مياه ملوثة وتكاليف ري مرتفعة.. مزارعو الرستن يحذرون من تدهور التربة الزراعية

العروبة – خاص

 

تواجه الأراضي الزراعية في منطقة الرستن بريف حمص الشمالي تحديات بيئية وإنتاجية متزايدة، وسط مخاوف من تأثير مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمخلفات الصناعية والاستخدام العشوائي للأسمدة الكيميائية في خصوبة التربة وجودة المحاصيل، بالتزامن مع شكاوى مزارعين من تراجع إنتاجية بعض الزراعات وانتشار مشكلات مرضية في النباتات.

 

وتزداد المخاوف مع لجوء بعض المزارعين إلى مصادر ري يُشتبه بتلوثها، نتيجة ارتفاع تكاليف تشغيل مضخات المياه، ولا سيما عند استخدامها لري الخضراوات التي تُستهلك طازجة، ما يطرح تساؤلات بشأن سلامة المنتجات الزراعية واحتمالات انتقال الملوثات إلى الغذاء.

 

وفي ظل غياب برامج مراقبة مخبرية منتظمة، تبرز الحاجة إلى تحديد مصادر التلوث ومستوياته الفعلية، والتمييز بين تأثيراته المحتملة والعوامل الزراعية الأخرى التي قد تؤدي إلى تراجع الإنتاجية، تمهيداً لوضع معالجات تستند إلى نتائج التحاليل العلمية.

 

مياه الصرف الصحي ومخلفات المنشآت الصناعية

 

أوضح المهندس الزراعي عثمان أيوب، من منطقة الرستن، في تصريح لـ«العروبة»، أن وصول مياه الصرف الصحي إلى مصادر الري، سواء في نهر العاصي أو المسطحات المائية، ومنها بحيرتا قطينة وسد الرستن، يمثل أحد أبرز مصادر القلق بشأن تلوث التربة الزراعية.

 

وبيّن أن تصريف مياه الصرف الصحي من دون معالجتها في محطات متخصصة قد يؤدي إلى انتقال الملوثات إلى المياه المستخدمة في الزراعة، ومنها إلى التربة والمحاصيل، الأمر الذي يستدعي إنشاء محطات لمعالجة المياه العادمة قبل تصريفها في المجاري المائية أو استخدامها لأغراض الري.

 

وأشار أيوب إلى أن مخلفات المعامل والمنشآت الصناعية تشكل مصدراً آخر محتملاً للتلوث، خصوصاً عند وصولها إلى الأنهار والبحيرات المستخدمة في الري.

 

كما لفت إلى احتمال تأثير الدخان والأبخرة المنبعثة من المنشآت الصناعية في الأراضي الزراعية، نتيجة ترسب بعض الملوثات المحمولة جواً على سطح التربة.

 

ودعا إلى متابعة الأثر البيئي للمنشآت الصناعية ومصادر الانبعاثات في المنطقة ومحيطها، ومنها محطة الزارة لتوليد الطاقة الكهربائية ومعمل إسمنت الرستن، إضافة إلى دراسة الأثر المحتمل للانبعاثات الصادرة عن مصفاة حمص ومعمل السماد.

 

وأكد أهمية إجراء قياسات وتحاليل بيئية لتحديد طبيعة الملوثات ومستوياتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من وصولها إلى الأراضي الزراعية.

 

الأسمدة الكيميائية.. مخاطر الاستخدام العشوائي

 

أشار أيوب إلى أن الاستخدام غير المدروس للأسمدة الكيميائية قد يسهم في تدهور خصائص التربة، ولا سيما عندما تُضاف بكميات لا تتناسب مع احتياجات المحاصيل أو طبيعة التربة ومحتواها من العناصر الغذائية.

 

وأوضح أن الإفراط في التسميد أو استخدام تركيبات غير مناسبة قد يؤدي إلى اختلال التوازن الغذائي في التربة، بما يؤثر في نمو النباتات وإنتاجيتها.

 

وشدد على ضرورة إنشاء مخابر متخصصة لتحليل التربة، وتحديد محتواها من العناصر المعدنية والمادة العضوية، والكشف عن الملوثات والعناصر التي قد تشكل خطراً على صحة الإنسان.

 

وبيّن أن نتائج التحاليل يجب أن تشكل أساساً لإعداد برامج تسميد مدروسة، تراعي احتياجات كل محصول وخصائص الأراضي الزراعية في المنطقة، بدلاً من الاعتماد على التقديرات العشوائية.

 

وأضاف أن غياب برامج مراقبة دورية ومنتظمة للتربة يحد من إمكانية الكشف المبكر عن المشكلات وتحديد أسبابها، ويؤخر وضع المعالجات المناسبة.

 

مزارعون يرصدون تراجعاً في إنتاجية بعض المحاصيل

 

من جانبه، تحدث المزارع «ع. أ»، من منطقة الرستن، لـ«العروبة»، عن ملاحظات يسجلها مزارعون بشأن تراجع إنتاجية بعض المحاصيل مقارنة بالمساحات المزروعة، إلى جانب انتشار مشكلات مرضية تصيب النباتات، ولا سيما الجذور.

 

وأوضح أن بعض المزارعين يصفون هذه الحالات بـ«شلل النباتات»، نتيجة ضعف نموها وتراجع قدرتها على الاستمرار بصورة طبيعية.

 

وأشار إلى ظهور مشكلات في زراعات حبة البركة والكمون والبطاطا، إضافة إلى بعض الأشجار المثمرة.

 

كما لفت إلى أن زراعة الفاصولياء البيضاء الحب لم تعد تحقق النتائج التي اعتاد عليها المزارعون في بعض مناطق الرستن، ما دفع عدداً منهم إلى العزوف عن زراعتها.

 

وربط المزارع هذه الظواهر، وفق تقديره، باحتمال تراكم الملوثات في التربة نتيجة استمرار مصادر التلوث وضعف إجراءات المعالجة والمراقبة.

 

غير أن تحديد الأسباب الفعلية لتراجع الإنتاجية يتطلب إجراء تحاليل مخبرية للتربة ومياه الري، إلى جانب فحوص متخصصة للنباتات، بهدف التمييز بين آثار التلوث المحتملة والأمراض النباتية والعوامل المناخية وطرائق الري والتسميد.

 

وتكتسب هذه الفحوص أهمية في تحديد طبيعة المشكلات الزراعية، واختيار الإجراءات المناسبة لمعالجتها، بعيداً عن الاعتماد على الملاحظات الميدانية وحدها.

 

ارتفاع تكاليف الري يدفع بعض المزارعين إلى مصادر ملوثة

 

أوضح مزارعون في منطقة الرستن أن مياه شبكة الري القادمة من بحيرة قطينة، إلى جانب الآبار الزراعية، تشكل مصادر أساسية لري المحاصيل في المنطقة.

 

لكن ارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري، وزيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، دفع بعض المزارعين إلى استخدام مياه ساقية الحية، رغم ما وصفوه بتلوث مياهها الشديد.

 

ويثير استخدام هذه المياه مخاوف تتعلق بإمكانية انتقال الملوثات إلى التربة والمحاصيل، ولا سيما الخضراوات التي تُستهلك طازجة، مثل الخس والبقدونس والجزر.

 

وتختلف طبيعة المخاطر بحسب نوع الملوثات الموجودة في مياه الري ومستوياتها، وطرق استخدام المياه وطبيعة المحاصيل المزروعة.

 

وقد يؤدي استخدام المياه الملوثة إلى انتقال ملوثات ميكروبية أو كيميائية إلى المنتجات الزراعية، ما يستدعي إجراء فحوص مخبرية لتحديد مدى صلاحية مصادر المياه للاستخدام الزراعي.

 

وتبرز في هذا السياق أهمية توفير بدائل ري آمنة وميسورة الكلفة، إلى جانب مراقبة نوعية المياه المستخدمة في الزراعة، وتقديم الإرشادات اللازمة للمزارعين بشأن مخاطر استخدام المصادر غير الآمنة.

 

كما تتطلب معالجة المشكلة مراعاة الأعباء الاقتصادية التي تواجه المزارعين، إذ إن ارتفاع تكاليف المحروقات وتشغيل المضخات قد يحد من قدرتهم على الاعتماد على مصادر المياه المناسبة.

 

مخابر متخصصة لرصد التلوث وتحديد المعالجات

 

أكد المهندس الزراعي عثمان أيوب أن حماية التربة الزراعية في ريف حمص الشمالي تتطلب خطة متكاملة، تبدأ بمعالجة مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية قبل وصولها إلى الأنهار والبحيرات المستخدمة في الري.

 

وشدد على أهمية تشديد الرقابة البيئية على المنشآت الصناعية ومصادر الانبعاثات التي قد تؤثر في الأراضي الزراعية، مع إجراء قياسات دورية لتحديد مستويات الملوثات المحتملة.

 

ودعا إلى إنشاء مخابر متخصصة لتحليل التربة، وتحديد محتواها من العناصر المعدنية والمادة العضوية، والكشف عن العناصر والمواد الضارة، بما يوفر بيانات علمية تساعد على تقييم واقع الأراضي الزراعية.

 

وأوضح أن نتائج التحاليل يمكن الاستفادة منها في إعداد برامج تسميد دقيقة، تتناسب مع احتياجات المحاصيل وخصائص التربة في كل منطقة، وتسهم في ترشيد استخدام الأسمدة والمحافظة على خصوبة الأراضي.

 

كما أكد ضرورة إجراء تحاليل دورية لمياه الري، خصوصاً في المواقع التي يُشتبه بتعرضها للتلوث، مع إعطاء اهتمام خاص للمياه المستخدمة في ري الخضراوات التي تُستهلك طازجة.

 

وأشار إلى أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لمنع استخدام مصادر المياه غير الآمنة في الزراعة، بالتوازي مع توفير البدائل المناسبة للمزارعين.

 

دعم مستلزمات الإنتاج لحماية الزراعة

 

في الجانب الاقتصادي، شدد أيوب على أهمية دعم المحروقات المخصصة للزراعة، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما يساعد المزارعين على الاستمرار في نشاطهم الزراعي.

 

وبيّن أن تخفيف تكاليف تشغيل مضخات الري قد يسهم في الحد من اضطرار بعض المزارعين إلى استخدام مصادر مياه يُشتبه بتلوثها.

 

وتبرز أهمية الربط بين الإجراءات البيئية والدعم الزراعي، لضمان قدرة المزارعين على الالتزام بممارسات الري والتسميد الآمنة، دون تحميلهم أعباء إضافية تفوق إمكاناتهم.

 

كما تتطلب حماية الأراضي الزراعية تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، وتوعية المزارعين بأهمية تحليل التربة والمياه، واستخدام الأسمدة وفق الاحتياجات الفعلية للمحاصيل.

 

حماية التربة وسلامة الغذاء مسؤولية مشتركة

 

ترتبط حماية التربة الزراعية في ريف حمص الشمالي باستدامة الإنتاج الزراعي وسلامة الغذاء ومصادر رزق المزارعين، في ظل المخاوف المرتبطة بتلوث مياه الري وتراجع إنتاجية بعض المحاصيل.

 

وتستدعي معالجة هذه التحديات تنسيقاً بين الجهات المعنية بالزراعة والموارد المائية والبيئة والصناعة، لرصد مصادر التلوث المحتملة، وتحديد مستوياتها، ووضع الإجراءات اللازمة لمعالجتها.

 

كما تبرز الحاجة إلى برامج مراقبة مخبرية منتظمة تشمل التربة ومياه الري والمحاصيل، بما يتيح الكشف المبكر عن المشكلات وتحديد أسبابها قبل تفاقم آثارها على الإنتاج الزراعي.

 

وتبقى نتائج التحاليل العلمية أساساً لتقييم حجم التلوث الفعلي ومدى ارتباطه بالمشكلات التي يرصدها المزارعون، وصولاً إلى إجراءات تحافظ على خصوبة الأراضي وجودة المحاصيل، وتدعم استمرارية النشاط الزراعي وسلامة الغذاء في ريف حمص الشمالي.

المزيد...
آخر الأخبار