من قطاف الرمان إلى مواقد الحطب.. حرفة موسمية تحافظ على حضورها في قرى حمص

العروبة – خاص

 

تحافظ صناعة دبس الرمان في قرى محافظة حمص على حضورها بوصفها إحدى الحرف الغذائية التقليدية المرتبطة بموسم قطاف الرمان، إذ تتطلب عملية إنتاج كيلوغرام واحد من الدبس نحو 10 كيلوغرامات من الثمار، وساعات طويلة من التحضير والغلي على الحطب قد تصل إلى 20 ساعة، فيما يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد نحو 1200 ليرة سورية جديدة.

 

وتواصل أسر في ريف حمص إعداد دبس الرمان وفق طرق توارثتها الأجيال، تبدأ بقطاف الثمار وتفريط حباتها واستخراج عصيرها، وتنتهي بغليه حتى الوصول إلى القوام المطلوب، مع الاستفادة من الأدوات الكهربائية الحديثة في بعض مراحل التحضير لتخفيف الجهد والوقت.

 

وتعكس هذه الصناعة جانباً من الموروث الغذائي المحلي، بما تحمله من خبرات منزلية وعادات موسمية ارتبطت بذاكرة القرى، وحافظت على استمراريتها رغم تطور أدوات العمل وتغير أساليب الإنتاج.

 

من قطاف الثمار إلى تفريط الحبات

 

أوضحت السيدة نايفة عتريني، في تصريح لـ«العروبة»، أن صناعة دبس الرمان تبدأ بقطاف الثمار وجمعها ونقلها إلى المنزل، تمهيداً لتجهيزها واستخراج العصير اللازم لعملية الطهي.

 

وبيّنت أن هذه الصناعة تحتاج إلى كميات كبيرة من الرمان، نظراً إلى انخفاض كمية المنتج النهائي مقارنة بوزن الثمار المستخدمة، ما يجعل وفرة المحصول عاملاً أساسياً في تحديد حجم الإنتاج.

 

وأشارت إلى أن تفريط الرمان، أي فصل الحبات عن القشور، يشكل إحدى المراحل الرئيسية في التحضير، وكان يتطلب سابقاً جهداً يدوياً كبيراً، ولا سيما عند التعامل مع كميات وفيرة من الثمار.

 

وأضافت أن الأسر اعتمدت في الماضي على تفريط الحبات يدوياً، والاستعانة بالأكياس والوسائل المتاحة، ما كان يجعل هذه المرحلة تستغرق وقتاً طويلاً قبل الانتقال إلى استخراج العصير.

 

الأدوات الكهربائية تخفف مشقة التحضير

 

لفتت عتريني إلى أن تطور الأدوات المستخدمة في صناعة دبس الرمان أسهم في تسهيل بعض مراحل العمل، بعد دخول الوسائل الكهربائية التي خففت الجهد المبذول مقارنة بالطرق اليدوية التقليدية.

 

وأوضحت أن هذه الأدوات ساعدت على التعامل مع كميات أكبر من الثمار بجهد أقل، مع استمرار الحاجة إلى العناية بعملية التحضير وتجهيز الرمان بصورة مناسبة قبل استخلاص العصير.

 

ورغم هذا التطور، بقيت المراحل الأساسية لصناعة الدبس مرتبطة بالطريقة التقليدية التي اعتادت الأسر اتباعها، ولا سيما عملية الطهي الطويلة التي تتطلب متابعة مستمرة وخبرة في تحديد القوام المناسب.

 

الغلي على الحطب يستغرق حتى 20 ساعة

 

أكدت عتريني أن مرحلة غلي عصير الرمان وتكثيفه تُعد الأطول والأكثر حاجة إلى الصبر والمتابعة، إذ يُطهى العصير على الحطب حتى يتبخر جزء كبير من الماء ويصل إلى القوام المعروف لدبس الرمان.

 

وأوضحت أن عملية الغلي تستغرق بين 15 و20 ساعة، تبعاً لكمية العصير وطريقة التحضير، وتتطلب متابعة مستمرة طوال فترة الطهي.

 

وأشارت إلى أن الوصول إلى القوام المطلوب لا يتحقق بمجرد غلي العصير لفترة قصيرة، بل يحتاج إلى وقت طويل وخبرة في متابعة مراحل التكثيف.

 

وتبرز هذه المرحلة حجم الجهد الذي تتطلبه الصناعة، إذ لا تنتهي عملية التحضير بجمع الثمار وتفريطها واستخراج العصير، وإنما تستمر ساعات طويلة أمام مواقد الحطب حتى يصبح الدبس جاهزاً.

 

10 كيلوغرامات من الرمان لإنتاج كيلو واحد

 

بيّنت عتريني أن إنتاج كيلوغرام واحد من دبس الرمان يحتاج إلى نحو 10 كيلوغرامات من الثمار، ما يوضح حجم الكميات المستخدمة مقارنة بالمنتج النهائي.

 

وأشارت إلى أن ارتفاع كمية الرمان المطلوبة، إلى جانب الوقت والجهد المبذولين في التحضير والطهي، ينعكس على تكلفة المنتج، إذ يصل سعر الكيلوغرام الواحد من دبس الرمان إلى نحو 1200 ليرة سورية جديدة.

 

وتوضح هذه الأرقام طبيعة الصناعة التي تعتمد على تركيز عصير كميات كبيرة من الثمار للحصول على كمية محدودة من الدبس، بعد ساعات متواصلة من الغلي والمتابعة.

 

كما تعكس العلاقة بين كمية المادة الأولية وحجم الإنتاج النهائي أحد الجوانب التي تحدد قيمة هذا المنتج التقليدي، إلى جانب الجهد الذي تتطلبه مراحل تصنيعه.

 

حرفة منزلية تتوارثها الأجيال

 

حافظت صناعة دبس الرمان على مكانتها ضمن العادات الغذائية الموسمية في قرى حمص، حيث ارتبط إعدادها بموسم القطاف واستثمار محصول الرمان في إنتاج مادة غذائية يمكن الاحتفاظ بها واستخدامها لاحقاً.

 

وتكشف مراحل التحضير عن خبرات منزلية انتقلت بين الأجيال، بدءاً من اختيار الثمار وتجهيزها، وصولاً إلى استخراج العصير ومتابعة عملية الغلي وتحديد القوام النهائي.

 

ومع دخول الأدوات الكهربائية إلى بعض مراحل العمل، استمرت الأسر في الاعتماد على المعرفة المتوارثة، ولا سيما في المراحل التي تحتاج إلى خبرة ومتابعة مباشرة.

 

وتحمل هذه الحرفة جانباً اجتماعياً أيضاً، لارتباطها بذكريات العمل المنزلي الجماعي، والعادات التي تتجدد مع مواسم القطاف في القرى.

 

منتج غذائي حاضر في المطبخ المحلي

 

يُستخدم دبس الرمان في إعداد أصناف متعددة من الأطعمة، لما يضيفه من نكهة حامضة ومركزة، وهو ما جعله من المنتجات التي اعتادت الأسر تحضيرها ضمن مؤونتها المنزلية.

 

ولا تقتصر أهميته على استخداماته الغذائية، بل تمتد إلى ارتباطه بالممارسات التقليدية التي حافظت على حضوره في البيوت.

 

وأشارت عتريني إلى وجود استخدامات شعبية لدبس الرمان بعد تجفيفه، ولا سيما في التعامل مع بعض مشكلات المعدة والالتهابات، وهي استعمالات متوارثة لا تعني ثبوت فعاليته علاجياً أو إمكانية اعتماده بديلاً عن الرعاية الطبية.

 

وتبقى قيمته الغذائية واستخداماته في الطهي من أبرز أسباب استمرار تحضيره والاحتفاظ به ضمن المنتجات المنزلية الموسمية.

 

موروث غذائي يجمع الخبرة والصبر

 

تجسد صناعة دبس الرمان في حمص نموذجاً لاستمرار الحرف الغذائية التقليدية، رغم التغيرات التي طرأت على أدوات التحضير وأساليب العمل.

 

فمن قطاف الثمار وتفريط حباتها إلى استخراج العصير وغليه على الحطب لساعات طويلة، تمر الصناعة بمراحل تتطلب وفرة المحصول والجهد والخبرة، قبل الحصول على المنتج النهائي.

 

وبين الأدوات الكهربائية التي خففت مشقة بعض المراحل، والطريقة التقليدية التي ما زالت حاضرة في عملية الطهي، تواصل هذه الحرفة ارتباطها بمواسم الرمان وذاكرة البيوت والقرى، بوصفها جزءاً من الموروث الغذائي والاجتماعي في محافظة حمص.

المزيد...
آخر الأخبار