من ذاكرة العراق إلى شراكة المستقبل.. قراءة في رسائل الرئيس الشرع إلى بغداد

مقال: أحمد نور الرسلان

حملت مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة «دجلة» العراقية مجموعة من الرسائل السياسية التي تجاوزت حدود الحديث التقليدي عن العلاقات الثنائية، وامتدت إلى قضايا شديدة الحساسية في المشهد العراقي، من موقع الدولة ومؤسساتها إلى حصر السلاح، ومن ذاكرة الاحتلال الأمريكي والنزاعات الطائفية إلى مستقبل التعاون الاقتصادي والأمني بين دمشق وبغداد.

ويمكن قراءة المقابلة بوصفها محاولة لتحديد الأسس التي ترغب القيادة السورية في بناء علاقتها مع العراق عليها، من خلال تقديم المصالح المشتركة باعتبارها مدخلاً للاستقرار، وتأكيد احترام مؤسسات الدولة، ومعالجة الإرث التاريخي الذي تركته سنوات النزاع على العلاقة بين البلدين.

وتبرز أهمية هذه التصريحات في جمعها بين ثلاثة مسارات مترابطة: استعادة الثقة السياسية، وتوسيع المصالح الاقتصادية، وتقديم رؤية أمنية تقوم على وحدة المؤسسات واحتكار الدولة قرار الحرب والسلم.

ذاكرة العراق ورسائل إعادة بناء الثقة

احتل حديث الشرع عن تجربته في العراق عام 2003 مساحة لافتة من المقابلة، خصوصاً أنه تناول مرحلة لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية العراقية، بما ارتبط بها من الاحتلال الأمريكي، وصعود التنظيمات المسلحة، ثم النزاعات الطائفية التي تركت آثاراً عميقة في المجتمع العراقي.

وعندما أكد أنه توجه إلى العراق بمبادرة شخصية لمواجهة الاحتلال الأمريكي، وأنه لم يكن مرتبطاً آنذاك بأي تنظيم سياسي أو عسكري، كان يقدم روايته الخاصة لتلك المرحلة أمام جمهور عراقي معني بتفاصيلها وتداعياتها.

وتكتسب تصريحاته بشأن عدم المشاركة في النزاعات الطائفية وعدم الاعتداء على المدنيين أهمية إضافية، لأنها تتناول قضايا حساسة في تقييم تلك الحقبة. ومن الناحية السياسية، يمكن فهمها بوصفها محاولة لمعالجة التساؤلات المرتبطة بماضيه، وتقديم نفسه اليوم من موقع المسؤول الذي يدعو إلى الاستقرار وتجاوز الانقسامات.

واللافت أنه ربط استعادة تلك التجربة بالدعوة إلى تجاوز صراعات الماضي، والتركيز على مستقبل الشعبين السوري والعراقي، ويعكس هذا الربط رغبته في نقل النقاش من الخلاف حول التاريخ إلى البحث عن مصالح يمكن الاتفاق عليها في الحاضر.

حصر السلاح.. الرسالة السياسية الأبرز

يمكن اعتبار موقف الشرع من حصر السلاح بيد الدولة العراقية إحدى أبرز الرسائل السياسية في المقابلة، نظراً إلى حساسية هذا الملف وارتباطه بتوازنات القوى داخل العراق.

فقد أعلن دعمه توجه رئيس الوزراء علي الزيدي نحو حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، ودعا القوى السياسية إلى مساندة هذا المسار، معتبراً أن تعدد التشكيلات العسكرية المرتبطة بالأحزاب والفصائل يضعف الدولة ويجعل قرارها موزعاً بين جهات متعددة.

وتتجاوز أهمية هذا الموقف حدود تأييد برنامج حكومي عراقي، إذ يعكس تصوراً لطبيعة الدولة التي يرى الشرع أنها قادرة على تحقيق الاستقرار، من خلال وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومرجعية قانونية واضحة.

كما أن تأكيده احتكار الدولة قرار الحرب والسلم يحمل دلالة تتصل بالعلاقات الإقليمية، لأن وجود جهات مسلحة تتخذ قرارات مستقلة عن الحكومة يمكن أن يؤثر في علاقات العراق مع محيطه، بما في ذلك سوريا.

وفي هذا السياق، يظهر تقاطع بين مصلحة دمشق في التعامل مع مؤسسات عراقية موحدة، وموقف الشرع المعلن من ضرورة تعزيز سلطة الدولة.

لكن نجاح هذا التوجه يرتبط بالسياسات والإجراءات التي تتخذها الحكومة العراقية والتوافقات الداخلية بشأنها، ولا يمكن اعتبار الدعم السوري المعلن مؤشراً كافياً على إمكان حسم هذا الملف.

الاقتصاد بوصفه ضمانة للعلاقات السياسية

خصص الشرع جانباً واسعاً من حديثه لمشاريع النقل والطاقة والتجارة، مقدماً تصوراً للعلاقات السورية العراقية يقوم على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى مصالح اقتصادية طويلة الأمد.

وتبرز في هذا السياق دعوته إلى إعادة بناء خطوط النفط نحو بانياس، والربط بين ميناء الفاو وميناء طرطوس، وتطوير الطرق البرية التي تصل العراق بسوريا والأسواق الإقليمية.

وتحمل هذه المشاريع أهمية سياسية إلى جانب أبعادها الاقتصادية، لأنها قد تؤسس لعلاقات تتجاوز التفاهمات بين الحكومات إلى مصالح مرتبطة بالمؤسسات والشركات وقطاعات الإنتاج والنقل.

كما أن حديثه عن عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت، إضافة إلى أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير خلال الأشهر الماضية، جاء في سياق التأكيد على وجود حركة تجارية يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون.

ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة الشرع إلى تقديم المصالح المشتركة على التقلبات السياسية محاولة لتأسيس علاقة أكثر استقراراً، تستند إلى منافع اقتصادية متبادلة.

ومع ذلك، يبقى الانتقال من التصورات إلى التنفيذ مرتبطاً بتوافر التمويل، وتطوير البنى التحتية، واستكمال التفاهمات الفنية والتنظيمية، وتوفير الظروف المناسبة للاستثمار.

العلاقة مع العراق خارج الانقسامات الطائفية

حمل حديث الشرع عن الروابط الاجتماعية والعشائرية بين السوريين والعراقيين رسالة واضحة بشأن طبيعة العلاقة التي يرغب في ترسيخها مع بغداد.

فقد شدد على أن سوريا لا تنظر إلى العراق من منظور طائفي أو عرقي، وأكد انفتاحها على تسهيل السفر والتنقل، بما في ذلك زيارة مقام السيدة زينب، مع مراعاة المتطلبات الأمنية.

وتبرز أهمية هذه التصريحات في أنها تتناول جانباً اجتماعياً ودينياً حساساً، تأثر خلال سنوات النزاع بالاستقطاب الطائفي وتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية.

ويمكن قراءة موقفه باعتباره سعياً إلى الفصل بين حق الأفراد في التنقل وممارسة شعائرهم الدينية، وبين الأنشطة التي قد تستغل هذه الملفات لإثارة التوتر، كما أن تركيزه على الروابط التاريخية والاجتماعية يهدف إلى توسيع قاعدة العلاقة بين البلدين، بحيث لا تبقى محصورة في التواصل السياسي أو المصالح الاقتصادية.

وفي المقابل، فإن بناء الثقة في هذا المجال يحتاج إلى إجراءات تضمن سلامة الزائرين، وتحافظ على الحقوق والحريات، وتمنع توظيف الانتماءات الدينية في الصراعات السياسية.

ملف المعتقلين واختبار التعاون القضائي

كشف الشرع عن مباحثات مع السلطات القضائية العراقية بشأن المعتقلين السوريين الذين تسلمتهم بغداد من قوات التحالف، مشيراً إلى أن عدد السوريين بينهم يتجاوز ثلاثة آلاف شخص.

وتبرز أهمية هذا الملف في أنه يجمع بين الاعتبارات الأمنية والقانونية والإنسانية، ويحتاج إلى تنسيق مباشر بين المؤسسات المختصة في البلدين.

كما أن حديثه عن تصنيف المعتقلين إلى فئات، ودراسة أوضاعهم وإمكانية إعادتهم إلى سوريا، يشير إلى توجه لمعالجة الملف وفق الحالات الفردية بدلاً من التعامل مع جميع المحتجزين باعتبارهم فئة واحدة.

ويمثل هذا المسار اختباراً عملياً للتعاون بين دمشق وبغداد، خصوصاً أن معالجة أوضاع المعتقلين تتطلب تحديد المسؤوليات القانونية، والتحقق من الحالات، وضمان الإجراءات القضائية المناسبة.

ومن شأن إحراز تقدم في هذا الملف أن يضيف بعداً مؤسساتياً إلى العلاقة الثنائية، يتجاوز التصريحات السياسية نحو التعاون المباشر بين الجهات القضائية والأمنية.

موقف إيجابي من الحكومة العراقية ورسائل إلى القوى السياسية

حرص الشرع على الإشادة بموقف الحكومة العراقية تجاه سوريا منذ وصول القيادة الجديدة إلى دمشق، مع الإشارة إلى وجود قوى سياسية حاولت، بحسب قوله، دفع بغداد نحو مواقف سلبية.

وتكشف هذه الإشارة عن إدراكه وجود تباينات داخل المشهد السياسي العراقي بشأن العلاقة مع دمشق، ورغبته في التأكيد على أهمية استمرار التعاون الرسمي رغم تلك التباينات.

كما أن دعمه برنامج رئيس الوزراء علي الزيدي في مكافحة الفساد وحصر السلاح يعكس تقارباً معلناً مع توجهات الحكومة العراقية في ملفات محددة.

غير أن العلاقة بين البلدين لا تتوقف على موقف الحكومة وحدها، في ظل تعدد القوى السياسية العراقية واختلاف رؤاها تجاه القضايا الإقليمية.

ولهذا تبدو دعوة الشرع إلى بناء مصالح اقتصادية يصعب تفكيكها مستقبلاً مرتبطة أيضاً بالرغبة في تقليل تأثر العلاقات الثنائية بالتغيرات الحكومية والخلافات السياسية.

فرصة تاريخية أم تحديات متراكمة؟

تكررت في حديث الشرع الإشارة إلى امتلاك سوريا والعراق فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين ومستقلتين في قرارهما، بعد عقود من الحروب والانقلابات والنزاعات الداخلية.

ويعكس هذا الطرح رؤية تقوم على أن الاستقرار السياسي يرتبط بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وتوحيد مؤسساتها، وتوفير فرص العمل والتنمية، ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزاعات.

كما أن حديثه عن اللاجئين السوريين والعراقيين في الخارج يربط مستقبل البلدين بقدرتهما على توفير الظروف التي تشجع المواطنين على العودة والمشاركة في إعادة البناء.

لكن حجم التحديات التي تواجه البلدين يجعل هذه الرؤية مرتبطة بمسارات طويلة، تشمل إصلاح المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

وتبقى مشاريع التعاون المطروحة بحاجة إلى اتفاقات تنفيذية واضحة، وجدول زمني، وقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية التي قد تؤثر في استمرارها.

بين الرسائل السياسية والنتائج المنتظرة

تكشف مقابلة الشرع عن محاولة لصياغة خطاب جديد تجاه العراق، يقوم على الاعتراف بعمق الروابط التاريخية، وتقديم المصالح الاقتصادية، ودعم مؤسسات الدولة، والتعامل مع الملفات الخلافية من خلال التعاون الرسمي.

وقد بدا حريصاً على مخاطبة مستويات متعددة من الجمهور العراقي؛ إذ تناول ذاكرة الماضي وما ارتبط بها من حساسيات، ووجّه رسائل إلى الحكومة والقوى السياسية بشأن السلاح ومؤسسات الدولة، وطرح أمام القطاعات الاقتصادية فرصاً للتعاون في الطاقة والنقل والزراعة.

ويجمع هذه المحاور توجه نحو بناء علاقة سورية عراقية تستند إلى الاستقرار المؤسسي والمصالح المتبادلة، مع محاولة تخفيف تأثير الخلافات السياسية والتاريخية على مستقبل البلدين.

وتبقى القيمة العملية لهذه التصريحات مرتبطة بما سيتحقق من خطوات على الأرض، سواء في مشاريع الربط النفطي والتجاري، أو معالجة ملف المعتقلين، أو تطوير التعاون الأمني والقضائي.

وفي المحصلة، قدّم الشرع رؤية لعلاقة يريدها أكثر ارتباطاً بمستقبل سوريا والعراق وأقل تأثراً بإرث النزاعات السابقة. أما مدى نجاح هذه الرؤية، فسيتحدد بقدرة البلدين على تحويل التفاهمات السياسية إلى مؤسسات ومشاريع ومصالح مستدامة، تستطيع الاستمرار رغم اختلاف الحكومات وتبدل الظروف الإقليمية.

المزيد...
آخر الأخبار