العروبة – خاص
يواجه التراث الغنائي الحمصي خطر فقدان جانب من ذاكرته الفنية، في ظل محدودية التسجيلات الصوتية التي توثق أعمال مطربي المدينة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وغياب التوثيق الصوتي والتدوين الموسيقي منذ ستينيات القرن الماضي، ما يبرز الحاجة إلى جمع ما تبقى من هذا الإرث وحفظه للأجيال المقبلة.
وأكد الباحث في الموسيقى العربية أمين رومية أهمية صون التراث الغنائي الحمصي وحماية حقوق مبدعيه الأصليين، محذراً من استمرار الإهمال الذي يهدد بضياع أعمال فنية ارتبطت بتاريخ المدينة وهويتها الثقافية.
وأوضح رومية، بمناسبة اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري الذي يصادف السابع والعشرين من تشرين الأول، أن حمص شهدت مطلع القرن العشرين نهضة فنية في المسرح والغناء استمرت حتى نهاية خمسينياته، وبرز خلالها عدد من المطربين الذين أسهموا في تشكيل ملامح الحركة الغنائية في المدينة.
وأشار إلى أن المؤرخ أدهم الجندي وثّق السير الذاتية والفنية لعدد من هؤلاء المطربين في كتابه «أعلام الأدب والفن»، ومنهم محمد الشاويش، ونجيب زين الدين، وعبد الرحمن الزيات، وعبد الخالق عبارة، وراغب الملوحي، ومحمد بقلاوة منيا، وخالد القصير.
وبيّن أن الكتاب يُعدّ مصدراً أساسياً لتوثيق تلك المرحلة، إلى جانب ديوان الشيخ أمين الجندي، المطبوع عام 1900، والذي يضم 182 قدّاً غنائياً تشكّل إحدى أبرز ركائز التراث الغنائي الحمصي.
المسارح والنوادي حاضنة النهضة الغنائية
أوضح رومية أن ازدهار الحركة الفنية في حمص ارتبط بوجود مسارح استضافت حفلات غنائية وعروضاً مسرحية لكبار الفنانين العرب، من بينها مسرح حمص الأول للروم الأرثوذكس، ومسرح المنظر الجميل، ومسرح تياترو حمص «الروضة»، ومسرح الشرق، ومسرح عبد الحميد الزهراوي.
كما أسهمت النوادي الفنية والثقافية والاجتماعية في تنشيط الحياة الغنائية، ومنها نادي دوحة الميماس، ونادي الفنون المسرحية، ونادي دار الألحان، ونادي الخيام.
وأشار إلى أن التراث الغنائي الحمصي بدأ يعاني الإهمال منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، مع غياب التوثيق الصوتي والتدوين الموسيقي، ما عرّض بعض الأعمال للضياع والتعدي على حقوق أصحابها، بما في ذلك إنكار نسبتها إلى مبدعيها الأصليين.
ولفت إلى محدودية عدد المطربين الذين ما زالوا يقدمون الأغاني التراثية الحمصية ضمن برامجهم الغنائية.
خصوصية اللهجة والألحان الحمصي
بيّن رومية أن الغناء الحمصي يشترك مع الغناء الشعبي في المدن السورية الأخرى بعدد من الخصائص الفنية، أبرزها بساطة الألحان وخفة الإيقاعات وقصر الجمل اللحنية وتتابعها، إلى جانب التماثل والتكرار والابتعاد عن القفزات اللحنية، مع حضور الأداء الفردي والارتجال لدى بعض المطربين المتمكنين.
وأوضح أن لكل مدينة ألوانها الغنائية التي تمنح تراثها خصوصيته، مشيراً إلى استخدام مفردات محلية في الغناء الحمصي، ولا سيما في لون «المعنّى الحمصي»، ومن أمثلته:
«حاجي تلفّ وحاجي تدور، من البيضا ما بعيرك نور».
وتحضر معالم حمص وجغرافيتها في عدد من أغنياتها الشعبية، ومنها جامع الصحابي خالد بن الوليد ونهر العاصي ومنطقة الميماس التي كانت محاذية للنهر، وشكّلت مكاناً لسهرات السمر والجلسات الغنائية.
ومن الأغنيات المرتبطة بهذه البيئة «عاصي حمص يا محلاه» و«يا عاصينا يا زين»، إضافة إلى موال الميماس: «ميماس قلبي لهف وصاب عودي هواك اتذكّرت صفصاف محني على نجواك».
وأشار رومية إلى حضور البيئة الحمصية في أشعار الشيخ أمين الجندي وقدوده، ومنها: «ولدوحة الميماس واشوقي إذا لعب النسيم بغصنها الميّاد»، كما تتميز بعض القدود بالنفحة الصوفية، ومنها: «الحب في صدق النية خير الصفات المرضية قد لذّ لي صافي المشرب في حانة الباز الأشهب».
ومن الخصائص الفنية للغناء الحمصي أيضاً «وصلة المصدّر»، التي تُقدّم في بداية البرنامج الغنائي، وتضم مجموعة من الأغاني الشعبية المتقنة تشكّل استهلالاً للحفلة.
وأضاف رومية أن بعض الألحان الحمصية تتميز بمساحة صوتية محدودة قد لا تتجاوز خمس درجات موسيقية، وبمحدودية التنوع المقامي داخل الأغنية الواحدة، إلى جانب الخصوصية الواضحة للهجة الحمصية في الأداء.
تسجيلات نادرة تحفظ أصوات الرواد
أعرب رومية عن أسفه لغياب أرشيف صوتي متكامل لمطربي حمص خلال النصف الأول من القرن العشرين، الأمر الذي يصعّب دراسة طبيعة الغناء الحمصي وبنيته اللحنية والمقامية وأساليب أدائه.
وأوضح أن عدداً من مطربي تلك المرحلة زاروا بلداناً عربية، منها مصر ولبنان، حيث كانت توجد شركات متخصصة في تسجيل الأسطوانات، إلا أن التوثيق الصوتي لأعمالهم بقي محدوداً.
وأشار إلى أن أواخر خمسينيات القرن الماضي شهدت وصول تسجيلات مهمة بصوتَي عبد الواحد الشاويش وممدوح الشلبي، تضمنت أعمالاً من التراث الحمصي، مؤكداً أهمية إعادة إنتاجها وحفظها وتوثيقها.
وكشف رومية عن عثوره، خلال أبحاثه، على ملف صوتي يضم ثلاث أسطوانات بصوت المطرب عبد الرحمن الزيات، المتوفى عام 1937، يُرجّح أنها سُجّلت في لبنان عام 1930.
وأوضح أن اثنتين من الأسطوانات تضمان قصيدتين أدّاهما الزيات بأسلوب ارتجالي من دون إيقاع، فيما تتضمن الثالثة موالاً من خمسة أشطار على غرار الموال المصري وباللهجة المصرية، جاء فيه:«بورد خدّك على العشّاق بتتعاجب ولك دلال يا رشا بالعين والحاجب».
كما عثر على ملف صوتي آخر للمطرب محمد الشاويش، المتوفى عام 1946، يضم عدداً من القصائد والمواويل، إضافة إلى موشح «بلبل الأفراح غنّى»، ولفت إلى أن تدني جودة هذه التسجيلات يستدعي التعامل معها بعناية خلال عمليات الحفظ والمعالجة، حفاظاً على محتواها الصوتي.
وبيّن أن دراسة هذه المواد أظهرت تقارباً في أسلوب الأداء بين المطربين الحمصيين ونظرائهم المصريين في مطلع القرن العشرين، ما يمنحها أهمية في دراسة تطور الغناء العربي وأساليب أدائه خلال تلك المرحلة.
توثيق التراث وحماية حقوق المبدعين
تكتسب التسجيلات الغنائية القديمة أهمية تاريخية وفنية، لما تحفظه من أصوات المطربين وأساليب أدائهم وخصائص الألحان والمقامات التي سادت خلال مراحل سابقة، وما توفره من مادة للباحثين في تاريخ الموسيقى والغناء الشعبي.
وتبرز الحاجة إلى جمع التسجيلات المتبقية وحصرها وتوثيقها، وترميمها رقمياً وحفظ نسخ آمنة منها، إلى جانب تدوين الألحان والكلمات والمعلومات المتاحة عن أصحاب الأعمال وتواريخ تسجيلها.
كما يشكل توثيق أسماء المبدعين الأصليين ونسبة الأعمال إلى أصحابها جانباً أساسياً من جهود صون هذا التراث، في ظل ما أشار إليه رومية من تعرض بعض الأعمال للتجاهل أو إنكار نسبتها إلى مؤلفيها ومؤديها.
ويتطلب الحفاظ على التراث الغنائي الحمصي تعاون الباحثين والمؤسسات الثقافية المعنية وأصحاب المجموعات والتسجيلات القديمة، بما يساعد على استعادة ما يمكن إنقاذه من هذا الأرشيف الفني.
وتبقى الأصوات والألحان التي احتفظت بها التسجيلات النادرة جزءاً من الذاكرة الثقافية لحمص، وشاهداً على مرحلة غنية من تاريخها الفني، ما يجعل توثيقها وحمايتها ضرورة للحفاظ على هوية المدينة الموسيقية ونقل إرثها الغنائي إلى الأجيال المقبلة.