العروبة – خاص
شكّلت الينابيع والعيون المائية المنتشرة في ريف حمص عبر التاريخ أحد المقومات الأساسية لاستقرار السكان وممارسة الأنشطة الزراعية وتربية المواشي، وارتبطت بها عادات اجتماعية وحكايات شعبية تناقلتها الأجيال، لتصبح جزءاً من الهوية المحلية والذاكرة الجماعية للقرى والتجمعات السكانية.
وامتد حضور هذه الموارد من ينابيع تدمر والقريتين إلى العيون المنتشرة في السهول والتلال والقرى الريفية، حيث أسهم توفر المياه في تحديد مواقع الاستقرار البشري وتشكيل ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويواجه هذا الإرث المائي اليوم تحديات متزايدة نتيجة تراجع الهطولات المطرية وتكرار مواسم الجفاف واستنزاف المياه الجوفية، إلى جانب التعديات على بعض الينابيع ومجاريها الطبيعية، ما يبرز الحاجة إلى حماية هذه الموارد وتوثيق قيمتها البيئية والتاريخية.
الماء ودوره في استقرار التجمعات البشرية
أوضح الباحث وعضو الجمعية التاريخية في حمص رامي الدويري، في تصريح لـ«العروبة»، أن توفر المياه العذبة كان من العوامل الأساسية التي ساعدت على استقرار التجمعات البشرية في ريف حمص منذ العصور القديمة، إذ اعتمد السكان على الينابيع في تأمين مياه الشرب والزراعة وتربية الحيوانات.
وبيّن أن أهمية هذه المصادر برزت بصورة خاصة في المناطق القريبة من البادية، حيث تتفاوت الموارد المائية، وكان توفر الماء عاملاً مؤثراً في اختيار مواقع القرى والمساكن واستمرار النشاط البشري.
وأشار الدويري إلى أن الينابيع أسهمت أيضاً في دعم الحركة التجارية والتنقل، ولا سيما على طرق القوافل والمسارات المؤدية إلى البادية وواحة تدمر، إذ وفرت المياه للمسافرين والرعاة وساعدت على استمرار الحركة في تلك المناطق.
ومع مرور الزمن، أصبحت الينابيع علامات جغرافية يستدل بها السكان على المواقع والاتجاهات، وارتبطت أسماؤها بالأماكن والعائلات والحكايات المتوارثة، ما منحها مكانة في الذاكرة الشعبية للمنطقة.
الينابيع أساس الزراعة والحياة الاقتصادية
أكد الدويري أن الينابيع شكّلت أحد الموارد الرئيسية للنشاط الزراعي في ريف حمص، حيث اعتمد عليها الأهالي في ري البساتين والأراضي الزراعية وسقاية الأشجار المثمرة، ومنها الرمان والزيتون والكرمة، إضافة إلى الخضروات والمحاصيل الموسمية.
وأسهمت هذه الموارد في تأمين احتياجات الأسر الريفية من المنتجات الزراعية ودعم مصادر دخلها، وتعزيز ارتباط السكان بأراضيهم واستمرار النشاط الزراعي في محيط القرى.
ولفت إلى أن الأهالي استخدموا وسائل تقليدية لنقل المياه وتوزيعها، من خلال القنوات ومجاري السقاية، وفق طبيعة المنطقة ووفرة المياه، بما يعكس خبرتهم المتراكمة في إدارة الموارد المائية والاستفادة منها.
وكان تنظيم حصص الري بين المزارعين يتطلب التعاون والتنسيق لضمان وصول المياه إلى الأراضي المستفيدة والحد من الخلافات المتعلقة باستخدامها.
كما وفرت الينابيع المياه اللازمة لتربية المواشي، ولا سيما الأغنام والماعز في القرى والمناطق القريبة من البادية، وأسهمت في تلبية الاحتياجات المنزلية قبل انتشار شبكات المياه الحديثة.
ملتقى اجتماعي وذاكرة للأجيال
أشار الدويري إلى أن الينابيع احتلت مكانة خاصة في الحياة الاجتماعية لسكان الريف، إذ كانت مواقع للسقاية والتواصل وتبادل الأخبار والحديث عن شؤون القرى وأحوال أهلها.
وشهدت العيون المائية في الماضي لقاءات يومية بين السكان، وتجمعات للنساء والأطفال خلال جلب المياه، فيما كانت المساحات المحيطة ببعض الينابيع أماكن للاستراحة والتلاقي وتعزيز العلاقات بين أبناء المجتمع المحلي.
وارتبطت هذه المواقع بحكايات شعبية وأمثال ومواقف تناقلتها الأجيال، وأصبحت جزءاً من ذاكرة كبار السن وما يحتفظون به من تفاصيل الحياة الريفية القديمة وعادات التعاون والتكافل.
وأوضح الدويري أن القيمة الاجتماعية للينابيع ترتبط بما تحفظه من تاريخ المجتمعات المحلية وأنماط معيشتها، مشيراً إلى أن اندثارها قد يؤدي إلى فقدان معالم مرتبطة بذاكرة السكان، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر الحياة التي كانت تدور حولها.
الجفاف واستنزاف المياه الجوفية
بيّن الدويري أن عدداً من ينابيع ريف حمص يواجه تحديات بيئية ومائية، تتمثل في تراجع تدفق المياه في بعض المواقع وجفاف ينابيع أخرى، نتيجة عوامل مناخية وبشرية تؤثر في الموارد المائية السطحية والجوفية.
وأوضح أن تراجع الهطولات المطرية وتكرار مواسم الجفاف يؤثران في تغذية الأحواض الجوفية، إذ يؤدي انخفاض كميات الأمطار المتسربة إلى باطن الأرض إلى تراجع المخزون الذي تعتمد عليه بعض الينابيع في استمرار تدفقها.
وأشار إلى أن الضخ الكثيف من الآبار، ولا سيما مع الحفر العشوائي للآبار العميقة وضعف الرقابة على معدلات السحب، يزيد الضغط على المياه الجوفية، وقد يؤدي إلى انخفاض مناسيبها وتراجع غزارة الينابيع.
وتشمل التحديات أيضاً التوسع العمراني والتعديات على حرم بعض الينابيع ومجاريها الطبيعية، من خلال إشغال محيطها أو تغيير مسارات تصريف المياه أو ردم أجزاء منها.
وأكد الدويري أن تداخل هذه العوامل يستدعي حماية مصادر المياه وتنظيم استخدامها، ومراقبة التغيرات في مناسيب المياه الجوفية ومعدلات تدفق الينابيع.
توثيق الينابيع وحماية مصادرها
شدد الدويري على أهمية حصر ينابيع ريف حمص وتوثيق مواقعها وحالتها الراهنة، وتحديد الينابيع التي ما زالت متدفقة وتلك التي تراجع تدفقها أو تعرضت للجفاف.
وأوضح أن هذه الخطوة تتطلب دراسة أسباب التراجع في كل موقع، ووضع أولويات للتدخل وفق أهميته المائية والبيئية والتراثية.
ودعا إلى تشديد الرقابة على حفر الآبار واستثمار المياه الجوفية، وضبط المخالفات التي تسهم في استنزاف المخزون المائي، إلى جانب حماية حرم الينابيع ومجاريها الطبيعية ومنع التعديات عليها.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من مشاريع الحصاد المائي وإنشاء الحفائر والسدات المائية في المواقع التي تسمح ظروفها الفنية والبيئية بذلك، بما يساعد على استثمار مياه الأمطار وتحسين تغذية بعض الأحواض الجوفية، شريطة الاستناد إلى دراسات هيدرولوجية تراعي خصائص كل منطقة.
كما أكد أهمية نشر الوعي بترشيد استهلاك المياه، وتشجيع المزارعين والأهالي على اعتماد أساليب ري أكثر كفاءة للحد من الهدر والمحافظة على الموارد المتاحة.
التأهيل وصون الذاكرة التراثية
لفت الدويري إلى أهمية الاهتمام بالقيمة التاريخية والاجتماعية للينابيع بالتوازي مع حماية مواردها المائية، من خلال تأهيل المواقع التي تسمح حالتها بذلك والمحافظة على خصوصيتها الطبيعية والتراثية.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من بعض هذه المواقع بوصفها معالم طبيعية وتراثية، تتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى تاريخ مناطقها وعلاقة السكان بالماء عبر العصور.
وتبرز في هذا السياق أهمية توثيق الحكايات الشعبية المرتبطة بالينابيع، وجمع الروايات التي يحتفظ بها كبار السن، بما يساعد على صون جانب من الذاكرة المحلية المرتبطة بالحياة الزراعية والاجتماعية في ريف حمص.
ذاكرة الماء مسؤولية مشتركة
تحتفظ ينابيع ريف حمص بقيمة مائية وبيئية وتراثية ارتبطت بتاريخ الاستقرار البشري والزراعة والعلاقات الاجتماعية، فيما تفرض تحديات الجفاف والاستنزاف والتعديات الحاجة إلى إجراءات تحافظ على ما تبقى منها.
وتتطلب حماية هذه الموارد الجمع بين الدراسات العلمية والرقابة على استثمار المياه الجوفية وتأهيل المواقع القابلة للاستعادة، إلى جانب تعزيز مشاركة الأهالي في المحافظة عليها.
ويبقى توثيق الينابيع وحماية مجاريها ومصادر تغذيتها خطوة أساسية لصون جزء من تاريخ ريف حمص وهويته المحلية، والحفاظ على معالم طبيعية ارتبطت بحياة أجيال متعاقبة، حتى لا تتحول العيون التي كانت مصدراً للحياة إلى أسماء محفوظة في ذاكرة المكان.