العروبة – خاص
تتطلب مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة في سوريا معالجة تتجاوز الاكتفاء بالتصدي للمحتوى المنشور، لتشمل حماية الحقوق وترسيخ العدالة والمواطنة المتساوية، وتعزيز مسؤولية المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى، إلى جانب تطوير آليات للرصد والتدخل المبكر تحول دون تحول الخطاب التحريضي إلى توترات مجتمعية.
وفي هذا السياق، أكد المدرب الدولي في الحوكمة والإعلام أكرم الأحمد، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن مواجهة هذه الظواهر تستند إلى مسارات متكاملة تبدأ بمحاسبة الأفراد على أفعالهم، بعيداً عن انتماءاتهم الطائفية أو المناطقية أو قناعاتهم السياسية، وتمتد إلى معالجة جذور الكراهية وبناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
المحاسبة على الأفعال لا الانتماءات
شدد الأحمد على أن القاعدة الأساسية لمواجهة خطاب الكراهية تقوم على محاسبة الإنسان على أفعاله، مع ضمان حقوقه بصرف النظر عن طائفته أو منطقته أو توجهاته السياسية، مؤكداً أهمية إنصاف المتضررين ومنع التمييز والانتقام الجماعي.
وأوضح أن المسار الأول يتمثل في اتخاذ التزامات عملية وإجرائية لحماية الحقوق، وفي مقدمتها حق الاختلاف، وضمان إنصاف الضحايا، ووضع قواعد سلوك واضحة وملزمة للمؤسسات الإعلامية والخدمية والشخصيات العامة.
وأشار إلى ضرورة تحديد المسؤوليات داخل المؤسسات الإعلامية وفي عمليات النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يضمن وضوح الالتزامات المهنية ويعزز المساءلة عن المحتوى الذي ينطوي على تحريض أو تمييز.
وأكد أن بناء الثقة بين أبناء المجتمع يحتاج إلى عمل متواصل، ولا يمكن تحقيقه بإجراءات مؤقتة أو حملات توعية محدودة، بل يتطلب مساراً طويل الأمد يقوم على احترام الحقوق وترسيخ العدالة.
معالجة جذور الكراهية بخطط طويلة الأمد
لفت الأحمد إلى أهمية إطلاق جهود وطنية منظمة لمعالجة جذور خطاب الكراهية ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطره، بمشاركة الوزارات والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والقوى المجتمعية.
وأوضح أن ترسيخ ثقافة مسؤولة في التعامل مع الاختلاف قد يتطلب خططاً استراتيجية تمتد لعشرين عاماً، بما يتيح إحداث تغييرات تدريجية ومستدامة في الممارسات الإعلامية والمجتمعية.
وأضاف أن هذا المسار يستلزم إعداد مدونة سلوك تنظم إنتاج المحتوى الإعلامي والرقمي، والعمل على ترسيخ مبادئها تدريجياً حتى تصبح جزءاً من الممارسات المهنية اليومية والسلوك المجتمعي.
وأكد أن مواجهة الكراهية لا تقتصر على الحد من انتشار الرسائل التحريضية، وإنما تشمل أيضاً تعزيز ثقافة الحوار والاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، بما يسهم في بناء علاقات مجتمعية قائمة على الاحترام المتبادل.
تنظيم ذاتي للإعلام وآليات مستقلة للشكاوى
أشار الأحمد إلى أن تطوير التنظيم الذاتي للإعلام والنشر الرقمي يشكل أحد المسارات الأساسية للحد من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، من خلال إنشاء آليات مستقلة لتلقي الشكاوى والنظر فيها.
وشدد على ضرورة تحديد التزامات واضحة لصناع المحتوى والعاملين في المؤسسات الإعلامية، وتعزيز الشفافية في القرارات المتعلقة بالمحتوى المنشور، بما يضمن وضوح المعايير والإجراءات المتبعة.
وأوضح أن وجود قواعد مهنية معلنة وآليات فعالة للمساءلة يساعد على تعزيز مسؤولية النشر، ويحد من الممارسات التي تسهم في نشر التحريض أو تأجيج الانقسامات المجتمعية.
وأكد أهمية تطوير التشريعات وضمان تطبيقها بعدالة، بما يوفر الحماية للفضاء الإلكتروني، بالتوازي مع ترسيخ مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضمن مسار العدالة الانتقالية.
الرصد المبكر لمنع تصاعد التوترات
شدد الأحمد على ضرورة اعتماد مسار إجرائي سريع للكشف المبكر عن مخاطر خطاب الكراهية والتعامل معها قبل اتساع نطاقها، من خلال رصد التهديدات والدعوات التحريضية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن هذا المسار يتطلب التحقق السريع من المعلومات المتداولة، وتصحيح الأخبار المضللة والصور والمقاطع المصورة المجتزأة، للحد من انتشارها وتأثيرها في الرأي العام.
وأكد أهمية توفير الحماية للأشخاص الذين يتعرضون للتهديد أو حملات التشهير، عبر الجهات المختصة، إلى جانب إعلان إجراءات التصحيح والمساءلة بوضوح ووفق معايير مهنية محددة.
وأشار إلى أن سرعة التعامل مع المعلومات المضللة والخطابات التحريضية تمثل عاملاً مهماً في الحد من تصاعد التوترات، ولا سيما عندما ترتبط بمخاوف أو حساسيات قائمة داخل المجتمع.
المجتمعات المحلية شريك في احتواء التوترات
لفت الأحمد إلى أن احتواء التوترات المجتمعية يتطلب تفعيل دور المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في مختلف المناطق السورية، وإشراكها في جهود الحوار والوساطة ومعالجة المخاوف.
وأوضح أن لجان الصلح والوساطة المجتمعية يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة، إلى جانب إطلاق مبادرات للتعاون وتعزيز التفاهم.
وأكد أهمية بناء شراكات بين المؤسسات الرسمية والفعاليات المجتمعية، بما يتيح التعامل مع أسباب التوترات قبل تفاقمها، ويعزز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحريض والانقسام.
حملة «الكلمة تبني» لتعزيز الخطاب المسؤول
تأتي تصريحات الأحمد بالتزامن مع إطلاق الأكاديمية السورية للإعلام، الثلاثاء الماضي، حملة «الكلمة تبني»، بالشراكة مع وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بهدف التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة، وتعزيز الممارسات المسؤولة في تداول المحتوى ونشره بمختلف المحافظات السورية.
وذكرت الأكاديمية أن الحملة تسعى إلى رفع الوعي المجتمعي بمخاطر خطاب الكراهية والمحتوى المضلل وآثارهما على الفرد والمجتمع، والحد من انتشار الرسائل التي تغذي الانقسام والعنف والتحريض.
وأوضحت أن الحملة تركز أيضاً على تعزيز الوعي المهني لدى العاملين في المجال الإعلامي، وترسيخ معايير الخطاب المسؤول في وسائل الإعلام، بما يدعم جهود الحد من التحريض والمعلومات المضللة.
وتبرز أهمية هذه الجهود في ربط التوعية الإعلامية بمسارات العدالة والمساءلة وحماية الحقوق، باعتبار أن مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق من خلال ضبط المحتوى وحده، بل تحتاج إلى معالجة أسبابه وتعزيز الثقة بين أبناء المجتمع.
وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمع السوري، تبقى حماية حق الاختلاف، ومحاسبة الأفراد على أفعالهم لا انتماءاتهم، وتطوير الإعلام المسؤول وآليات التدخل المبكر، ركائز أساسية لبناء بيئة مجتمعية أكثر قدرة على مواجهة التحريض والانقسام، وترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم والسلم الأهلي.