادل أن كل موسم يمنح الفتيات فرصة لتعلم مهارات جديدة، بدءاً من فرش الشباك وجمع الثمار، وصولاً إلى المحافظة على الأجواء الاجتماعية التي تميز يوم القطاف.
وترى أن هذه التفاصيل، رغم بساطتها، هي التي تجعل الموسم مناسبة عائلية تبقى حاضرة في الذاكرة.
نهاية يوم القطاف وبداية ذكريات جديدة
مع اقتراب المساء، تبدأ العائلات بجمع الأدوات وترتيب الأكياس والصناديق الممتلئة بالزيتون، استعداداً للعودة إلى المنازل بعد ساعات من العمل.
ورغم التعب الذي يظهر على الوجوه، تستمر الأحاديث بين أفراد الأسرة حول ما أُنجز خلال النهار، وما ينتظرهم من أعمال في الأيام التالية.
ويعبر أحد الأطفال، وهو يحمل سلة صغيرة من الزيتون، عن رغبته في العودة إلى البستان في اليوم التالي لمساعدة والده، فيما يتبادل أفراد العائلة الحديث حول موعد القطاف المقبل.
وهكذا، يحتفظ موسم الزيتون في ريف حمص بمكانته بوصفه أكثر من نشاط زراعي يرتبط بجني المحصول، فهو مناسبة اجتماعية تتجدد فيها صلة العائلات بأرضها، وتنتقل خلالها الأغاني والعادات والخبرات من جيل إلى آخر.
وبين أهازيج النساء وذكريات الآباء وضحكات الأطفال، تبقى بساتين الزيتون شاهدة على تقاليد ريفية تحافظ عليها العائلات عاماً بعد آخر، ليحمل كل موسم محصولاً جديداً وحكايات تضاف إلى ذاكرة المكان.