العروبة – خاص
لا يقتصر دور المرأة الريفية على إدارة شؤون الأسرة ورعاية أفرادها، بل يمتد إلى ميادين العمل والإنتاج والمساهمة في تأمين سبل العيش، مستفيدة من خبراتها ومهاراتها في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي كثير من المجتمعات الريفية، تتحول الحرف التقليدية التي تتوارثها النساء عبر الأجيال إلى فرص للعمل ومصادر دخل تساعد الأسر على تجاوز ظروفها المعيشية الصعبة.
ومع حلول اليوم الدولي للمرأة الريفية، الذي يصادف الخامس عشر من تشرين الأول من كل عام، تتجدد أهمية تسليط الضوء على إسهامات النساء في التنمية الزراعية والريفية وتعزيز الأمن الغذائي ومكافحة الفقر، إلى جانب إبراز تجاربهن في العمل والإنتاج والاعتماد على الذات.
وتحمل المناسبة لعام 2026 شعار «المزارعات الريفيات ورعاية الطبيعة الأم»، بالتزامن مع إعلان الأمم المتحدة العام الجاري السنة الدولية للمزارعات، في تأكيد لأهمية الدور الذي تؤديه النساء في المجتمعات الريفية، وضرورة تعزيز فرصهن الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ريف حمص، تبرز تجارب نسائية تعكس جانباً من هذا الدور، حيث استطاعت نساء تحويل مهارات بسيطة وحرف متوارثة إلى وسائل لتأمين احتياجات أسرهن، في ظل ظروف معيشية فرضت عليهن تحمل مسؤوليات إضافية.
الحرف التقليدية.. من الموروث إلى مصدر الرزق
تمثل الحرف التقليدية جزءاً من الحياة اليومية في المجتمعات الريفية، إذ تنتقل مهارات إعداد المنتجات الغذائية والأعمال المنزلية والإنتاجية من جيل إلى آخر، وتبقى حاضرة في ذاكرة النساء بوصفها خبرات اكتسبنها داخل أسرهن.
ولا تتوقف أهمية هذه المهارات عند المحافظة على الموروث الاجتماعي، بل قد تتحول إلى فرص للعمل عندما تواجه الأسر ظروفاً اقتصادية صعبة، أو تضطر النساء إلى تحمل مسؤولية إعالة أبنائهن بعد فقدان المعيل.
ومن بين هذه الحرف صناعة خبز التنور، التي لا تزال مرتبطة بالحياة الريفية، وتشكل بالنسبة إلى بعض النساء وسيلة للاستفادة من خبراتهن في توفير مصدر دخل يساعد على تلبية الاحتياجات اليومية.
وفي منطقة ضهر القصير بريف حمص، تقدم السبعينية توفيقة الحسن مثالاً على هذا التحول، بعدما استعادت حرفة تعلمتها في طفولتها، وجعلت منها مهنة تعتمد عليها في تأمين متطلبات أسرتها.
تجربة من ريف حمص.. العمل في مواجهة الظروف
بدأت علاقة توفيقة الحسن بخبز التنور منذ سنوات طفولتها، عندما كانت ترافق جدتها وتراقبها أثناء إعداد العجين وتجهيز التنور وخبز الأرغفة، لتكتسب تدريجياً خبرة في هذه المهنة التقليدية.
وأوضحت الحسن، في حديث خاص لـ«العروبة»، أن تلك المهارة بقيت حاضرة في ذاكرتها، قبل أن تجد نفسها بحاجة إلى الاستفادة منها بعد وفاة زوجها وغياب المعيل، في ظل مسؤوليات أسرية وظروف معيشية صعبة.
وبيّنت أن فقدان زوجها دفعها إلى البحث عن وسيلة تمكنها من الاعتماد على نفسها وتأمين احتياجات أبنائها، فاختارت العمل في صناعة خبز التنور مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها منذ الصغر.
وأكدت أن حرصها على ألا يشعر أبناؤها بالحرمان أو النقص مقارنة بأقرانهم كان من أبرز الدوافع التي شجعتها على الاستمرار في العمل، رغم الأعباء التي تحملتها والصعوبات المرتبطة بتقدمها في العمر.
ومع مرور الوقت، طورت الحسن مهاراتها ووسعت نشاطها ليشمل إعداد المناقيش إلى جانب خبز التنور، في محاولة لتنويع منتجاتها وتحسين دخل الأسرة.
وتعكس تجربتها قدرة المرأة الريفية على الاستفادة من مهاراتها المتاحة وتحويلها إلى نشاط إنتاجي، حتى في مراحل عمرية متقدمة، عندما تتوافر الإرادة والخبرة والرغبة في مواجهة الظروف بالعمل.
المرأة الريفية ومسؤوليات اقتصادية متزايدة
تكشف مثل هذه التجارب جانباً من المسؤوليات التي تتحملها النساء في المجتمعات الريفية، ولا سيما عندما تواجه الأسرة فقدان المعيل أو صعوبات اقتصادية تجعل مساهمة المرأة في تأمين الدخل ضرورة معيشية.
فإلى جانب مسؤولياتها الأسرية، قد تجد المرأة نفسها أمام الحاجة إلى ممارسة عمل إنتاجي يتيح لها توفير جزء من متطلبات الحياة اليومية، مستفيدة من الحرف التي تتقنها والخبرات التي اكتسبتها عبر السنوات.
وتبرز أهمية هذه الأنشطة في قدرتها على توفير مصادر رزق تعتمد على المهارات الشخصية، بما يمنح النساء فرصاً أوسع للمشاركة الاقتصادية، ويساعدهن على تعزيز استقلالهن وقدرتهن على اتخاذ القرارات المرتبطة بحياتهن وأسرهن.
كما تمثل الحرف الغذائية التقليدية أحد المجالات التي يمكن للنساء الريفيات العمل فيها، سواء من خلال إعداد المنتجات المنزلية أو تطوير أنشطة صغيرة تستفيد من المهارات المتوارثة داخل الأسرة والمجتمع.
بين الحفاظ على الموروث وتطوير فرص العمل
تحمل الحرف التقليدية قيمة اجتماعية وثقافية تتجاوز جانبها الاقتصادي، إذ ترتبط بذاكرة المجتمعات المحلية وأساليب الحياة التي تناقلتها الأجيال.
غير أن المحافظة على هذه الحرف لا تعني الاكتفاء بممارستها بالطرق المعتادة، بل تبرز أهمية تطويرها بما يساعد النساء العاملات فيها على تحسين إنتاجهن والاستفادة منها بوصفها أنشطة اقتصادية قادرة على دعم دخل الأسرة.
وتقدم تجربة صناعة خبز التنور مثالاً على إمكانية الجمع بين الحفاظ على المهارة التقليدية وتوسيع النشاط الإنتاجي، من خلال إضافة منتجات أخرى تلبي احتياجات المستهلكين وتوفر فرصاً لتحسين المردود المادي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية دعم النساء الريفيات في تطوير مهاراتهن وأنشطتهن، وتعزيز قدرتهن على تحويل الخبرات المتوارثة إلى مشروعات إنتاجية تساعد على تحسين الظروف المعيشية.
اليوم الدولي للمرأة الريفية.. مناسبة لتقدير الدور وتعزيز الفرص
يشكل اليوم الدولي للمرأة الريفية فرصة لإبراز إسهامات النساء في الإنتاج والتنمية، والتذكير بالتحديات التي تواجههن في العمل وتأمين سبل العيش، وأهمية توفير الظروف التي تساعدهن على الاستفادة من قدراتهن وخبراتهن.
ولا تنحصر أهمية المناسبة في الاحتفاء بالدور الذي تؤديه المرأة داخل الأسرة والمجتمع، بل تمتد إلى التأكيد على ضرورة تعزيز فرص مشاركتها الاقتصادية، ودعم الأنشطة التي تمكنها من تحسين دخلها وتطوير مهاراتها.
وتعكس التجارب الفردية في ريف حمص جانباً من هذه الصورة، حيث تتحول الحرف البسيطة إلى وسائل لمواجهة الأعباء المعيشية، وتصبح المهارات المتوارثة مورداً اقتصادياً يساعد الأسر على الاستمرار.
وبين إعداد العجين وإشعال التنور وصناعة الخبز، تختصر تجربة امرأة سبعينية جانباً من كفاح نساء الريف اللواتي واجهن ظروف الحياة بالعمل والمثابرة، وحوّلن ما تعلمنه عبر السنوات إلى فرص للإنتاج وتأمين الرزق.
وفي اليوم الدولي للمرأة الريفية، يبقى دعم هذه الجهود وتطوير فرص العمل والإنتاج ضرورة لتعزيز دور النساء في التنمية، وتحويل قدراتهن ومهاراتهن إلى فرص اقتصادية أكثر استقراراً، بما ينعكس على ظروف الأسر والمجتمعات الريفية.