العروبة – خاص
تواجه أسر في حمص ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الغذاء والتعليم والنقل والسكن والتدفئة، مقابل محدودية الدخل وعدم انتظام فرص العمل لدى بعض المعيلين، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتقليص مشترياتها وتأجيل احتياجات لم تعد مواردها المالية تسمح بتلبيتها جميعاً.
وتكشف شهادات مواطنين لـ«العروبة» عن صعوبات يومية في الموازنة بين متطلبات الأسرة وإمكاناتها، بدءاً من موظف يعيل أربعة أبناء ويتحمل نفقات دراستهم، مروراً بأم تدفع أجور نقل يومية لابنتيها الجامعيتين، وصولاً إلى عامل في مهنة العتالة يبحث عن فرصة عمل لتأمين الطعام وإيجار المنزل ومستلزمات طفليه المدرسية.
وتتجاوز الضغوط المعيشية ارتفاع أسعار المواد الغذائية وحدها، لتشمل التزامات متزامنة يصعب الاستغناء عنها، فيما أصبحت بعض الأسر تضطر إلى تقليص مشترياتها من اللحوم والفواكه والملابس، أو تأجيل تجهيز المؤونة المنزلية، لتوفير المبالغ اللازمة للاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
راتب موظف أمام احتياجات أربعة أبناء
يواجه منير، وهو موظف ورب أسرة يعيل أربعة أبناء، صعوبة في توزيع راتبه على النفقات المنزلية والدراسية، في ظل تعدد الالتزامات التي تشمل الطعام والشراب والكهرباء والتدفئة والتعليم.
وقال منير لـ«العروبة» إن مصاريف الأسرة أصبحت كثيرة ومتداخلة، ولم يعد تأمين الطعام وحده يمثل التحدي الأساسي، إذ يتابع اثنان من أبنائه دراستهما الجامعية، بينما يدرس الآخران في المرحلة الإعدادية ويحتاجان إلى بعض الدروس الخصوصية.
وأوضح أن كل بند من هذه الاحتياجات يتطلب مبلغاً مستقلاً، في وقت يبقى فيه الراتب محدوداً مهما حاولت الأسرة تنظيم إنفاقها.
وأضاف أن فواتير الكهرباء تشكل عبئاً إضافياً إلى جانب تكاليف الغذاء والتدفئة، ما يزيد صعوبة تأمين جميع المتطلبات ضمن الدخل المتاح.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في محاولة التوفيق بين احتياجات الأبناء الدراسية ومتطلبات المنزل، إذ لا يمكن الاستغناء عن الطعام أو إهمال التعليم أو تأجيل التدفئة إلى أجل غير محدد.
ولفت إلى أنه يضطر إلى تقديم النفقات الأكثر إلحاحاً وتأجيل بعض الاحتياجات الأخرى، عندما لا يكفي الراتب لتغطيتها جميعاً، في محاولة لتجاوز الشهر بأقل عجز ممكن.
600 ليرة يومياً لنقل طالبتين جامعيتين
تتحمل السيدة سمية أعباء إضافية لتأمين وصول ابنتيها إلى الجامعة، إذ تدفع 600 ليرة سورية جديدة يومياً أجور نقلهما من الريف إلى المدينة ذهاباً وإياباً.
وقالت سمية لـ«العروبة» إن أجور النقل تستحوذ على جزء مهم من ميزانية الأسرة، وتضاف إلى مصاريف الطعام والشراب والخضار وغيرها من الاحتياجات المنزلية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
وأوضحت أن انتظام ابنتيها في الدراسة الجامعية يتطلب توفير أجور النقل يومياً، بصرف النظر عن بقية الالتزامات المعيشية، ما يفرض على الأسرة حساب نفقاتها بدقة.
وأضافت أن تأمين المواد الغذائية أصبح يحتاج إلى تنظيم مستمر للمصروف، إذ تحاول شراء الخضار والمواد الأساسية وفق المبالغ المتاحة، بينما تراجعت قدرتها على شراء بعض الأصناف التي كانت حاضرة على مائدة الأسرة.
الغذاء بين الضرورة والقدرة على الشراء
تحدثت سمية عن تغير العادات الغذائية للأسرة نتيجة محدودية الدخل، مشيرة إلى أن شراء بعض المواد أصبح مرتبطاً بمدى توافر المال، حتى عندما تنخفض أسعارها نسبياً.
وقالت إنه عندما تقرر الأسرة شراء فروج خلال فترة انخفاض سعره، فإنها تكتفي بشراء بعض القطع، لعدم قدرتها على تحمل تكلفة فروج كامل.
وأوضحت أن اللحوم الحمراء تغيب عن مشتريات الأسرة في الفترات التي لا تسمح فيها الميزانية بشرائها، كما أصبحت بعض أنواع الفواكه الموسمية خارج قائمة المشتريات المعتادة.
وبيّنت أن الأسرة باتت تفكر في كل نفقة قبل تحملها، لأن أجور النقل تستمر يومياً، فيما لا تتوقف احتياجات الطعام والشراب والمواد المنزلية الأساسية.
وتعكس هذه الشهادة جانباً من التغيرات التي طرأت على أنماط الاستهلاك لدى الأسر محدودة الدخل، بعدما أصبحت المفاضلة بين الأصناف الغذائية مرتبطة بالقدرة الشرائية أكثر من ارتباطها بالرغبة في تنويع المائدة.
المؤونة المنزلية.. كميات أقل ونفقات مؤجلة
امتدت آثار ارتفاع تكاليف المعيشة إلى المؤونة المنزلية، التي اعتادت أسر كثيرة تجهيزها وتخزينها للاستفادة منها خلال الأشهر التالية.
وأشارت سمية إلى أن إعداد المؤونة أصبح يشكل تحدياً إضافياً، نظراً إلى الحاجة لشراء مكوناتها بكميات مناسبة، وما يتطلبه ذلك من مبالغ يصعب تأمينها دفعة واحدة.
وأوضحت أن الأسرة تضطر إلى تقليص الكميات التي تجهزها، أو تأجيل إعداد بعض الأصناف إلى حين توافر الإمكانات المالية.
وتبرز هذه التغيرات في ظل استمرار النفقات اليومية، التي تستحوذ على القسم الأكبر من الموارد المتاحة، وتحد من قدرة الأسر على تخصيص مبالغ إضافية للمشتريات الموسمية.
عامل عتالة بين فرص العمل المتقطعة وإيجار المنزل
يواجه عبد الرزاق، وهو عامل في مهنة العتالة وأب لطفلين في المرحلة المدرسية، صعوبة في تأمين دخل منتظم يغطي احتياجات أسرته، في ظل عدم توافر فرص العمل بصورة يومية.
وقال عبد الرزاق لـ«العروبة» إنه يبحث عن العمل يوماً بيوم، وقد يحصل على فرصة تؤمن له أجراً، بينما تمر أيام أخرى من دون أن يتمكن من العمل.
وأوضح أن عدم انتظام الدخل لا يقابله تراجع في الالتزامات، إذ يتعين عليه دفع إيجار المنزل وتأمين الطعام ومستلزمات طفليه المدرسية، بصرف النظر عن توافر العمل.
وأضاف أن مهنة العتالة تتطلب مجهوداً جسدياً كبيراً، نظراً إلى طبيعتها القائمة على حمل الأوزان والعمل المتواصل، ما يجعل قدرته على تأمين الدخل مرتبطة بتوافر الفرص واستطاعته أداء العمل.
وأشار إلى أن انتهاء يوم العمل لا يعني انتهاء القلق بشأن المصروف، إذ يضطر إلى توزيع ما يحصل عليه من أجر على الاحتياجات الحالية، مع الاحتفاظ بجزء منه للنفقات المقبلة، في ظل عدم ضمان توافر فرصة عمل في اليوم التالي.
دخل غير ثابت والتزامات مستمرة
بيّن عبد الرزاق أن تفاوت فرص العمل يجعل التخطيط للإنفاق أكثر صعوبة، لأن الأسرة لا تستطيع الاعتماد على مبلغ ثابت يصل إليها في موعد محدد.
وأوضح أن إيجار المنزل يشكل التزاماً مستمراً، إلى جانب نفقات الطعام ومتطلبات الطفلين الدراسية، بينما يبقى الدخل مرتبطاً بعدد أيام العمل المتاحة.
وتزداد صعوبة الموازنة بين هذه الاحتياجات عندما تتراجع فرص العمل، إذ يضطر إلى تدبير المصروف من المبالغ التي تمكن من جمعها خلال الأيام السابقة.
وتوضح تجربته اختلاف الضغوط التي تواجه أصحاب الأعمال غير المنتظمة عن تلك التي تواجه الموظفين، فبينما يحاول الموظف توزيع راتبه المحدود على نفقات الشهر، يواجه العامل الذي لا يمتلك دخلاً ثابتاً صعوبة إضافية في توقع الموارد المتاحة أصلاً.
الملابس.. مشتريات تؤجل حتى الضرورة
لم تقتصر التغييرات في أولويات الإنفاق على الطعام والتعليم والسكن، بل شملت الملابس وغيرها من الاحتياجات التي أصبحت أسر تؤجل شراءها إلى حين الضرورة.
ومع استهلاك الجزء الأكبر من الدخل في النفقات الأساسية، تحاول بعض العائلات الاستفادة من الملابس الموجودة لأطول فترة ممكنة، وتأجيل شراء البدائل حتى تصبح القطع القديمة غير صالحة للاستخدام.
وفي الأسر التي تضم فتيات بأعمار مختلفة، بات تناقل الملابس بين الأخوات وسيلة لتخفيف النفقات، إذ تستفيد الأخت الصغرى من الملابس التي لم تعد الكبرى بحاجة إليها، عندما تكون مناسبة لها.
ويعكس هذا السلوك تغيراً في أولويات الشراء، بعدما أصبحت الأسرة تركز على توفير الاحتياجات التي لا تحتمل التأجيل، مقابل تقليص الإنفاق على المشتريات التي يمكن الاستغناء عنها مؤقتاً.
أولويات تتغير تحت ضغط النفقات
تكشف شهادات المواطنين عن اختلاف الظروف التي تواجهها الأسر، رغم تشابه الضغوط المعيشية المرتبطة بمحدودية الموارد وارتفاع النفقات.
فالموظف الذي يعيل أربعة أبناء يحاول توزيع راتبه بين التعليم والغذاء والتدفئة والكهرباء، بينما تخصص أم جزءاً من ميزانية أسرتها لنقل ابنتيها إلى الجامعة، ويواجه عامل العتالة صعوبة في ضمان دخل يغطي إيجار المنزل واحتياجات طفليه.
وفي الحالات الثلاث، تتقدم النفقات الأساسية على غيرها من المشتريات، فيما تصبح بعض الاحتياجات الغذائية والمنزلية والملابس والمؤونة خاضعة لما يتبقى من المال بعد تغطية الالتزامات الضرورية.
ولا يقتصر أثر هذه الضغوط على حجم الإنفاق، بل يمتد إلى طريقة إدارة الأسرة لاحتياجاتها، إذ أصبحت المفاضلة بين المتطلبات المختلفة جزءاً من القرارات اليومية.
الأسر أمام معادلة الدخل والاحتياجات
تواصل الأسر محاولاتها للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة، من خلال تنظيم الإنفاق وتقليص المشتريات وتأجيل بعض الاحتياجات، في ظل استمرار الالتزامات المرتبطة بالغذاء والتعليم والسكن والنقل والتدفئة.
وتظهر الشهادات أن محدودية الدخل لا تؤثر في بند واحد من الميزانية، بل تنعكس على مختلف جوانب الحياة اليومية، وتدفع الأسر إلى اتخاذ قرارات متكررة بشأن ما يمكن شراؤه وما يجب تأجيله.
وتبقى قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية مرتبطة بحجم مواردها واستقرارها بين راتب لا يغطي جميع المتطلبات، وأجور نقل تتكرر يومياً، وعمل لا تتوافر فرصه بانتظام، فيما تتراجع مساحة الإنفاق على احتياجات كانت تعد جزءاً معتاداً من حياتها اليومية.