البيئة السورية في مواجهة إرث الحرب.. تحديات التلوث واستعادة الموارد الطبيعية

العروبة – خاص
خلّفت سنوات الحرب في سوريا أضراراً بيئية امتدت إلى الأراضي الزراعية والموارد المائية والغطاء النباتي والهواء، فيما أضاف الدمار العمراني وتراكم الأنقاض ومخلفات الحرب تحديات جديدة أمام حماية الموارد الطبيعية واستعادة مقومات الحياة في المناطق المتضررة.

ومع تضرر شبكات المياه والصرف الصحي ومرافق إدارة النفايات، وتراجع القدرة على صيانة بعض المنشآت الخدمية، ازدادت الضغوط على البيئة والصحة العامة، بالتزامن مع تأثيرات سنوات الجفاف وتراجع الهطولات المطرية والاستنزاف المتزايد لبعض الموارد الطبيعية.

وبمناسبة اليوم الوطني للبيئة في سوريا، تبرز أهمية تسليط الضوء على الأضرار التي أصابت البيئة خلال سنوات الحرب، والتمييز بين آثار العمليات العسكرية والعوامل المناخية والبشرية الأخرى، وصولاً إلى تحديد أولويات التعافي البيئي باعتباره جزءاً أساسياً من عملية إعادة الإعمار.

التربة الزراعية.. أضرار تتجاوز سطح الأرض
تُعد التربة من الموارد الطبيعية التي تعرضت لضغوط متعددة خلال سنوات الحرب، نتيجة العمليات العسكرية والحرائق وتراكم المخلفات في المناطق المتضررة، إلى جانب تعطل الأنشطة الزراعية في مساحات واسعة.

فالقصف وتدمير المنشآت والمباني خلّفا مواد ومخلفات مختلفة، قد يحتوي بعضها على معادن وملوثات كيميائية تؤثر في خصائص التربة، ولا سيما في المواقع التي شهدت حرائق صناعية أو تضررت فيها منشآت تحتوي على مواد خطرة.

وتختلف مستويات التلوث من منطقة إلى أخرى تبعاً لطبيعة العمليات العسكرية والمواد المستخدمة ونوع المنشآت المتضررة، ما يجعل إجراء الفحوص المخبرية ضرورياً لتحديد المواقع الملوثة ومدى صلاحيتها للاستخدام الزراعي أو العمراني.

كما أسهم انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة في تعطيل استثمار بعض الأراضي الزراعية، وعرقلة عودة المزارعين إلى حقولهم، فضلاً عن المخاطر التي تشكلها هذه المخلفات على السكان والعاملين في القطاع الزراعي.

وتبرز الحاجة إلى ربط إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بإزالة مخلفات الحرب الخطرة وتقييم حالة التربة، بما يضمن استعادة الإنتاج الزراعي دون تعريض المزارعين والمستهلكين لمخاطر محتملة.

المياه.. بنية تحتية متضررة وموارد تحت الضغط
تضررت خلال سنوات الحرب أجزاء من شبكات مياه الشرب والصرف الصحي ومحطات المعالجة، ما أثّر في انتظام الخدمات ورفع احتمالات التلوث في المواقع التي تعرضت فيها الشبكات للتخريب أو توقفت عن العمل.

وقد يؤدي تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى تلويث التربة والمجاري المائية، مع احتمال وصول الملوثات إلى بعض مصادر المياه الجوفية بحسب طبيعة التربة والظروف الهيدرولوجية في كل منطقة.

وتزداد أهمية هذه المشكلة في المناطق الزراعية التي تعتمد على الموارد المائية المحلية، إذ يمكن أن يؤثر استخدام المياه الملوثة في سلامة المحاصيل وجودة التربة والصحة العامة.

وفي موازاة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، تواجه الموارد المائية السورية ضغوطاً مرتبطة بتراجع الهطولات المطرية وتكرار مواسم الجفاف، إضافة إلى الضخ المكثف من الآبار في بعض المناطق.

الأنقاض.. تحدٍّ بيئي يرافق إعادة الإعمار
أنتج الدمار الذي أصاب الأحياء السكنية والمنشآت العامة والصناعية كميات كبيرة من الأنقاض ومخلفات الهدم، ما جعل التعامل معها أحد أبرز التحديات البيئية المرتبطة بمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

ولا تتشابه جميع الأنقاض من حيث طبيعتها أو درجة خطورتها، إذ قد تضم بعض المواقع مواد إنشائية قابلة لإعادة الاستخدام، فيما تحتوي مواقع أخرى على مخلفات خطرة أو مواد تحتاج إلى معالجة خاصة قبل نقلها أو تدويرها.

كما قد تختلط الأنقاض في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية بمخلفات متفجرة، الأمر الذي يستدعي التأكد من سلامة المواقع قبل البدء بأعمال الإزالة والفرز.

وتؤدي عمليات الهدم والنقل غير المنظمة إلى إثارة الغبار وانتشار الجسيمات العالقة، وقد تتسبب في انتقال بعض الملوثات إلى المناطق المجاورة إذا لم تُنفذ وفق إجراءات بيئية مناسبة.

تلوث الهواء.. آثار الحرائق والغبار وحرق النفايات
تعددت مصادر تلوث الهواء خلال سنوات الحرب، بين الحرائق التي طالت مباني ومنشآت مختلفة، والغبار الناتج عن القصف والانهيارات وأعمال الهدم، إضافة إلى حرق النفايات بصورة عشوائية في بعض المناطق عدا عن الأسلحة منها الكيميائية والتي استخدمت في عمليات القصف.

وتختلف الملوثات الناتجة عن هذه المصادر بحسب طبيعة المواد المحترقة أو المتضررة، إذ يمكن أن تتضمن الأدخنة والجسيمات الدقيقة مركبات ضارة تؤثر في جودة الهواء والصحة العامة.

كما يسهم تراكم الأنقاض في المناطق السكنية، وما يرافق عمليات إزالتها من غبار، في زيادة تعرض السكان والعاملين للجسيمات العالقة، خصوصاً عند غياب إجراءات الحد من انتشارها.

وتتطلب معالجة هذه المشكلة مراقبة جودة الهواء في المواقع الأكثر تعرضاً للتلوث، وتنظيم عمليات إزالة الأنقاض، ومنع الحرق العشوائي للنفايات، وتحسين إدارة المخلفات المنزلية والصناعية.

الغابات والمراعي.. ضغوط على الغطاء النباتي
واجه الغطاء النباتي في سوريا خلال سنوات الحرب تحديات متداخلة، شملت الحرائق والقطع الجائر للأشجار وتراجع أعمال الحماية والصيانة في بعض المناطق، إلى جانب تأثيرات الجفاف والتغيرات المناخية.

وأسهمت صعوبات الحصول على مصادر التدفئة والطاقة في زيادة الضغط على الأشجار في بعض المناطق، فيما أثّرت الظروف الأمنية والخدمية في القدرة على حماية الغابات والمراعي ومتابعة التعديات عليها.

ويؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى زيادة تعرض التربة للانجراف، وإضعاف قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، فضلاً عن التأثير في الموائل الطبيعية للكائنات الحية.

كما تواجه المراعي ضغوطاً مرتبطة بتراجع الأمطار والاستغلال غير المنظم في بعض المواقع، ما يؤثر في قدرتها على التجدد وتوفير الموارد اللازمة لتربية المواشي.

النفايات.. مشكلة خدمية بأبعاد بيئية وصحية

أثّر تضرر البنية التحتية والضغوط التي واجهتها المؤسسات الخدمية خلال سنوات الحرب في انتظام جمع النفايات وترحيلها ومعالجتها في عدد من المناطق.

ومع تراكم المخلفات المنزلية والأنقاض في بعض الأحياء، ازدادت الحاجة إلى تحسين خدمات النظافة وتوفير المعدات والحاويات ومواقع التخلص الآمن من النفايات.

وقد يؤدي تراكم النفايات إلى انتشار الروائح والحشرات والقوارض، فيما يتسبب حرقها عشوائياً في إطلاق أدخنة وملوثات تؤثر في جودة الهواء.

وتزداد المخاطر عندما تختلط النفايات المنزلية بمخلفات طبية أو صناعية أو مواد خطرة، ما يستدعي فصل هذه الأنواع والتعامل معها وفق إجراءات خاصة.

التنوع الحيوي.. خسائر يصعب تقديرها دون دراسات

امتدت الضغوط البيئية إلى الموائل الطبيعية التي تعيش فيها النباتات والحيوانات البرية، نتيجة تضرر الغطاء النباتي والحرائق والتغيرات التي طرأت على استخدام الأراضي والموارد المائية.

وقد يؤدي تدهور الغابات والمراعي والمناطق الرطبة إلى تقلص الموائل المناسبة لبعض الأنواع، والتأثير في مصادر غذائها وتكاثرها.

كما يمكن أن تعيق مخلفات الحرب الوصول الآمن إلى بعض المناطق الطبيعية، ما يصعّب تنفيذ الدراسات الميدانية وبرامج الحماية وإعادة التأهيل.

ورغم وضوح بعض مظاهر التدهور البيئي، فإن تحديد حجم الخسائر التي لحقت بالتنوع الحيوي السوري يحتاج إلى مسوحات علمية ومقارنات مع بيانات سابقة، بما يتيح تحديد الأنواع والموائل الأكثر تضرراً ووضع برامج مناسبة لحمايتها.

مخلفات الحرب.. خطر مستمر على الإنسان والأرض
تشكّل الألغام والذخائر غير المنفجرة أحد أخطر الآثار المستمرة للحرب، نظراً لانتشارها المحتمل في الأراضي الزراعية والمناطق السكنية والطرق والمواقع التي شهدت عمليات عسكرية.

وتمنع هذه المخلفات الاستخدام الآمن لبعض الأراضي والمرافق، وتعرقل عودة السكان وممارسة الأنشطة الزراعية والرعوية.

كما تعقّد عمليات إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل البنية التحتية، إذ تتطلب المواقع المشتبه بوجود مخلفات متفجرة فيها عمليات مسح وتطهير تنفذها جهات مختصة قبل السماح بأعمال البناء أو الزراعة.

ويُعد التعامل مع هذه المخلفات أولوية لحماية الأرواح وتمكين السكان من استعادة استخدام أراضيهم، فضلاً عن إتاحة المجال أمام تنفيذ مشاريع التأهيل البيئي والعمراني.

حمص.. تحديات بيئية بين المدينة والريف
تُعد محافظة حمص نموذجاً لتداخل التحديات البيئية المرتبطة بسنوات الحرب مع المشكلات المناخية والخدمية، نظراً لاتساع مساحتها وتنوع بيئاتها بين المدينة والأرياف الزراعية والمناطق القريبة من البادية.

ففي الأحياء التي تعرضت للدمار، تبرز تحديات إزالة الأنقاض وإدارة مخلفات البناء وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والمرافق الخدمية، بما يحد من مصادر التلوث ويحسن الظروف المعيشية للسكان.

وفي المناطق الزراعية، تبرز أهمية تقييم حالة الأراضي المتضررة، والتأكد من سلامتها من مخلفات الحرب، ومتابعة نوعية المياه المستخدمة في الري، إلى جانب معالجة الضغوط التي تواجه الموارد المائية.

أما في مناطق الريف الشرقي والبادية، فتتداخل آثار الحرب مع الجفاف وتراجع الغطاء النباتي والضغوط على المراعي ومصادر المياه، ما يستدعي دراسات تحدد طبيعة الأضرار وأسبابها في كل منطقة.

وتحتاج المحافظة إلى تقييم بيئي شامل يستند إلى بيانات الجهات المختصة ونتائج الفحوص الميدانية، لتحديد المواقع الأكثر تضرراً ووضع أولويات المعالجة والتأهيل.

التعافي البيئي جزء من إعادة الإعمار
تتطلب معالجة الأضرار البيئية في سوريا الانتقال من التدخلات المحدودة إلى برامج متكاملة ترتبط بخطط إعادة الإعمار والتنمية المحلية.

وتبدأ هذه البرامج بإجراء تقييمات علمية للمواقع المتضررة، وتحديد مصادر التلوث ومستوياته، وحصر المناطق التي تحتاج إلى معالجة عاجلة، ولا سيما المواقع القريبة من التجمعات السكنية والأراضي الزراعية ومصادر مياه الشرب.

كما تشمل الأولويات إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وإعادة تأهيل محطات المعالجة، وتحسين إدارة النفايات والأنقاض، ومراقبة جودة الهواء والمياه والتربة.

وتبرز الحاجة أيضاً إلى حماية الغابات والمراعي، وتنظيم استثمار المياه الجوفية، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وفق دراسات تراعي طبيعة كل منطقة ومواردها المتاحة.

ويتطلب نجاح هذه الجهود تنسيقاً بين المؤسسات المعنية بالبيئة والزراعة والمياه والإدارة المحلية والصحة، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث العلمي والمجتمعات المحلية.

ولا تقل أهمية التوعية البيئية عن الإجراءات الفنية، إذ تسهم مشاركة السكان في المحافظة على النظافة والموارد المائية والغطاء النباتي في دعم استدامة مشاريع التأهيل والحد من الممارسات التي تزيد التدهور البيئي.

اليوم الوطني للبيئة.. مناسبة لتحديد أولويات التعافي
يمثل اليوم الوطني للبيئة فرصة لإعادة تسليط الضوء على الأضرار التي لحقت بالموارد الطبيعية السورية خلال سنوات الحرب، والتأكيد على أن معالجة آثار الدمار تتطلب الاهتمام بالإنسان ومحيطه البيئي بالتوازي مع إعادة بناء المنشآت والمرافق.

كما تبرز أهمية الانتقال من توصيف المشكلات إلى حصر الأضرار وتوثيقها علمياً، وإعداد برامج واضحة للمعالجة والمتابعة، بما يسمح بقياس التحسن وتحديد الاحتياجات الفعلية للمناطق المتضررة.

ولا تكتمل إعادة إعمار سوريا بإعادة بناء المنازل والطرقات والمنشآت وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة سلامة مواردها الطبيعية، ومعالجة مصادر التلوث، وتأهيل البيئات المتضررة، بما يضمن للأجيال المقبلة أرضاً صالحة للحياة والإنتاج ومستقبلاً أكثر استدامة.

المزيد...
آخر الأخبار