معالم من حمص: شارع الذهبي في حمص القديمة.. حجارة تحفظ ذاكرة البيوت وحكايات الأجيال

العروبة – خاص

 

يحتفظ شارع الذهبي في حي باب هود بمدينة حمص بملامح من العمارة التقليدية وذاكرة اجتماعية تشكّلت عبر أجيال، إذ تعكس بيوته الحجرية وأزقته القديمة وممراته المسقوفة جانباً من تاريخ المدينة، وما ارتبط بها من حكايات العائلات وتقاليد الجيرة وأنماط الحياة اليومية التي أسهمت في تشكيل هوية الحي.

 

وأوضح الباحث التاريخي خالد الفرج، عضو الجمعية التاريخية السورية، في تصريح لـ«العروبة»، أن خصوصية شارع الذهبي تنبع من ارتباطه بالنسيج العمراني والاجتماعي لحمص القديمة، وما تحتفظ به أبنيته وأزقته من شواهد على علاقة السكان ببيوتهم ومحيطهم الاجتماعي.

 

وأشار إلى أن الشارع يرتبط تاريخياً بحي باب هود، أحد الأحياء العريقة في المدينة القديمة، والذي يضم محيطه معالم دينية وأثرية أسهمت في تشكيل الحياة الروحية والاجتماعية لأبناء المنطقة، ما يمنح الشارع مكانة خاصة ضمن ذاكرة المدينة.

 

عمارة تعكس هوية حمص القديمة

 

تتجلى القيمة العمرانية لشارع الذهبي في البيوت الحجرية التي تحمل خصائص العمارة الحمصية التقليدية، ولا سيما استخدام الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض، وتناوبهما في النمط المعماري المعروف بالأبلق، إلى جانب العقود والقباب الحجرية التي تميز الأبنية القديمة.

 

وبيّن الفرج أن السيباطات، وهي ممرات مسقوفة تعلو بعض الأزقة وتصل بين الأبنية المتقابلة، تشكل أحد العناصر البارزة في عمارة الأحياء القديمة، إذ توفر الظل والحماية من العوامل الجوية، وتسهم في الحفاظ على خصوصية المنازل المتجاورة.

 

وتكشف المنازل التقليدية عن طبيعة الحياة الأسرية في حمص القديمة، فمن خلف الأبواب الخشبية والمداخل المصممة لحفظ خصوصية المنزل، تمتد الديار الداخلية التي تتوسطها البحرات وتحيط بها أشجار النارنج والياسمين، لتشكل مساحة للقاءات العائلية والحياة اليومية.

 

وأوضح الباحث أن هذه العناصر المعمارية ارتبطت بأسلوب حياة السكان، وبالعلاقة بين المساحات الخاصة داخل المنازل والأزقة المشتركة التي شهدت التواصل اليومي بين الجيران.

 

عائلات حمصية صنعت ذاكرة المكان

 

ارتبط شارع الذهبي بالعائلات التي سكنت حي باب هود ومحيطه، وأسهمت في تشكيل تاريخه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

 

وأشار الفرج إلى ارتباط ذاكرة المنطقة بأسماء عائلات حمصية عريقة، من بينها الجندي والآتاسي والذهبي وعجل والأبيض والمعصراني، إلى جانب عائلات أخرى ارتبط حضورها بتاريخ المدينة وأحيائها القديمة.

 

وشكلت البيوت المتجاورة نسيجاً اجتماعياً قائماً على التواصل والتكافل والتعاون بين السكان، حيث كانت المناسبات العائلية والاجتماعية تجمع أبناء الحي وتعزز علاقات الجيرة.

 

وتبرز أهمية توثيق ذاكرة السكان وما تحتفظ به العائلات من روايات وصور ووثائق قديمة، لما توفره من معلومات تساعد على استعادة ملامح الحياة الاجتماعية التي عرفها الشارع عبر الأجيال.

 

البيوت القديمة.. شواهد على حياة الأجيال

 

تحمل البيوت التراثية في شارع الذهبي قيمة إنسانية واجتماعية إلى جانب أهميتها المعمارية، فقد شهدت حياة عائلات متعاقبة، واحتضنت المناسبات والأفراح والأتراح ومجالس الصلح واللقاءات الأسرية.

 

وتحتفظ الديار الداخلية والأبواب الحجرية والخشبية والأزقة المحيطة بالمنازل بشواهد على تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات التي جمعت السكان وأسهمت في تشكيل الذاكرة الاجتماعية للحي.

 

ويرى الفرج أن أهمية هذه البيوت تشمل ما تختزنه من قصص وتجارب إنسانية، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها جزءاً من صون ذاكرة حمص القديمة وهويتها التاريخية.

 

ماذا بقي من شارع الذهبي؟

 

تعرضت أحياء حمص القديمة، ومنها حي باب هود، لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، طالت العديد من المباني والمعالم، وأثرت في أجزاء من نسيجها العمراني والاجتماعي.

 

وأمام هذه الأضرار، تبرز أهمية توثيق الأبنية والعناصر المعمارية المتبقية، وتحديد المواقع التي يمكن ترميمها والحفاظ عليها، بما يسهم في حماية ما بقي من الهوية التراثية للشارع.

 

وتشكل الجدران الحجرية والعقود القائمة، إلى جانب الصور القديمة وشهادات السكان، مصادر مهمة لتوثيق ملامح الشارع قبل تعرضه للأضرار، واستعادة جانب من تاريخه العمراني والاجتماعي.

 

كما تبرز الحاجة إلى جمع الروايات الشفوية من أبناء الحي، وتسجيل أسماء البيوت والعائلات والمعالم المرتبطة بالمكان، حفاظاً على تفاصيل الذاكرة المحلية من الضياع مع مرور الزمن وتشتت الوثائق والصور.

 

ويحتاج الحفاظ على شارع الذهبي إلى توثيق تاريخه ودراسة عناصره المعمارية وتحديد الأبنية ذات القيمة التراثية، بما يساعد على وضع أولويات واضحة لأعمال الحماية والترميم وفق أسس علمية.

 

وبين البيوت الحجرية التي لا تزال قائمة والحكايات التي يحتفظ بها أبناء الحي، يظل شارع الذهبي شاهداً على جانب من تاريخ حمص القديمة وحياتها الاجتماعية، بما يستدعي الحفاظ على معالمه وتوثيق ذاكرته، لتبقى حكايات المكان حاضرة في ذاكرة الأجيال المقبلة.

المزيد...
آخر الأخبار