التأنيب المستمر يضعف ثقة الطفل بنفسه.. اختصاصي يوضح أسس التربية المتوازنة

العروبة – خاص

يؤثر أسلوب تعامل الوالدين مع الطفل في تشكيل ثقته بنفسه وطريقة تعبيره عن مشاعره وتعامله مع الأخطاء، إذ قد يؤدي تكرار التوبيخ وغياب التشجيع والتقدير إلى شعوره بعدم الكفاءة والخوف من التجارب الجديدة، بينما يسهم التوازن بين التوجيه والدعم العاطفي في تعزيز شعوره بالأمان وتنمية قدرته على تحمل المسؤولية.

 

وأوضح الباحث والاختصاصي في الصحة النفسية والدعم الاجتماعي براء الجمعة، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن الطفل يبدأ بتكوين صورته عن نفسه من خلال طريقة تعامل والديه معه، مشيراً إلى أن النقد المتكرر الذي يستهدف شخصيته، بدلاً من تصحيح سلوكه، قد ينعكس سلباً على ثقته بنفسه وعلاقته بأسرته.

 

التوبيخ المستمر وتأثيره في شخصية الطفل

 

أكد الجمعة أن الطفل يستمد جانباً مهماً من نظرته إلى ذاته من الصورة التي يراها في عيون والديه، ومن الكلمات والمواقف التي يتعرض لها خلال حياته اليومية.

 

وأوضح أن تكرار التأنيب في مقابل غياب التقدير قد يدفع الطفل إلى الشك في قيمته وقدراته، ويجعله ينظر إلى الخطأ باعتباره دليلاً على أنه شخص سيئ، بدلاً من إدراكه بوصفه تصرفاً يمكن تصحيحه والتعلم منه.

 

وأشار إلى أن آثار هذا الأسلوب قد تظهر بأشكال مختلفة، منها التردد والخوف من خوض التجارب الجديدة، أو العناد والتمرد، أو محاولة إخفاء الأخطاء تجنباً للتوبيخ والعقاب.

 

كما قد يتجنب الطفل الحديث مع والديه عن مشكلاته ومشاعره، خشية ردود أفعالهما، الأمر الذي يضعف الحوار الأسري ويحد من قدرته على طلب المساعدة عند الحاجة.

 

وبيّن الجمعة أن التأنيب العابر لا يؤدي بالضرورة إلى آثار نفسية دائمة، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول النقد والتوبيخ إلى نمط متكرر في التعامل، ويصبح أكثر حضوراً من التشجيع والتقدير.

 

ولفت إلى أن استمرار هذا الأسلوب قد يترك آثاراً تراكمية في شخصية الطفل، وفي طبيعة علاقته بوالديه ومحيطه الاجتماعي.

 

التربية المتوازنة بين المحبة والحزم

 

شدد الجمعة على أهمية الجمع بين الدفء العاطفي والحزم في وضع القواعد التربوية، بما يساعد الطفل على الشعور بالأمان وفهم حدود السلوك المقبول.

 

وأوضح أن التربية لا تعني التساهل مع الأخطاء أو تجاهل السلوكيات غير المناسبة، وإنما تتطلب توجيه الطفل بطريقة تحافظ على احترامه لذاته وتساعده على التعلم من تجاربه.

 

وأكد ضرورة الفصل بين سلوك الطفل وشخصيته عند تصحيح الأخطاء، بحيث يتركز النقد على التصرف غير المقبول، دون إطلاق أوصاف سلبية على الطفل نفسه.

 

فبدلاً من وصف الطفل بأنه سيئ أو فاشل، يمكن توضيح أن التصرف الذي قام به غير مناسب، وشرح أسبابه وآثاره، ثم مساعدته على اختيار سلوك بديل.

 

وأشار إلى أهمية وضع قواعد واضحة تتناسب مع عمر الطفل وقدراته، وتطبيقها بهدوء وثبات، بعيداً عن الصراخ والمبالغة في العقاب.

 

كما دعا إلى اعتماد عواقب تربوية مناسبة تساعد الطفل على إدراك نتائج تصرفاته وتحمل المسؤولية، بدلاً من الاعتماد على التخويف أو التقليل من قيمته.

 

تقدير الجهد يعزز الثقة والدافعية

 

أوضح الجمعة أن تشجيع الطفل لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق النتائج الجيدة، بل يجب أن يشمل تقدير الجهد والمثابرة والمحاولة.

 

وأشار إلى أن الثناء على الجهد يساعد الطفل على الاستمرار في التعلم والتجربة، حتى عندما لا يحقق النتيجة التي يتطلع إليها.

 

وبيّن أن التركيز المستمر على الأخطاء والملاحظات السلبية قد يقلل من فاعلية التوجيه، ويجعل الطفل أقل تقبلاً للنصائح التي يقدمها والداه.

 

وأكد أهمية أن تتضمن الحياة اليومية عبارات تقدير صادقة للسلوكيات الإيجابية والإنجازات الصغيرة، بما يعزز شعور الطفل بأن جهوده موضع اهتمام.

 

ولفت إلى أن التشجيع لا يعني المبالغة في المدح أو تجاهل الأخطاء، وإنما الاعتراف بما يبذله الطفل من جهد، وتوجيهه نحو تحسين أدائه وسلوكه بصورة متوازنة.

 

الإصغاء والحوار لبناء الثقة الأسرية

 

وضع الجمعة الإصغاء إلى الطفل في مقدمة الأساليب التي تساعد على بناء علاقة صحية بين الآباء والأبناء، مؤكداً أهمية تخصيص وقت يومي للحديث معه بعيداً عن الهواتف والمشتتات.

 

وأوضح أن الاهتمام بما يقوله الطفل يمنحه شعوراً بأن أفكاره ومشاعره تحظى بالتقدير، ويشجعه على مشاركة والديه المواقف والمشكلات التي يواجهها.

 

وأشار إلى أن الحوار المنتظم يساعد على تعزيز الثقة المتبادلة، ويجعل الطفل أكثر استعداداً لطلب المشورة والمساعدة عندما يمر بموقف صعب.

 

كما شدد على أهمية استخدام الأسئلة المفتوحة التي تشجع الطفل على التعبير عن تجاربه ومشاعره، بدلاً من الاقتصار على الأسئلة التي تحمل طابع الاتهام أو المحاسبة.

 

وبيّن أن مشاركة الأطفال في اللعب والأنشطة اليومية، وإتاحة المجال لهم للتعبير عن آرائهم، يسهمان في تقوية العلاقة الأسرية وتعزيز التواصل.

 

وأكد ضرورة احترام خصوصية الأبناء مع تقدمهم في العمر، بما يتناسب مع احتياجاتهم ومراحل نموهم.

 

تقبّل المشاعر بدلاً من إنكارها

 

أشار الجمعة إلى أن مشاعر الخوف والغضب والغيرة تمثل جزءاً من التجربة النفسية للطفل، وتحتاج إلى التفهم والمساعدة على التعبير عنها بطريقة مناسبة.

 

وأوضح أن توبيخ الطفل بسبب مشاعره أو التقليل من أهميتها قد يدفعه إلى إخفائها، بدلاً من تعلم كيفية التعامل معها.

 

وأكد أهمية مساعدة الطفل على تسمية مشاعره وفهم أسبابها والتعبير عنها بالكلمات، بما يعزز قدرته على التعامل مع المواقف المختلفة بصورة أكثر إيجابية.

 

وبيّن أن تقبّل مشاعر الطفل لا يعني الموافقة على جميع تصرفاته، إذ يمكن للوالدين تفهم غضبه أو إحباطه، مع توضيح أن بعض السلوكيات الناتجة عن هذه المشاعر غير مقبولة.

 

ويتيح هذا الأسلوب للطفل التمييز بين المشاعر الطبيعية التي يمر بها والسلوكيات التي تحتاج إلى ضبط وتوجيه.

 

اعتذار الوالدين نموذج لتحمل المسؤولية

 

لفت الجمعة إلى أن اعتراف الوالدين بأخطائهما والاعتذار للطفل عند الضرورة يمثلان ممارسة تربوية مهمة في بناء الثقة والاحترام المتبادل.

 

وأوضح أن الاعتذار لا ينتقص من مكانة الوالدين أو دورهما التربوي، بل يقدم للطفل نموذجاً عملياً في الصدق وتحمل المسؤولية واحترام مشاعر الآخرين.

 

وأشار إلى أن الأطفال يتعلمون من سلوك والديهم بقدر ما يتعلمون من توجيهاتهما، ما يجعل طريقة التعامل مع الخلافات والأخطاء داخل الأسرة مؤثرة في تكوين سلوكهم.

 

كما يسهم الاعتراف بالخطأ وتصحيحه في تعزيز الحوار، وإظهار أن تحمل المسؤولية لا يقتصر على الأبناء، بل يشمل جميع أفراد الأسرة.

 

إصلاح العلاقة ممكن في مختلف الأعمار

 

أكد الجمعة أن معالجة الفجوة بين الآباء والأبناء ممكنة في مختلف المراحل العمرية، حتى عندما تكون العلاقة قد تأثرت لفترة طويلة بأساليب التواصل السلبية.

 

وأوضح أن تحسين العلاقة يحتاج إلى خطوات صادقة ومتدرجة، تقوم على تغيير طريقة التعامل والإصغاء وإعادة بناء الثقة.

 

وأشار إلى أن النتائج قد تحتاج إلى وقت وصبر واستمرار، ولا سيما إذا اعتاد الطفل أو المراهق على الخوف من ردود أفعال والديه أو تجنب الحديث معهما.

 

وبيّن أنه في حال استمرار الصعوبات وتأثيرها في العلاقة الأسرية، يمكن الاستعانة باختصاصي نفسي أو مرشد أسري، للمساعدة على فهم أسباب المشكلة وتحديد الأساليب المناسبة للتعامل معها.

 

التربية مسؤولية تتجاوز تصحيح الأخطاء

 

خلص الباحث والاختصاصي في الصحة النفسية والدعم الاجتماعي براء الجمعة إلى أن بناء علاقة صحية بين الآباء والأبناء لا يقوم على غياب التوجيه أو التساهل مع الأخطاء، بل على تحقيق التوازن بين المحبة والحزم، وتصحيح السلوك وتقدير الجهد.

 

وأكد أن الإصغاء إلى الطفل واحترام مشاعره، إلى جانب وضع قواعد واضحة وتقديم التشجيع المناسب، يساعد على تعزيز ثقته بنفسه وتنمية قدرته على تحمل المسؤولية.

 

وتبرز أهمية هذه الممارسات في السنوات الأولى من حياة الطفل، مع استمرار الحاجة إليها خلال مراحل نموه المختلفة، بما يجعل الأسرة بيئة توفر الأمان العاطفي والتوجيه التربوي في الوقت نفسه.

 

وتبقى طريقة تعامل الوالدين مع أخطاء أبنائهما وإنجازاتهم، والكلمات التي يستخدمانها في التوجيه والتشجيع، من العوامل المؤثرة في بناء علاقة أسرية قائمة على الثقة والحوار والاحترام المتبادل.

المزيد...
آخر الأخبار