العروبة – خاص
برز حسين محمد الحسين، المعروف بـ«أبو محمد»، أحد المنشدين الذين قادوا المظاهرات السلمية في مدينة حمص خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية عام 2011، واشتهر بلقبي «عندليب الوعر» و«عندليب العدية»، بعدما ارتبط صوته بالهتافات والأناشيد التي رددها المتظاهرون في حي الوعر وأحياء أخرى من المدينة، وشارك في فعاليات ثورية إلى جانب المنشد عبد الباسط الساروت.
وانتقل الحسين لاحقاً إلى العمل المسلح مع تصاعد المواجهات في حمص، قبل أن يستشهد في السادس من شباط 2012، إثر تعرضه لإطلاق نار من إحدى المدرعات في حي الوعر القديم، عن عمر لم يتجاوز التاسعة عشرة عاماً.
وفي شهادتين خاصتين لـ«العروبة»، يستعيد شقيقه عبدالوارث الحسين والناشط الإعلامي فيصل أبو عزام محطات من حياته، بدءاً من مشاركته في المظاهرات وقيادة الهتافات، مروراً بالملاحقة الأمنية وعلاقته بناشطي حمص، وصولاً إلى ظروف استشهاده والأثر الذي تركه بين عائلته ورفاقه.
من حي الوعر إلى مظاهرات الثورة
وُلد حسين محمد الحسين عام 1993 في حي الوعر بمدينة حمص، وينحدر من قبيلة العكيدات، وعُرف في محيطه الاجتماعي بمساعدة الآخرين والتواضع والمبادرة إلى الوقوف إلى جانب المحتاجين.
وأوضح شقيقه عبدالوارث الحسين، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن حسين اتصف منذ صغره بالنخوة والفزعة، وكان حريصاً على مساعدة من حوله، وهي صفات انعكست لاحقاً على مواقفه ومشاركته في الأحداث التي شهدتها المدينة.
ومع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، انضم حسين إلى المظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة، ولم تقتصر مشاركته على حي الوعر، بل امتدت إلى فعاليات التضامن مع المدن السورية التي تعرضت للقمع، وفي مقدمتها درعا.
وأشار عبدالوارث إلى أن شقيقه كان يحث الشباب على المشاركة في المظاهرات، انطلاقاً من قناعته بأن ما يتعرض له أبناء درعا قضية تعني السوريين جميعاً.
ومن الهتافات التي ارتبطت بمشاركته في تلك المرحلة «يا درعا نحن معاكي للموت»، تعبيراً عن التضامن مع المدينة وأهلها.
ومع اتساع الحراك الشعبي في حمص، أصبح حسين من الوجوه المعروفة في المظاهرات، ولا سيما في الوعر القديم، حيث كان يتقدم المشاركين حاملاً مكبر الصوت، ويقود الهتافات والأناشيد التي يرددها المتظاهرون خلفه.
«عندليب الوعر».. لقب من أبناء الحي
اكتسب حسين لقب «عندليب الوعر» من أبناء الحي الذين اعتادوا سماع صوته في المظاهرات، بعدما اشتهر بقدرته على قيادة الهتافات وتأليف الشعارات والأغاني الثورية.
وبحسب رواية عائلته، كان يمزج بين الهتاف والإنشاد، ويختار الكلمات التي تعبر عن مطالب المتظاهرين ومشاعرهم، ما جعل صوته جزءاً من المظاهرات التي شهدها الحي.
وارتبط اسمه بشعارات من بينها «الموت ولا المذلة» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، إلى جانب أناشيد تناولت الحرية والشهداء والتضامن مع المدن السورية.
ومن الأناشيد التي عُرف بأدائها «جنة يا وطنا» و«حلم الشهادة» و«سكابا» و«جاي تدمر شبابي»، التي بقيت حاضرة في ذاكرة أصدقائه ورفاقه.
ويستذكر أفراد عائلته أنه كان يعيد الحماس إلى المتظاهرين عندما يتراجع تفاعلهم نتيجة التعب خلال المسيرات الطويلة، فيبدأ بالإنشاد مجدداً حتى ترتفع أصوات المشاركين خلفه.
وامتد نشاطه إلى أحياء الخالدية وبابا عمرو وحمص القديمة، حيث شارك في مظاهرات وفعاليات متعددة، ليُعرف أيضاً بلقب «عندليب العدية»، في إشارة إلى اتساع حضوره خارج الحي الذي نشأ فيه.
رفيق عبد الباسط الساروت في مظاهرات حمص
جمعت حسين الحسين بالمنشد عبد الباسط الساروت مشاركات متعددة في المظاهرات والاعتصامات التي شهدتها حمص خلال عام 2011، إذ كان الاثنان من الأصوات المعروفة في قيادة الهتافات والأناشيد الثورية.
وشارك حسين في فعاليات عدة، من بينها «جمعة أسرى الحرية» و«ثلاثاء الوفاء لنجاتي طيارة» في حي الخالدية، إلى جانب مظاهرات واعتصامات شهدتها أحياء أخرى من المدينة.
وخلال الاعتصام الكبير الذي شهده حي الخالدية أواخر عام 2011، أنشد إلى جانب الساروت عدداً من الأناشيد، بينها «حلمي الشهادة يابا» و«الله أكبر يا عرب نادت الشام».
وأكد الناشط الإعلامي فيصل أبو عزام، في شهادة خاصة لـ«العروبة»، أن حسين كان من أوائل المنشدين الذين رافقوا الساروت في المظاهرات، وشارك معه في محطات متعددة من الحراك الشعبي منذ بدايات الثورة.
وأوضح أبو عزام أن نشاط حسين شمل أحياء بابا عمرو وحمص القديمة والوعر، ولم يقتصر على الإنشاد، بل امتد إلى المشاركة في فعاليات ميدانية وتشييع عدد من ضحايا المظاهرات الأولى.
وأشار إلى أن الأناشيد والهتافات كانت حاضرة في مراسم التشييع، حيث عبّر المشاركون من خلالها عن حزنهم على الضحايا ومواقفهم من الأحداث التي شهدتها المدينة.
الملاحقة الأمنية وتواصل النشاط الثوري
مع اتساع مشاركة حسين في المظاهرات وازدياد ظهوره في الفعاليات الشعبية، تعرض للملاحقة والتهديد من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام البائد، وفق ما أكده شقيقه عبدالوارث.
وأوضح أن حسين بات يقضي معظم وقته خارج المنزل، متنقلاً بين المظاهرات والاجتماعات والأنشطة التي شارك في تنظيمها مع ناشطين من أحياء الوعر وبابا عمرو والخالدية والبياضة.
وأشار إلى أن العائلة حاولت إقناعه بتخفيف نشاطه خشية تعرضه للاعتقال أو القتل، بعدما أصبح اسمه معروفاً لدى الأجهزة الأمنية، لكنه واصل المشاركة في المظاهرات.
وبحسب رواية شقيقه، اضطر حسين أحياناً إلى تغيير مكان نومه والتنقل بحذر بين الأحياء، في محاولة لتجنب الملاحقة الأمنية.
ورغم هذه الظروف، استمر في قيادة الهتافات والمشاركة في الفعاليات الشعبية، انطلاقاً من قناعته بأهمية مواصلة المطالبة بالحرية والكرامة.
ومع تصاعد العمليات العسكرية في حمص واتساع المواجهات، انتقل حسين إلى العمل المسلح وانضم إلى الجيش السوري الحر، وشارك في المواجهات التي شهدها حي الوعر ضد قوات النظام البائد.
الأيام الأخيرة قبل الاستشهاد
استعاد عبدالوارث الحسين جانباً من الأيام الأخيرة في حياة شقيقه، موضحاً أنه كان يتحدث باستمرار عن الشهداء والأحداث التي تشهدها حمص، ويؤكد أهمية الوقوف إلى جانب المناطق التي تعرضت للقصف والحصار.
وأشار إلى أن حسين كان يستذكر معاناة أهالي درعا وبابا عمرو وحمص القديمة، ويتحدث أحياناً عن الشهادة واستعداده لمواجهة المخاطر التي تحيط به.
ومن المشاهد التي بقيت في ذاكرة العائلة تسجيل مصور شارك فيه حسين قبل استشهاده بأيام، ظهر خلاله مستلقياً بين رفاقه الذين كانوا ينشدون له «يا يما جيتك شهيد».
وأوضح عبدالوارث أن هذا التسجيل أصبح من الذكريات المرتبطة بأيام شقيقه الأخيرة، ولا سيما أن الإنشاد ظل حاضراً في حياته حتى مع تصاعد المواجهات العسكرية.
السادس من شباط 2012.. استشهاده في الوعر القديم
استشهد حسين محمد الحسين في السادس من شباط 2012، خلال المواجهات التي شهدها حي الوعر القديم بمدينة حمص، بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي استهدف أحياء المدينة، ولا سيما بابا عمرو.
وروى شقيقه عبدالوارث أن حسين استيقظ في الساعات الأولى من ذلك اليوم على أصوات القصف، وتحرك مع رفاقه في حي الوعر للمشاركة في التحركات الميدانية ونصرة المناطق التي تعرضت للهجوم.
وأضاف أن شقيقه خرج حاملاً سلاحاً خفيفاً، وسط انتشار للآليات العسكرية والحواجز التابعة لقوات النظام.
وخلال المواجهات، تعرض حسين لإطلاق نار من إحدى المدرعات في حي الوعر القديم، ما أدى إلى إصابته إصابة قاتلة.
ونقله رفاقه إلى مشفى البر، لكنه وصل إليه شهيداً، لتنتهي حياته وهو في التاسعة عشرة من عمره.
وأكد الناشط الإعلامي فيصل أبو عزام، في شهادته لـ«العروبة»، أن حسين خرج خلال الهجوم العسكري لنصرة أهالي الوعر وبابا عمرو، قبل أن تستهدفه إحدى المدرعات في أحد شوارع الوعر القديم.
وأشار أبو عزام إلى أن استشهاده جاء بعد مشاركته في محطات متعددة من الحراك الشعبي والمواجهات التي شهدتها حمص.
وقع الاستشهاد على العائلة وأهالي الوعر
وصف عبدالوارث الحسين وقع نبأ استشهاد شقيقه على العائلة بأنه كان صادماً، ولا سيما أن حسين كان من الوجوه المعروفة في الحي، واعتاد أفراد أسرته ورفاقه سماع صوته في المظاهرات.
وبحسب رواية العائلة، تجمع عدد كبير من الأهالي والأصدقاء للمشاركة في تشييعه، وردد المشيعون عدداً من الأناشيد والشعارات التي اشتهر بها خلال مشاركته في الحراك الشعبي.
ومن العبارات التي بقيت مرتبطة بذكراه «دمك يا حسين مانسيانينه»، والتي رددها رفاقه تعبيراً عن حزنهم على رحيله.
ولم يقتصر أثر استشهاده على أسرته، بل امتد إلى المشاركين في مظاهرات الوعر والأحياء الأخرى التي عرفته من خلال الإنشاد وقيادة الهتافات.
الساروت يرثي رفيق المظاهرات
بعد استشهاد حسين، رثاه عبد الباسط الساروت في إحدى مظاهرات حمص، مستعيداً مشاركتهما المشتركة في الحراك الشعبي خلال الأشهر الأولى من الثورة.
وكان حسين والساروت قد شاركا في مظاهرات واعتصامات ومراسم تشييع شهدتها أحياء مختلفة من المدينة، وأدّيا أناشيد أصبحت معروفة بين المتظاهرين.
وشكّل استشهاد حسين خسارة لرفاقه الذين اعتادوا مشاركته في قيادة الهتافات والفعاليات الشعبية، ولا سيما أولئك الذين رافقوه منذ انطلاق المظاهرات في الوعر.
وبقيت مشاركاته مع الساروت من أبرز المحطات التي يستعيدها أصدقاؤه والناشطون الذين عاصروا تلك المرحلة.
«عندليب الوعر» في ذاكرة حمص
بعد مرور أكثر من أربعة عشر عاماً على استشهاده، لا تزال سيرة حسين محمد الحسين حاضرة في شهادات عائلته ورفاقه، الذين يستعيدون مشاركته في المظاهرات والأناشيد التي اشتهر بأدائها.
وتوثق شهادة شقيقه عبدالوارث جوانب من شخصيته وحياته الاجتماعية، إلى جانب نشاطه الثوري وظروف استشهاده، فيما تسلط شهادة الناشط الإعلامي فيصل أبو عزام الضوء على حضوره في مظاهرات حمص وعلاقته بعبد الباسط الساروت.
وتجمع الشهادتان على أن حسين كان من الأصوات التي رافقت بدايات الثورة السورية في حمص، قبل انتقاله إلى العمل المسلح مع تصاعد المواجهات، واستشهاده في حي الوعر القديم في السادس من شباط 2012.
وتبقى قصته جزءاً من ذاكرة الحراك الشعبي في المدينة، بما تحمله من تفاصيل عن دور الأناشيد والهتافات في المظاهرات الأولى، وعن شاب ارتبط اسمه بحي الوعر وأحياء حمص الأخرى، وظل معروفاً بين رفاقه بلقب «عندليب الوعر».