المصروف المدرسي بين ضغوط المعيشة ومقارنات الطلاب.. من يدفع الثمن النفسي؟

العروبة – خاص

 

تواجه الأسر في حمص أعباء مالية متزايدة لتأمين المصروف المدرسي اليومي لأبنائها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الاحتياجات الدراسية، فيما يفرض تفاوت المبالغ التي يحصل عليها الطلاب تحديات نفسية وتربوية، قد تنعكس على ثقتهم بأنفسهم وعلاقاتهم بزملائهم، ولا سيما عندما تتحول المشتريات المدرسية إلى مجال للمقارنة أو التفاخر، ما يبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة في تعزيز ثقافة احترام الاختلافات وتعليم الأطفال إدارة المال بعيداً عن الضغوط الاجتماعية.

 

 

وبين محاولات الأهالي الموازنة بين احتياجات أبنائهم وإمكاناتهم المادية، ورغبة بعض الأطفال في شراء ما يشتريه زملاؤهم، تبرز أهمية التعامل مع المصروف المدرسي بوصفه فرصة لتعليم إدارة المال واحترام الاختلافات الاجتماعية، مع توفير بيئة مدرسية تمنع السخرية والتنمر المرتبطين بالوضع الاقتصادي للأسرة.

 

أسر تحاول الموازنة بين المصروف والاحتياجات الأساسية

 

قال فادي، وهو أب لأربعة أبناء، اثنان منهم في المرحلتين الأساسية والثانوية، في تصريح لـ«العروبة»، إن تأمين الاحتياجات المدرسية يتطلب تنظيماً مستمراً للإنفاق، ولا سيما مع تعدد المصاريف المرتبطة بالقرطاسية والكتب واللباس والمواصلات، إضافة إلى المصروف اليومي.

 

وأوضح أن الأسرة تحاول تخصيص مبلغ مناسب لكل طفل وفق احتياجاته وإمكاناتها المادية، مع الحرص على عدم تأثير النفقات المدرسية في متطلبات المنزل الأساسية.

 

وتعكس تجربة فادي جانباً من التحديات التي تواجه الأسر التي لديها أكثر من طفل في المدرسة، إذ يتكرر الإنفاق اليومي طوال أيام الدوام، إلى جانب النفقات الأخرى المرتبطة بالعام الدراسي.

 

أما أم هاني، فتحدثت عن تفضيل ابنها شراء المأكولات والمشروبات من المقصف المدرسي خلال الاستراحة، رغم حرصها على إعداد شطيرة منزلية له يومياً لتخفيف التكاليف.

 

وأشارت إلى أن إعداد الطعام في المنزل يساعد على الحد من المصروف، لكنه لا يلغي رغبة الطفل في شراء بعض المنتجات، ما يجعل توعيته بالتمييز بين الحاجات والرغبات أمراً ضرورياً.

 

50 ليرة يومياً لا تنهي طلبات الزيادة

 

أوضح لؤي، وهو موظف وأب لطفلين، أنه يخصص لكل واحد منهما 50 ليرة سورية جديدة يومياً، بما يتناسب مع دخله وإمكاناته المادية.

 

وأشار إلى أنه يواجه طلبات متكررة لزيادة المصروف، نتيجة مقارنة طفليه ما يحصلان عليه بالمبالغ التي يحملها زملاؤهما، في ظل اختلاف الظروف الاقتصادية بين الأسر.

 

وتكشف هذه التجربة جانباً من الضغوط التي قد تواجه الأهالي عندما ترتبط رغبات الأطفال بما يشتريه أقرانهم، بدلاً من ارتباطها باحتياجاتهم الفعلية.

 

وتتنوع أساليب الأسر في التعامل مع المصروف المدرسي، بين تخصيص مبلغ نقدي يومي، أو إعداد الطعام في المنزل، أو الجمع بين الخيارين وفق الإمكانات المتاحة.

 

المقصف المدرسي.. مشتريات بسيطة بتكاليف متراكمة

 

يمثل المقصف المدرسي، المعروف محلياً باسم «الندوة»، جزءاً من الحياة اليومية للطلاب، إذ يقصده بعضهم لشراء البسكويت والسكاكر والمأكولات الخفيفة خلال الاستراحة.

 

وفي المقابل، يكتفي طلاب آخرون بما يحضرونه من المنزل، أو يختارون مشتريات محدودة تتناسب مع المبلغ المتاح لديهم.

 

وأوضحت بائعة في أحد المقاصف المدرسية أن المنتجات المعروضة تشمل أصنافاً متنوعة بأسعار متفاوتة، تراعي بحسب تقديرها اختلاف المبالغ التي يحملها الطلاب.

 

ورغم أن قيمة المشتريات اليومية قد تبدو محدودة، فإن تكرارها على امتداد الشهر الدراسي يحولها إلى بند إضافي في ميزانية الأسرة، ولا سيما عند وجود أكثر من طفل في المدرسة.

 

وتبرز هنا أهمية توفير خيارات غذائية مناسبة بأسعار مقبولة، مع الاهتمام بجودة المنتجات وتنوعها، وتشجيع الطلاب على تناول الوجبات المنزلية وتنظيم إنفاقهم اليومي.

 

تفاوت المصروف وتأثيره في نفسية الطفل

 

أكدت الأخصائية التربوية رنا جبر، في تصريح لـ«العروبة»، أن المصروف المدرسي لا يقتصر تأثيره على الجانب المالي، بل قد يمتد إلى شعور الطفل بالانتماء إلى جماعة أقرانه وتقديره لذاته.

 

وأوضحت أن بعض الأطفال قد يتباهون بما يحملونه من مال أو بما يشترونه، بينما يشعر آخرون بالإحراج أو يحاولون تقليد زملائهم، خصوصاً عندما لا تسمح إمكانات أسرهم بشراء المنتجات نفسها.

 

وبيّنت أن المشكلة لا تكمن في محدودية المصروف بحد ذاتها، وإنما في شعور الطفل بأنه أقل من الآخرين بسبب الوضع المادي لأسرته، ولا سيما إذا تعرض للسخرية أو المقارنة.

 

وأشارت إلى أن هذه المشاعر قد تنعكس على ثقته بنفسه وتفاعله الاجتماعي وتركيزه داخل الصف، ما يستدعي الانتباه إلى الجوانب النفسية المرتبطة بالفروق المادية بين الطلاب.

 

وحذرت جبر من تحول المصروف المدرسي إلى وسيلة للتفاخر أو تقييم الآخرين، مؤكدة ضرورة ترسيخ قناعة الطفل بأن قيمته لا ترتبط بما يملكه، بل بأخلاقه وسلوكه وعلاقاته مع زملائه.

 

التنمر المرتبط بالمصروف.. مسؤولية المدرسة

 

شددت جبر على أهمية توفير بيئة مدرسية آمنة تحترم مشاعر الأطفال وكرامتهم، وتمنع السخرية والتنمر المرتبطين بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.

 

وأكدت ضرورة تعزيز ثقافة احترام الاختلافات بين الطلاب، وعدم السماح بتحويل القدرة على شراء المنتجات أو امتلاك المال إلى معيار للمكانة الاجتماعية داخل المدرسة.

 

ويمكن للأنشطة التوعوية والحوار داخل الصف أن يساهما في ترسيخ قيم الاحترام والتعاون، وتشجيع الطلاب على التعامل مع زملائهم بعيداً عن المقارنات المادية.

 

كما تبرز أهمية متابعة المواقف التي قد يتعرض فيها أحد الأطفال للإحراج بسبب محدودية مصروفه، والتعامل معها بطريقة تحافظ على كرامته وتمنع تكرارها.

 

المصروف فرصة لتعليم إدارة المال

 

رأت الأخصائية التربوية أن المصروف اليومي يمكن أن يتحول إلى وسيلة تربوية تساعد الطفل على اكتساب مهارات إدارة المال واتخاذ القرارات المناسبة بشأن الإنفاق.

 

وأوضحت أهمية تعليم الأبناء التمييز بين الحاجات الأساسية والرغبات، وتشجيعهم على الادخار والإنفاق المدروس، بدلاً من شراء المنتجات لمجرد تقليد الآخرين.

 

وأكدت ضرورة أن يجري هذا التوجيه بعيداً عن إشعار الطفل بالخجل من محدودية إمكانات أسرته، أو مقارنته بأطفال يحصلون على مبالغ أكبر.

 

ويساعد الحوار داخل الأسرة على توضيح أسباب تحديد المصروف، وتعزيز فهم الطفل لأولويات الإنفاق، مع الاستماع إلى رغباته ومناقشة احتياجاته بصورة تراعي عمره وظروفه.

 

الأسرة والمدرسة.. شراكة لحماية الأطفال من المقارنات

 

يتطلب التعامل مع تفاوت المصروف المدرسي تعاوناً بين الأسرة والمدرسة، بحيث لا تقتصر المعالجة على تحديد المبلغ اليومي، بل تشمل الجوانب النفسية والتربوية المرتبطة به.

 

وتقع على الأسرة مسؤولية تخصيص مصروف يتناسب مع إمكاناتها واحتياجات أبنائها، وشرح أسباب اختلافه عن مصروف الآخرين بطريقة لا تشعر الطفل بالحرمان أو الانتقاص من قيمته.

 

كما تبرز أهمية الاستماع إلى الطفل عند تعرضه لمواقف محرجة، ومساعدته على التعامل مع المقارنات دون الشعور بالدونية أو الحاجة المستمرة إلى مجاراة الآخرين.

 

أما المدرسة، فيمكنها الإسهام في الحد من هذه الظاهرة عبر تعزيز قيم الاحترام والتكافل، ومواجهة السخرية والتنمر، إلى جانب الاهتمام بأسعار المقصف المدرسي وتوفير خيارات غذائية مناسبة للطلاب.

 

بين العبء الاقتصادي والدور التربوي

 

يكشف المصروف المدرسي عن جانب من الضغوط اليومية التي تواجه الأسر، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات تتعلق بطريقة تعامل الأطفال مع الفروق الاقتصادية، ومدى تأثيرها في علاقاتهم وثقتهم بأنفسهم.

 

ومن هنا، تبرز أهمية ألا تتحول الفروق المادية إلى سبب للإحراج أو التفاخر أو التنمر، وأن يجري التعامل مع المصروف بوصفه فرصة لتعليم المسؤولية وتنظيم الإنفاق واحترام الآخرين.

 

وبين إمكانات الأهل واحتياجات الأبناء، تبقى المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة في حماية الأطفال من الضغوط النفسية المرتبطة بالمقارنات، وترسيخ قيم تؤكد أن مكانة الطالب بين زملائه لا يحددها مقدار ما يحمله من مال، بل سلوكه واحترامه للآخرين.

المزيد...
آخر الأخبار