العروبة – خاص
تحلّ اليوم الخميس، 15 تشرين الأول 2026، الذكرى الحادية عشرة لبدء الحملة العسكرية التي شنّتها قوات نظام الأسد البائد على بلدة تيرمعلة بريف حمص الشمالي، بمساندة الطيران الروسي، في واحدة من المحطات الدامية التي شهدتها المنطقة خلال عام 2015، حين تعرضت البلدة لقصف جوي ومدفعي مكثف، تزامن مع محاولات اقتحام أسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين والمقاتلين، بينهم نساء وأطفال، وألحقت دماراً واسعاً بالمنازل والممتلكات.
وتستعيد «العروبة» في هذه الذكرى تفاصيل الحملة من خلال شهادتين لناشطين إعلاميين عايشا أحداثها، ووثقا جانباً من المجازر والمعارك التي شهدتها البلدة، بدءاً من استهداف المخبز الآلي وجامع النور، مروراً بمحاولات التقدم على جبهات متعددة، وصولاً إلى الخسائر البشرية والدمار الذي خلّفته العمليات العسكرية.
ولا تقتصر هذه الشهادات على استعادة الوقائع الميدانية، بل تكشف أيضاً جانباً من المعاناة الإنسانية التي عاشها الأهالي، وما بقي في ذاكرة الناجين من مشاهد القصف وفقدان الأصدقاء، وسط مطالب متجددة بحفظ الأدلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
حشود عسكرية سبقت الهجوم
استذكر الناشط الإعلامي كنان عز الدين، أحد أبناء تيرمعلة، في حديثه لـ«العروبة»، الظروف التي سبقت الحملة، موضحاً أن قوات النظام البائد بدأت حشد قواتها على أطراف البلدة ومناطق ريف حمص الشمالي قبل الهجوم بمدة، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية عقب التدخل الروسي المباشر إلى جانب قوات النظام في أيلول 2015.
وذكر عز الدين أن الغارات الروسية التي استهدفت مدينة تلبيسة وبلدة الزعفرانة في 30 أيلول 2015، وما رافقها من مجازر، دفعت الفصائل العسكرية في ريف حمص الشمالي إلى تعزيز استعداداتها وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، بهدف تنسيق الجهود وتدعيم نقاط التماس تحسباً لهجوم واسع على المنطقة.
وأضاف أن معلومات وصلت إلى غرفة عمليات تيرمعلة قبل يوم من بدء الحملة، أفادت باستعداد قوات النظام البائد لشن هجوم انطلاقاً من محور البلدة باتجاه مناطق الريف الشمالي، ما دفع الفصائل إلى إعلان الاستنفار ورفع الجاهزية في مختلف الجبهات، خشية أن يبدأ الهجوم من محور آخر.
15 تشرين الأول.. غارات على المخبز والجامع
أوضح عز الدين أنه مع ساعات الصباح الأولى من الخميس 15 تشرين الأول 2015، استهدف الطيران الروسي المخبز الآلي وجامع النور في تيرمعلة بغارتين متتاليتين، ما أدى إلى سقوط شهداء، بينهم نساء وأطفال، في بداية حملة عسكرية شهدت تصعيداً واسعاً في القصف ومحاولات الاقتحام.
وذكر أن الهجوم أسفر أيضاً عن استشهاد قائد غرفة عمليات تيرمعلة النقيب رواد الأكسح، والرائد حسن الحسين، وعدد من عناصر غرفة العمليات، إلا أن هذه الخسائر لم تؤدِّ إلى انسحاب المقاتلين من مواقعهم، إذ واصلوا التصدي لمحاولات تقدم القوات المهاجمة.
وبيّن أنه بعد نحو نصف ساعة من الغارات، بدأ قصف مدفعي وصاروخي استهدف أنحاء البلدة، واستمر حتى المساء، متسبباً بأضرار واسعة في المنازل والممتلكات، وسط حالة من الخوف عاشها السكان مع استمرار سقوط القذائف.
وأضاف أن بلدة الغنطو المجاورة شهدت في اليوم نفسه مجزرة أخرى إثر استهداف ملجأ احتمى فيه مدنيون، ما أدى إلى استشهاد العشرات، معظمهم من النساء والأطفال.
عشرة أيام من محاولات الاقتحام
أكد عز الدين أن محاولات اقتحام تيرمعلة استمرت نحو عشرة أيام، وشملت محاور متعددة، في وقت سعت فيه القوات المهاجمة إلى التقدم باتجاه الطريق الواصل بين تيرمعلة والغنطو، بهدف قطعه وعزل البلدة عن محيطها في ريف حمص الشمالي.
وأشار إلى أن المقاتلين تمكنوا خلال المواجهات الأولى من تدمير آليات عسكرية وإيقاع خسائر في صفوف المجموعة التي حاولت التقدم، ما حال دون تحقيق هدف الهجوم على ذلك المحور، رغم كثافة القصف وتكرار محاولات الاقتحام.
وذكر أن البلدة تعرضت في اليوم الثاني من الحملة لغارتين روسيتين في توقيتين مختلفين، استهدفت إحداهما محيط الحديقة العامة، فيما طالت الأخرى منطقة بين منازل المدنيين، وأسفرتا عن استشهاد 12 شخصاً.
وأضاف أن محاولات الاقتحام انتقلت في اليوم الثالث إلى الجهة الجنوبية، حيث دارت مواجهات عنيفة بين المقاتلين وقوات النظام البائد، قبل أن تتمكن الأخيرة من التقدم والسيطرة على قطاع المعامل ومشفى الأمراض العقلية.
وأوضح أن الفصائل حاولت استعادة المواقع التي خسرتها، إلا أن المواجهات شهدت سقوط مزيد من الشهداء، في ظل استمرار القصف والضغط العسكري على مختلف جبهات البلدة.
24 تشرين الأول.. مواجهات على مسافات قريبة
استذكر عز الدين يوم 24 تشرين الأول 2015 بوصفه أحد أشد أيام الحملة العسكرية، حين شنت قوات النظام البائد والميليشيات المساندة لها هجوماً من الجهة الشرقية للبلدة، مدعومة بآليات مدرعة ومجنزرة.
وذكر أن المواجهات وصلت إلى مسافات قريبة جداً بين الطرفين، فيما تكبدت القوات المهاجمة خسائر خلال محاولتها التقدم وتثبيت مواقع جديدة.
وأكد أن الفصائل المدافعة عن البلدة تمكنت من صد الهجوم ومنع القوات المهاجمة من تثبيت سيطرتها على النقطة التي وصلت إليها، في واحدة من أكثر مراحل الحملة شراسة.
وقدر عز الدين حصيلة الحملة بنحو 100 شهيد من أبناء حمص وريفها، إضافة إلى مئات الجرحى من المدنيين والمقاتلين، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من منازل البلدة تعرضت لأضرار متفاوتة نتيجة القصف.
ولفت إلى أن عدداً من الأهالي اضطروا إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، فيما بقي المقاتلون على الجبهات لمواجهة محاولات التقدم.
شهادة من الجبهة.. تفاصيل لا تمحوها السنوات
لا تزال تفاصيل المعارك والقصف حاضرة في ذاكرة كنان عز الدين، الذي كان ناشطاً إعلامياً ومقاتلاً على جبهات تيرمعلة خلال الحملة، رغم مرور أحد عشر عاماً على تلك الأحداث.
واستذكر عز الدين صديقه محمود اللوز، الذي كان برفقته على الجبهة قبل يوم من إصابته التي أدت إلى استشهاده، مؤكداً أن تلك اللحظات بقيت من أكثر المشاهد تأثيراً في ذاكرته.
وروى أن اللوز سارع إلى إسعافه عندما أصيب بشظايا في رأسه، وحاول إيقاف النزيف بالضغط على موضع الإصابة، في مشهد لا تزال تفاصيله حاضرة في ذاكرته، إلى جانب سقوط الشهداء والجرحى بالقرب منه والقذائف التي كانت تتساقط على مقربة من مواقعهم.
وأشار إلى أن بعض الأهالي بقوا في منازلهم خلال فترات القصف خوفاً من الخروج، فيما اضطر آخرون إلى النزوح تحت النار، رغم المخاطر التي رافقت مغادرتهم البلدة.
وأوضح عز الدين أنه لم يتمكن من توثيق جميع الأحداث، ولا سيما في اليوم الأول من الحملة، بسبب وجوده على الجبهات ومشاركته في القتال، الأمر الذي حال دون تسجيل بعض الوقائع بعدسته.
أبو جمال الحمصي.. مقطع المجزرة يعيد وجوه الأصدقاء
استذكر الناشط الإعلامي عمار عبد العظيم، المعروف باسم «أبو جمال الحمصي»، في شهادة أخرى لـ«العروبة»، تفاصيل مجزرة المخبز في تيرمعلة، التي وثق آثارها بعدسته خلال الحملة العسكرية.
وذكر أبو جمال أن مشاهدة المقطع المصور تعيد إليه وجوه أصدقاء فقدهم خلال سنوات الثورة السورية، وتستحضر لحظات جمعتهم قبل ساعات من المجزرة، حين كانوا يتحدثون ويمزحون دون أن يتوقعوا أن تتحول تلك اللقاءات إلى ذكريات أخيرة لبعضهم.
وتوقف خصوصاً عند صديقه أنس القصاب، الذي فقده يوم المجزرة أو في اليوم التالي، واصفاً إياه بأنه كان بمنزلة أخ له، ومشيراً إلى أن عائلته لا تزال تحتل مكانة خاصة لديه.
وأضاف أن الغارة التي وثق آثارها شكلت بداية مرحلة عسكرية أكثر قسوة، شهدت سقوط مزيد من الشهداء وفقدان عدد كبير من الأصدقاء، فيما بقيت مشاهد القصف والدمار حاضرة في ذاكرته رغم مرور السنوات.
وأشار إلى أن استعادة تلك الأحداث تجمع بين ألم الفقد وما عاناه أبناء البلدة خلال الحملة، وبين الشعور بالامتنان لما تحقق لاحقاً بسقوط النظام البائد.
التوثيق والمحاسبة.. مطالب مستمرة بعد 11 عاماً
شدد أبو جمال على أهمية التسجيلات المصورة التي وثقها الناشطون خلال سنوات الثورة السورية، معتبراً أنها تمثل جزءاً أساسياً من حفظ الذاكرة وكشف حقيقة الجرائم التي شهدتها المدن والبلدات السورية.
وذكر أنه لا يزال يحتفظ مع زملائه بمواد مصورة توثق أحداثاً مختلفة، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الأدلة في دعم مسار العدالة الانتقالية وكشف ملابسات الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الأطر القانونية.
واعتبر أن إجراءات المحاسبة لا تزال، من وجهة نظره، دون مستوى تطلعات الناجين وعائلات الضحايا، مطالباً بتسريع هذا المسار واتخاذ خطوات ملموسة تنصف المتضررين وتحول دون طمس الأدلة أو تجاهل الجرائم المرتكبة.
وتكتسب شهادات الناجين والمواد المصورة أهمية خاصة في توثيق ما شهدته تيرمعلة خلال تشرين الأول 2015، إذ تحفظ تفاصيل لا تعكسها أرقام الضحايا وحجم الدمار وحدها، وتقدم روايات مباشرة لأشخاص عايشوا الأحداث وفقدوا أقارب وأصدقاء خلالها.
وبعد أحد عشر عاماً على الحملة العسكرية، تبقى تيرمعلة شاهدة على ما تعرض له ريف حمص الشمالي من قصف ومجازر ومحاولات اقتحام خلال سنوات الثورة السورية، فيما تستمر مطالب الناجين وذوي الضحايا بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وضمان بقاء ما شهدته البلدة حاضراً في الذاكرة، بوصفه جزءاً من تاريخ المنطقة وحقوق أبنائها التي لا يسقطها مرور الزمن.