العروبة – خاص
أحد عشر عاماً مضت على مجزرة آل عساف في قرية الغنطو بريف حمص الشمالي، لكن تفاصيل الخامس عشر من تشرين الأول عام 2015 لا تزال حاضرة في ذاكرة مروان عبد المعطي عساف، الذي فقد زوجته وأطفاله الخمسة إثر غارات جوية استهدفت ملجأً احتمت فيه عشرات النساء والأطفال، وأسفرت عن مقتل 48 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال.
لم تتوقف مأساة عساف عند فقدان أسرته وانهيار الملجأ فوق من كانوا بداخله، بل امتدت إلى الساعات التي أعقبت المجزرة، حين اضطر الناجون إلى انتشال جثامين أقاربهم من تحت الأنقاض وسط استمرار القصف، قبل أن يتعرض محيط المقبرة لاستهداف جديد أثناء تشييع الضحايا.
وفي شهادة خاصة لصحيفة «العروبة»، استعاد عساف تفاصيل المجزرة واللحظات التي سبقت استهداف الملجأ، وما واجهه الأهالي خلال عمليات البحث عن الضحايا ودفنهم، في يوم تحول فيه المكان الذي لجأت إليه العائلات طلباً للحماية إلى موقع لمقتل العشرات من أفرادها.
عشرة أمتار فصلته عن الموت
روى مروان عبد المعطي عساف أنه كان يقف على مسافة تقارب عشرة أمتار من الملجأ الذي احتمى فيه أفراد من عائلته وعائلات أخرى هرباً من القصف، عندما استهدفت الغارات الجوية المكان.
وأوضح أنه كان برفقة ابنه وابن أخيه بالقرب من الملجأ لحظة سقوط الصواريخ، قبل أن يغطي غبار أسود كثيف المنطقة نتيجة شدة الانفجار.
وأضاف أنه اكتشف بعد انقشاع الغبار إصابة ابنه وابن أخيه، بعدما دفعتهما قوة الانفجار بعيداً عن موقع الملجأ، فيما كان الدمار قد طال المكان الذي لجأ إليه بقية أفراد العائلة.
وأشار إلى أن الاستهداف أدى إلى انهيار الملجأ عدة أمتار تحت مستوى الأرض، ما تسبب بمقتل من كانوا بداخله، وبينهم زوجته وأطفاله الخمسة، إلى جانب عشرات من أقاربه وأفراد العائلات الأخرى.
وبيّن عساف أن عدد الضحايا بلغ نحو 48 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم نساء كنّ في الأشهر الأخيرة من الحمل، في مجزرة فقدت خلالها عائلات متقاربة عدداً كبيراً من أفرادها خلال لحظات.
انتشال الضحايا تحت القصف
لم يتمكن الناجون من مباشرة انتشال جميع الضحايا فور انتهاء الغارات، إذ استمر القصف على المنطقة باستخدام الراجمات وقذائف الهاون، ما جعل الوصول إلى الأنقاض والبحث عن الجثامين مهمة محفوفة بالخطر.
وأكد عساف أن عمليات الانتشال استمرت حتى اليوم التالي، وسط ظروف بالغة الصعوبة، اضطر خلالها الأهالي إلى التوقف عن العمل والاحتماء كلما تجدد القصف، قبل العودة إلى البحث عن أقاربهم.
وأوضح أن حجم الدمار وشدة الانفجار جعلا العثور على جثامين كاملة أمراً بالغ الصعوبة، إذ واجه الأهالي أشلاء متناثرة بين الركام، دون القدرة على التعرف إلى جميع الضحايا بسهولة.
وأضاف أن الناجين جمعوا ما استطاعوا العثور عليه من أشلاء وجثامين، ولفّوها بالبطانيات تمهيداً لنقلها إلى المقبرة، في ظل استمرار المخاطر التي أحاطت بالمكان.
ولم تترك تلك الظروف للأهالي فرصة لاستيعاب حجم الفاجعة، إذ وجدوا أنفسهم أمام مهمة البحث عن أفراد عائلاتهم وانتشالهم، بينما كان القصف يهدد حياتهم في كل لحظة.
برميل متفجر بالقرب من المقبرة
امتد الاستهداف، وفق شهادة عساف، إلى الوقت الذي حاول فيه الأهالي تشييع الضحايا ودفنهم، بعدما تمكنوا من جمع الجثامين والأشلاء من تحت الأنقاض.
وروى أنه أثناء وجود المشيعين بالقرب من المقبرة، ظهرت مروحية في السماء وألقت برميلاً متفجراً بالقرب من المكان، ما دفع الحاضرين إلى الفرار خشية تعرضهم لإصابات جديدة.
وأوضح أن الأهالي لم يتمكنوا من إتمام مراسم الدفن والوداع في ظروف آمنة، بعدما لاحقهم القصف من موقع المجزرة إلى المكان الذي حاولوا فيه مواراة ضحاياهم الثرى.
وشكلت تلك اللحظات، بحسب شهادته، امتداداً للمأساة التي بدأت باستهداف الملجأ، إذ لم يقتصر الخوف على محاولة النجاة من الغارات الأولى، بل رافق الناجين خلال انتشال الشهداء وتشييعهم.
عائلات فقدت أفرادها في لحظات
أكد عساف أن الملجأ كان يضم عدداً كبيراً من أقاربه، بينهم أبناؤه وأبناء إخوته وزوجاتهم وأطفالهم، إضافة إلى نساء وأطفال من عائلات أخرى لجؤوا إلى المكان طلباً للحماية.
وأشار إلى أن الاستهداف أوقع خسائر بشرية كبيرة بين أفراد عائلات تربطها صلات قرابة وثيقة، ما جعل آثار المجزرة تمتد إلى عدد واسع من الأسر في القرية.
وبيّن أن اختلاط الأشلاء وصعوبة الوصول إلى الضحايا تسببا في تفاوت التقديرات الأولية لأعداد الشهداء، قبل أن تستقر الحصيلة الموثقة لدى جهات حقوقية عند 48 مدنياً.
ولم تكن خسارة عساف مقتصرة على أفراد أسرته المباشرة، إذ فقد أيضاً عدداً من أقاربه، وعاش مع بقية الناجين مشاهد البحث عن الجثامين ومحاولة التعرف إلى الضحايا وسط الدمار.
مجزرة الغنطو في التوثيقات الحقوقية
وقعت مجزرة آل عساف في قرية الغنطو بريف حمص الشمالي في 15 تشرين الأول 2015، إثر غارات جوية استهدفت ملجأً لجأت إليه عائلات مدنية هرباً من القصف.
وأسفرت المجزرة عن مقتل 48 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفق التوثيقات التي أوردتها اللجنة السورية لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وشملت قائمة الضحايا أفراداً من عدة عائلات، بينها عائلة مروان عساف وعائلة راكان عساف، إلى جانب عائلات أخرى من أقاربهم.
كما أثارت الغارات التي استهدفت المنطقة مخاوف حقوقية بشأن قانونيتها، إذ أشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى غياب مؤشرات على وجود أهداف عسكرية واضحة في موقع الملجأ، ما طرح تساؤلات بشأن طبيعة الاستهداف ومدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين.
ذاكرة الفقد بعد أحد عشر عاماً
بعد مرور أحد عشر عاماً على المجزرة، بقيت شهادة مروان عبد المعطي عساف توثق جانباً من المعاناة التي عاشها المدنيون في ريف حمص الشمالي خلال سنوات الحرب، حين لم توفر الملاجئ الحماية للعائلات التي احتمت بها من الغارات الجوية.
وتكشف تفاصيل شهادته أن آثار المجزرة لم تنحصر في حصيلة الضحايا، بل شملت الظروف التي اضطر فيها الناجون إلى انتشال جثامين أقاربهم ودفنهم تحت تهديد القصف المستمر.
وبين فقدان زوجته وأطفاله الخمسة، ومشاهد الدمار والأشلاء، واستهداف محيط المقبرة أثناء التشييع، بقيت أحداث ذلك اليوم حاضرة في ذاكرة عساف، شاهداً على مأساة عائلة فقدت عشرات من أفرادها، وعلى معاناة مدنيين لم يجدوا الأمان حتى خلال محاولاتهم وداع أحبائهم.