العروبة – خاص
أعاد اعتقال جهاز الاستخبارات العامة السوري معراج أورال، المعروف باسم «علي كيالي»، تسليط الضوء على مجزرة البيضا في محافظة طرطوس، إحدى الجرائم التي شهدها الساحل السوري خلال سنوات الثورة، وارتبط اسمه باتهامات بالتورط فيها، في ظل قيادته ميليشيا «المقاومة السورية» التي قاتلت إلى جانب قوات نظام الأسد البائد.
ويأتي اعتقال أورال، الذي أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» توقيفه أثناء محاولته الفرار عبر الحدود بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات التركي، بعد سنوات من الاتهامات التي لاحقته بشأن دوره في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ولا سيما مجزرتي البيضا وبانياس في أيار 2013، وما ارتبط بهما من عمليات قتل وتهجير وانتهاكات جسيمة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ضوء الوثائق الحقوقية التي سجلت تفاصيل الجرائم المرتكبة في المنطقة، ومنها تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 21 تموز 2013، تناول مجزرة جديدة شهدتها قرية البيضا، ووثق مقتل مدنيين، بينهم أطفال ونساء، وإحراق أفراد من عائلات داخل منازلهم.
ويعيد وضع أورال في قبضة الأجهزة الأمنية السورية ملف هذه الجرائم إلى الواجهة، مع أهمية التحقيق في طبيعة الأدوار التي أداها خلال قيادته التشكيلات المسلحة الموالية للنظام السابق، وتحديد مسؤوليته الفردية عن الانتهاكات المنسوبة إليه، وصولاً إلى محاسبة من تثبت إدانتهم أمام القضاء.
البيضا وبانياس.. مجازر أيار 2013
شهدت قرية البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس، مطلع أيار 2013، عمليات قتل جماعي بحق المدنيين، نفذتها وفق توثيقات حقوقية قوات النظام السابق ومجموعات مسلحة موالية لها.
وفي تقريرها الصادر بتاريخ 21 تموز 2013، ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن حصيلة الضحايا التي وثقتها في أحداث أيار بلغت 495 مدنياً، وأوردت ضمن تفاصيلها مقتل 264 مدنياً في قرية البيضا و195 مدنياً في حي رأس النبع بمدينة بانياس.
وشكلت هذه المجازر واحدة من أبرز محطات العنف الذي تعرض له المدنيون في الساحل السوري خلال سنوات الثورة، لما رافقها من عمليات قتل واسعة وانتهاكات استهدفت السكان، وما أعقبها من تهجير وخوف حال دون عودة كثير من الأهالي إلى منازلهم.
ولم تتوقف الانتهاكات، وفق التقرير الحقوقي، عند عمليات القتل، بل امتدت إلى ممارسات هدفت إلى دفع السكان نحو مغادرة مناطقهم ومنعهم من العودة إليها.
فقد وثقت الشبكة شهادات لأهالٍ تحدثوا عن سرقة محتويات المنازل ونقل الأثاث والمعدات الكهربائية بواسطة سيارات شحن، إلى جانب تخريب البيوت وتدمير ممتلكات لم تتمكن المجموعات المسلحة من نقلها.
كما أشار التقرير إلى حملات اعتقال طالت عائلات عادت إلى قرية البيضا وحي رأس النبع، في سياق وصفته الشبكة بأنه عمليات تهجير منظمة أعقبت المجازر.
21 تموز.. مجزرة جديدة في القرية
بعد نحو شهرين ونصف من مجازر أيار، شهدت قرية البيضا هجوماً جديداً وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير مستقل صدر في 21 تموز 2013.
وبحسب التقرير، بدأت الأحداث عندما تجمع عدد من شباب القرية الذين قرروا البقاء فيها لتناول طعام الإفطار خلال شهر رمضان، قبل أن تحاصر مجموعة من عناصر الشبيحة والمخابرات المبنى الذي كانوا موجودين فيه.
وأشار التقرير إلى وقوع اشتباكات أثناء محاولة اقتحام المبنى، أسفرت عن مقتل اثنين من الشباب المحاصرين وإصابة آخرين.
وفي صباح الأحد 21 تموز 2013، نحو الساعة السادسة والنصف، اقتحمت مجموعات من الشبيحة وما كان يعرف بـ«جيش الدفاع الوطني» قرية البيضا، وبدأت عمليات قتل استهدفت مدنيين داخل منازلهم وفي محيط القرية.
ووثقت الشبكة مقتل 14 مدنياً في الهجوم، بينهم ستة أطفال وأربع نساء، إضافة إلى الشخصين اللذين قتلا خلال الاشتباكات السابقة.
عائلة فتوح.. أطفال ونساء أُحرقوا داخل منازلهم
من بين أكثر الوقائع مأساوية في التقرير الحقوقي، ما تعرضت له عائلة فتوح خلال اقتحام القرية، إذ وثقت الشبكة مقتل أفراد من العائلة وإحراق نساء وأطفال داخل منازلهم.
وبحسب التوثيق، توجهت القوات المهاجمة إلى منزل أسامة علي فتوح، البالغ من العمر 40 عاماً، والذي كان يعمل تاجراً في سوق الهال، وقتلته، قبل أن تُحرق زوجته وأطفاله داخل المنزل.
وذكر التقرير أسماء زوجته ليلى قدور، البالغة من العمر 34 عاماً، وأطفالهما هنادي البالغة 13 عاماً، وعلي البالغ 12 عاماً، ويامن البالغ ست سنوات، ومايا البالغة ثلاث سنوات، ضمن الضحايا الذين قضوا حرقاً.
كما وثقت الشبكة مقتل نضال علي فتوح، البالغ 38 عاماً، وزوجته ميس عبيد، البالغة 27 عاماً، وطفليهما محمد، البالغ عامين، وسعاد، البالغة أربع سنوات ونصف، مشيرة إلى أنهم قضوا خلال الهجوم على منزلهم.
وشملت قائمة الضحايا أيضاً زياد علي فتوح، البالغ 36 عاماً، والسيدة فاطمة فتوح، البالغة 60 عاماً، وابنتها حنان قدور، البالغة 23 عاماً.
وتكشف أسماء الضحايا وأعمارهم حجم المأساة الإنسانية التي شهدتها القرية، حيث لم تقتصر عمليات القتل على الرجال، بل طالت نساء وأطفالاً، بعضهم لم يتجاوز السنوات الأولى من عمره.
قتل إمام مسجد القرير في أرضه الزراعية
وثق التقرير أيضاً مقتل الشيخ أسامة توفيق الأعسر، المولود عام 1965، والذي كان إماماً وخطيباً لمسجد بلدة القرير، ووفق المعلومات التي أوردتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، توجهت عناصر من المجموعات المهاجمة إلى أرضه الزراعية في قرية البيضا، وأطلقت النار على رأسه، ما أدى إلى مقتله.
وأدرجت الشبكة اسمه ضمن قائمة المدنيين الأربعة عشر الذين وثقت مقتلهم خلال هجوم 21 تموز، إلى جانب أفراد العائلات التي استهدفت داخل منازلها.
معراج أورال.. قيادة ميليشيا موالية لنظام الأسد
يرتبط اسم معراج أورال، المعروف أيضاً باسم «علي كيالي»، بقيادة ميليشيا «المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، وهي من التشكيلات المسلحة التي قاتلت إلى جانب قوات نظام الأسد البائد خلال سنوات الثورة السورية.
وامتد نشاط هذه الميليشيا إلى مناطق في الساحل السوري وأرياف أخرى، فيما لاحقت أورال اتهامات تتعلق بالمشاركة في انتهاكات بحق المدنيين، وفي مقدمتها الجرائم التي شهدتها منطقتا البيضا وبانياس عام 2013.
اعتقال أورال يعيد مطالب العدالة إلى الواجهة
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على مجازر البيضا وبانياس، يعود ملف الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في المنطقة إلى الواجهة مع إعلان اعتقال معراج أورال، الذي ارتبط اسمه باتهامات بالتورط في تلك الأحداث.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور على توقيف قائد ميليشيا مسلحة قاتلت إلى جانب نظام الأسد البائد، بل تمتد إلى إمكانية استكمال التحقيقات في الجرائم التي شهدتها المنطقة، وتحديد أدوار المشاركين فيها والمسؤولين عن التخطيط لها وتنفيذها.
وتشكل الوثائق الحقوقية التي أُعدت خلال سنوات الثورة، بما تتضمنه من أسماء للضحايا وشهادات وتفاصيل عن عمليات القتل والتهجير، مصادر مهمة يمكن الاستفادة منها في مسارات التحقيق، مع ضرورة فحصها والتحقق من أدلتها وفق الإجراءات القضائية.
كما تبقى حقوق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة والمطالبة بالمحاسبة عنصراً أساسياً في أي مسار للعدالة، خصوصاً في الجرائم التي استهدفت عائلات بأكملها وخلفت آثاراً إنسانية واجتماعية عميقة.
وبين مجازر عام 2013 واعتقال أورال في عام 2026، يبرز تحول أساسي يتمثل في انتقال إحدى الشخصيات المتهمة بالتورط في جرائم الساحل السوري إلى قبضة الأجهزة الأمنية، بما يفتح المجال أمام مساءلتها عن الاتهامات المنسوبة إليها.
ويبقى استكمال هذا المسار مرهوناً بالتحقيقات القضائية وجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات، وصولاً إلى محاكمات عادلة تضمن محاسبة من تثبت إدانتهم، وتعيد الاعتبار لحقوق الضحايا الذين ظلت جرائم قتلهم وتهجيرهم موثقة طوال سنوات دون أن تتحقق العدالة المنشودة.