العروبة – خاص
تسعى المختصة في المسرح ودمى الأطفال هبة مفضي إلى تعزيز استخدام مسرح الدمى في التعليم والأنشطة الثقافية الموجهة للأطفال في سوريا، من خلال نشر أساليب التحريك الاحترافي وتطوير برامج تفاعلية تساعد على تنمية الخيال والتفكير والحوار والتعبير عن الذات، مستندة إلى خبرة تربوية وفنية تشمل أكثر من أحد عشر عاماً من العمل مع الأطفال واليافعين، ومشاركتها في ثلاثة مواسم من برنامج «شارع سمسم» بنسخته العربية.
وأكدت مفضي في حديثها لـ«العروبة» أن مسرح الدمى لا يقتصر على تقديم عروض ترفيهية، بل يمكن توظيفه أداة تعليمية وتربوية تتيح للأطفال المشاركة في الحوار وطرح الأسئلة والتعبير عن أفكارهم، مشيرة إلى أن الاستفادة من إمكاناته تتطلب إعداداً فنياً وتربوياً وتدريباً متخصصاً.
وأوضحت أن تطوير هذا المجال في سوريا يرتبط بتعزيز الوعي بأهميته لدى المؤسسات التعليمية والثقافية، وإتاحة فرص التدريب للمعلمين والفنانين والعاملين مع الأطفال، بما يساعد على الانتقال من الاستخدام العفوي للدمى إلى توظيفها بصورة مدروسة في الأنشطة التعليمية والتربوية.
من العمل التربوي إلى فن تحريك الدمى
تحدثت مفضي عن بدايات اهتمامها بفن تحريك الدمى، موضحة أن تجربتها انطلقت من قناعتها بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعلومات إلى الطفل، وإنما يقوم أيضاً على بناء علاقة تفاعلية معه، وإثارة فضوله وتشجيعه على التفكير والاكتشاف.
وأشارت إلى أن هذه القناعة دفعتها إلى الاهتمام بالوسائل التعليمية التي تجمع بين المعرفة والمتعة، وتمنح الأطفال دوراً فاعلاً في العملية التعليمية، بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومات.
وبيّنت أن فن تحريك الدمى يجمع بين جوانب تربوية ونفسية وفنية، ويتيح تقديم الأفكار والمواقف بصورة تساعد الطفل على التفاعل معها وفهمها والتعبير عن رأيه بشأنها.
وأكدت أن الدمية يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتواصل مع الأطفال، وفتح النقاش حول موضوعات مختلفة، بما يشجعهم على المشاركة والتعبير عن أفكارهم دون الاكتفاء بدور المتلقي.
وأضافت أن اهتمامها بهذا المجال تطور إلى مسار مهني تسعى من خلاله إلى الجمع بين الخبرة التربوية والتخصص الفني، وتقديم تجارب تستند إلى فهم احتياجات الأطفال ومراحل نموهم.
أحد عشر عاماً من العمل مع الأطفال واليافعين
استعرضت مفضي تجربتها التعليمية والثقافية التي استمرت أكثر من أحد عشر عاماً، موضحة أنها عملت خلالها على تطوير أنشطة تفاعلية تجمع بين المعرفة والفن واللعب الهادف.
وأشارت إلى أن هذه الأنشطة شملت القراءة والحكاية والموسيقى والمسرح والألعاب الفكرية، بهدف تنمية القدرات العقلية والإبداعية والاجتماعية لدى الأطفال واليافعين.
وبيّنت أن تنوع الأنشطة يتيح التعامل مع اهتمامات الأطفال واحتياجاتهم بطرائق مختلفة، ويساعد على تعزيز مشاركتهم في التجربة التعليمية.
وأكدت أن الهدف من هذه البرامج لا يقتصر على تقديم المعلومات، بل يشمل تشجيع الأطفال على طرح الأسئلة والتجريب والتفكير في الحلول، بما يعزز قدرتهم على التعلم بصورة تفاعلية.
ولفتت إلى أن إشراك الطفل في النشاط يمنحه فرصة للتعبير عن أفكاره ومناقشة الآخرين، ويساعده على تطوير مهارات التواصل والتعاون.
الدمية وسيلة للحوار والتفكير
أوضحت مفضي أن الدمية تحتل مكانة أساسية في تجربتها التربوية، لأنها تتيح تقديم مواقف وأسئلة يمكن للأطفال التفاعل معها بصورة مباشرة.
وبيّنت أن الدمية قد تطرح مشكلة تحتاج إلى حل، أو تختلف مع الطفل في الرأي، ما يدفعه إلى التفكير وتقديم الاقتراحات والدفاع عن وجهة نظره.
وأشارت إلى أن هذا النوع من التفاعل يساعد على تنمية التفكير الناقد، وتشجيع الأطفال على الاستماع إلى الآراء المختلفة واحترامها، إلى جانب تعزيز قدرتهم على الحوار والتواصل.
وأضافت أن الطفل يصبح أكثر مشاركة عندما يشعر بأن أفكاره مسموعة، وأن بإمكانه التأثير في مسار النشاط من خلال أسئلته وملاحظاته.
وأكدت أهمية التعامل مع الطفل بوصفه شريكاً في العملية التعليمية، يمتلك القدرة على التفكير والتجريب والاكتشاف، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات أو التعليمات.
كما شددت على ضرورة تشجيع الأطفال على المحاولة وعدم الخوف من الخطأ، باعتباره فرصة للتعلم واكتساب الخبرة، لا سبباً للتوقف عن المشاركة.
التعلم والمتعة في تجربة واحدة
أكدت مفضي أن المتعة والضحك يشكلان جزءاً مهماً من الأنشطة التربوية الموجهة للأطفال، لكنهما لا يمثلان الهدف الوحيد منها.
وأوضحت أن النشاط الناجح يجمع بين التفاعل الممتع والمضمون التعليمي المدروس، بحيث يستمتع الطفل بالمشاركة ويكتسب في الوقت نفسه مهارات أو معارف جديدة.
وأشارت إلى أن أكثر ما يمنحها الرضا خلال عملها هو مشاهدة الأطفال وهم يشاركون بحماسة، ويطرحون الأسئلة ويعبرون عن أفكارهم ويستخدمون خيالهم في التعامل مع المواقف المختلفة.
وبيّنت أن توظيف الدمى في الأنشطة التعليمية يساعد على خلق بيئة تفاعلية، ويمنح الأطفال فرصاً للتعبير والمشاركة بصورة تتناسب مع اهتماماتهم.
وشددت على أن الأطفال يستحقون محتوى فنياً وثقافياً مدروساً، يتجاوز الأنشطة العابرة التي تقتصر على إشغال أوقاتهم، ويركز على تنمية قدراتهم ومهاراتهم.
تحريك الدمى فن يحتاج إلى التخصص
تناولت مفضي الصورة النمطية المرتبطة بمسرح الدمى، موضحة أن أحد أبرز التحديات يتمثل في النظر إليه بوصفه نشاطاً بسيطاً للترفيه والتسلية، دون إدراك المهارات الفنية والمعرفية اللازمة لممارسته بصورة احترافية.
وأشارت إلى أن بساطة شكل الدمية لا تعكس بالضرورة مستوى التعقيد في الأداء الذي يقف خلفها، إذ يتطلب تحويلها إلى شخصية مقنعة معرفة بأساليب الحركة والصوت والتعبير وبناء الشخصية.
وبيّنت أن التحريك الاحترافي يختلف عن الحركة العفوية، لأنه يعتمد على التحكم الدقيق في حركة الدمية وإيقاعها، والتنسيق بين الإيماءات والأداء الصوتي، بما يمنح الشخصية حضوراً واضحاً أمام الجمهور.
وأضافت أن هذا الفن يتطلب أيضاً مهارات في التمثيل والارتجال والسرد، إلى جانب فهم طبيعة الجمهور المستهدف، ولا سيما الأطفال واحتياجاتهم النمائية والتربوية.
وأكدت أن امتلاك الدمية أو القدرة على تحريكها بصورة بسيطة لا يكفيان للوصول إلى الاحتراف، لأن الأداء الفني المؤثر يحتاج إلى أدوات معرفية ومهارات تتطور بالتدريب والممارسة.
من التدريب الأساسي إلى بناء الشخصية
أوضحت مفضي أن تعلم تحريك الدمى بصورة احترافية يتطلب الجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي المتدرج.
وأشارت إلى أن التدريب يبدأ بتعلم التحكم في حركة الدمية، ثم تطوير التعبير وتنسيق الحركة مع الصوت، وصولاً إلى بناء الشخصيات والمشاهد والتفاعل مع الجمهور.
وبيّنت أن هذه المراحل تحتاج إلى تكرار التمارين ومراجعة الأداء والاستفادة من الملاحظات، بهدف تحسين المهارات والوصول إلى مستوى أكثر دقة وإقناعاً.
وأضافت أن بناء شخصية الدمية لا يعتمد على الحركة وحدها، وإنما يتطلب تحديد أسلوبها في التعبير والتفاعل، والمحافظة على التناسق بين صوتها وحركاتها وطبيعة الدور الذي تؤديه.
وأكدت أن الممارسة المستمرة تمثل عاملاً أساسياً في تطوير الأداء، وأن التدريب المتخصص يساعد على تجاوز الأخطاء التي قد لا ينتبه إليها المبتدئون.
كما أشارت إلى أهمية فهم الجوانب التربوية والنفسية المرتبطة بالأطفال، لضمان توظيف الدمى بطريقة تتناسب مع احتياجاتهم وتحقق الأهداف التعليمية المرجوة.
تحديات نشر ثقافة مسرح الدمى في سوريا
لفتت مفضي إلى أن نشر ثقافة تحريك الدمى الاحترافي يواجه تحديات عدة، أبرزها محدودية الوعي بطبيعته بوصفه تخصصاً فنياً، واستمرار ربطه بالأنشطة الترفيهية فقط.
وأوضحت أن بعض البيئات التعليمية اعتادت أساليب تقليدية في التعامل مع الأطفال، ما يجعل إدخال وسائل تفاعلية حديثة بحاجة إلى مزيد من التعريف والتدريب وتقديم النماذج التطبيقية.
وأشارت إلى أن المؤسسات التعليمية والثقافية يمكن أن تتعرف بصورة أفضل إلى إمكانات هذا الفن من خلال تجارب عملية توضح دوره في تنمية القراءة والخيال والتفكير والحوار.
وأكدت أهمية إدراج تحريك الدمى ضمن برامج التدريب والتأهيل الموجهة إلى المعلمين والتربويين والفنانين، بما يساعدهم على اكتساب المهارات اللازمة لاستخدامه بصورة مدروسة.
كما شددت على ضرورة التمييز بين الاستخدام العفوي للدمية وتوظيفها الاحترافي، لأن تحقيق الأهداف التربوية يتطلب معرفة بكيفية بناء الشخصية وإدارة الحوار والتفاعل مع الأطفال.
ثلاثة مواسم في «شارع سمسم»
تحدثت مفضي عن تجربتها المهنية في برنامج الأطفال العالمي «شارع سمسم» بنسخته العربية، الذي عُرض على قناة «MBC3»، موضحة أنها عملت محركةً للدمى خلال ثلاثة مواسم.
وأشارت إلى أن وصولها إلى هذه التجربة جاء بعد مراحل من تجارب الأداء والتدريبات والاختبارات، قبل اختيارها للمشاركة في العمل.
ووصفت تجربتها بأنها جمعت بين التحدي والتعب والمتعة، وأتاحت لها التعرف إلى أساليب احترافية في تحريك الدمى والعمل ضمن إنتاج متخصص موجه للأطفال.
وبيّنت أن هذه المشاركة شكلت فرصة مهمة لتطوير مهاراتها الفنية والتعرف بصورة عملية إلى متطلبات الأداء الاحترافي، ولا سيما أنها واجهت سابقاً صعوبة في تعلم هذا الفن نتيجة محدودية عدد المدربين المتخصصين فيه على مستوى الوطن العربي.
وأكدت أن التجربة منحتها خبرة عملية وتدريبية أسهمت في تطوير رؤيتها لطبيعة العمل بالدمى، وأهمية الجمع بين المهارة الفنية وفهم احتياجات الجمهور المستهدف.
العودة إلى سوريا ونقل الخبرات
أوضحت مفضي أنها عادت إلى سوريا قبل أربع سنوات، حاملة خبرة عملية وتدريبية وشهادة في مجال تحريك الدمى، اكتسبتها خلال مسيرتها المهنية، ولا سيما تجربتها في برنامج «شارع سمسم».
وأشارت إلى أنها سعت منذ عودتها إلى نقل المعارف والمهارات التي اكتسبتها إلى المهتمين بهذا الفن، والعمل على تعزيز استخدامه في المجالات التعليمية والثقافية والتربوية.
وبيّنت أن اهتمامها يشمل أيضاً توظيف مسرح الدمى في الدعم النفسي، من خلال الاستفادة من إمكاناته في الحوار والتعبير والتفاعل مع الأطفال.
وأضافت أنها تعمل على توسيع التعاون مع المدارس ورياض الأطفال والمراكز الثقافية والتربوية، بهدف التعريف بأساليب تحريك الدمى وتطوير استخدامها في الأنشطة الموجهة للأطفال.
وأكدت أن نقل الخبرة لا يقتصر على تعليم الحركة والأداء، وإنما يشمل توضيح الأسس التربوية والفنية التي ينبغي مراعاتها عند تصميم الأنشطة وبناء الشخصيات والتفاعل مع الأطفال.
تأهيل المعلمين والعاملين مع الأطفال
شددت مفضي على أهمية تطوير برامج تدريبية تستهدف المعلمين والعاملين في رياض الأطفال والمراكز الثقافية والتربوية، بما يساعد على توسيع استخدام مسرح الدمى في العملية التعليمية.
وأوضحت أن هذه البرامج يمكن أن تتناول أساسيات التحريك والأداء الصوتي وبناء الشخصية، إلى جانب أساليب الحوار والتفاعل مع الأطفال وتوظيف الدمى في تقديم الأفكار والأنشطة.
وأشارت إلى أن التدريب يساعد العاملين مع الأطفال على الانتقال من الاستخدام البسيط للدمى إلى توظيفها وفق أهداف تعليمية وتربوية محددة.
وبيّنت أن تقديم نماذج تطبيقية ناجحة يسهم في تعزيز ثقة المؤسسات بهذا الفن، ويوضح إمكاناته في دعم القراءة وتنمية الخيال وتشجيع التفكير والتواصل.
كما أكدت أن تطوير هذا المجال يحتاج إلى اهتمام متواصل بالتأهيل والممارسة، بما يتيح بناء خبرات محلية قادرة على تقديم أنشطة وعروض احترافية تناسب الأطفال.
مسرح الدمى والدعم النفسي والتعبير
أكدت مفضي أن إمكانات مسرح الدمى لا تقتصر على التعليم والثقافة، بل تمتد إلى استخدامه في أنشطة الدعم النفسي الموجهة للأطفال.
وأوضحت أن الدمية يمكن أن تساعد على فتح الحوار ومنح الطفل مساحة للتعبير عن أفكاره ومشاعره، من خلال مواقف تفاعلية تشجعه على المشاركة.
وأشارت إلى أن توظيف هذا الفن يتطلب فهماً لاحتياجات الأطفال ومراعاة الجوانب التربوية والنفسية المرتبطة بمراحل نموهم.
وبيّنت أن بناء بيئة تفاعلية تسمح للطفل بالسؤال والتعبير والتجريب يمثل جزءاً أساسياً من فلسفتها في العمل، سواء في الأنشطة التعليمية أو الثقافية.
وأكدت أن الهدف هو منح الأطفال فرصاً أوسع لاكتشاف قدراتهم والتواصل مع الآخرين، من خلال وسائل فنية تناسب أعمارهم واهتماماتهم.
نحو حضور أوسع لمسرح الدمى
أعربت مفضي عن طموحها إلى ترسيخ ثقافة تحريك الدمى الاحترافي في سوريا، وتوسيع حضور هذا الفن داخل المؤسسات التعليمية والثقافية.
وأوضحت أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعزيز الوعي بقيمته التربوية، وتطوير برامج تدريبية متخصصة، وتشجيع التعاون بين الفنانين والمعلمين والعاملين مع الأطفال.
وأكدت أن نشر ثقافة مسرح الدمى لا يعني الاكتفاء بتعليم كيفية تحريك الشخصيات، وإنما يتضمن تطوير القدرة على توظيفها في طرح الأسئلة وتنمية التفكير وتحفيز الخيال وتشجيع الحوار.
كما شددت على أهمية تقديم محتوى فني وثقافي يراعي احتياجات الأطفال، ويمنحهم دوراً فاعلاً في الأنشطة بدلاً من الاقتصار على المشاهدة والتلقي.
وتعكس تجربة مفضي الممتدة لأكثر من أحد عشر عاماً، إلى جانب خبرتها في «شارع سمسم»، توجهاً نحو الاستفادة من الفنون التفاعلية في تطوير أساليب العمل مع الأطفال في سوريا.
وتبرز أهمية هذه التجربة في الدعوة إلى التعامل مع مسرح الدمى بوصفه مجالاً فنياً وتربوياً متخصصاً، يمكن أن يسهم في تنمية مهارات التفكير والتواصل والتعبير، شريطة توفير التدريب المناسب وتطوير محتوى مدروس يستجيب لاحتياجات الأطفال ويعزز مشاركتهم في العملية التعليمية.