العروبة – خاص
أثارت المقاطع المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعرض الخلافات الزوجية وتفاصيل الحياة الخاصة أو تستعرض الهدايا الفاخرة ومظاهر الثراء، تساؤلات حول تأثيرها النفسي والاجتماعي في العلاقات الأسرية، ولا سيما لدى الشباب والأزواج الذين يقارنون حياتهم اليومية بما يشاهدونه من صور قد لا تعكس الواقع الكامل لأصحابها.
وتحوّلت بعض الخلافات الأسرية إلى محتوى علني يستهدف جذب المشاهدات والتفاعل، فيما أسهم تكرار عرض الرحلات والهدايا الباهظة والمظاهر المترفة في تشكيل توقعات مادية قد تزيد الشعور بعدم الرضا وتؤثر في نظرة بعض المتابعين إلى نجاح العلاقة الزوجية.
تشويه مفهوم العلاقة الزوجية وتراجع الخصوصية
أوضحت الاختصاصية النفسية رهف قرنفل، في تصريح لـ«العروبة»، أن المحتوى المنشور على المنصات الاجتماعية يُفترض أن يسهم في التوعية بالمشكلات الأسرية وطرق معالجتها، إلا أن بعض المقاطع المتداولة تعرض الخلافات بأساليب قد تجعل الإهانة والإساءة سلوكيات مألوفة لدى المتابعين.
وأشارت إلى أن بعض هذه المقاطع يعتمد على حبكات درامية تستثير مشاعر الجمهور، وتدفعه أحياناً إلى التعاطف مع الطرف المسيء أو تبرير تصرفاته، ما يؤدي إلى الخلط بين السلوك المقبول والتصرفات المؤذية داخل العلاقة الزوجية.
ولفتت قرنفل إلى أن تحويل الخلافات والألفاظ المهينة إلى مادة للترفيه يضعف احترام الخصوصية الأسرية، ويشجع على نشر التفاصيل الشخصية سعياً وراء الانتشار والتفاعل، بدلاً من معالجة المشكلات بعيداً عن الجمهور.
دوافع نشر الخلافات الزوجية
بيّنت قرنفل أن نشر المشكلات الزوجية على وسائل التواصل الاجتماعي قد يرتبط بالرغبة في الحصول على الدعم والتعاطف الخارجي، إذ يمنح تفاعل المتابعين صاحب المنشور شعوراً بأنه الطرف المحق أو المظلوم، حتى قبل معرفة وجهة نظر الشريك الآخر.
وأضافت أن البحث عن الاهتمام والشهرة قد يشكل دافعاً آخر، خصوصاً عندما تصبح المشاهدات والتعليقات مصدراً للشعور بالأهمية، فيتحول الخلاف الأسري إلى وسيلة لاستقطاب الجمهور على حساب استقرار الأسرة وراحة أفرادها.
وأوضحت أن بعض الأشخاص قد ينشرون تفاصيل حياتهم الخاصة بهدف تحقيق عائد مادي، أو الانتقام من الشريك وإحراجه أمام الآخرين، الأمر الذي يزيد حدة الخلاف ويعقّد معالجته.
وأكدت أهمية احتواء المشكلات الزوجية بالحوار والتفاهم، أو الاستعانة بمختص عند الحاجة، بدلاً من تعريضها للتعليقات والتدخلات الخارجية.
مظاهر الثراء ومقارنات تستنزف الرضا النفسي
تمتد التأثيرات المحتملة للمحتوى الرقمي إلى المقاطع التي تستعرض الهدايا باهظة الثمن والمنازل الفاخرة والرحلات، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يواجهون ضغوطاً اقتصادية ويقارنون ظروفهم المعيشية بما يشاهدونه على الشاشات.
وأوضحت قرنفل أن هذه المقارنات ترتبط بمفهوم نفسي يُعرف بـ«الحرمان النسبي»، حيث يتأثر شعور الإنسان بالرضا عما يمتلكه من خلال مقارنة ظروفه وإمكاناته بما يراه لدى الآخرين.
وأشارت إلى أن المقارنة المستمرة قد تولّد شعوراً بالعجز أو التقصير لدى أحد الزوجين، عندما يعتقد أنه غير قادر على توفير مستوى الرفاهية المعروض في تلك المقاطع.
وقد تتحول الضغوط الاقتصادية في هذه الحالة إلى عبء نفسي إضافي، مع ارتباط تقييم العلاقة بالمظاهر المادية بدلاً من المودة والتفاهم والشراكة في مواجهة ظروف الحياة.
توقعات مرتفعة وخلافات داخل الأسرة
أوضحت قرنفل أن تكرار مشاهدة الهدايا الفاخرة والرحلات والمظاهر الاستثنائية قد يرفع سقف التوقعات لدى بعض المتابعين، ويجعلهم ينظرون إلى هذه المظاهر بوصفها تعبيراً ضرورياً عن الحب والاهتمام.
وبيّنت أن المقارنة المستمرة قد تضعف الرضا عن الحياة الزوجية، وتدفع أحد الطرفين إلى التساؤل عن أسباب عدم حصوله على ما يشاهده لدى الآخرين، دون مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين الأسر.
ولفتت إلى أن ما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس بالضرورة تفاصيل الحياة كاملة، إذ قد يقتصر على لحظات منتقاة لا تكشف طبيعة العلاقة أو التحديات التي يواجهها أصحابها.
وحذّرت من أن تصاعد المطالب المادية والشعور بالإحباط قد يؤديان إلى تكرار الخلافات بين الزوجين وتراجع التقدير المتبادل، وصولاً إلى الجفاء العاطفي واتساع الفجوة بينهما، وقد تتفاقم المشكلات في بعض الحالات إلى حد الانفصال.
وعي رقمي لحماية العلاقات الأسرية
نصحت قرنفل بالتعامل الواعي مع المحتوى المتداول على المنصات الرقمية، وإدراك أن ما يُعرض منها قد يكون مشهداً منتقى أو معدّاً بعناية لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار، ولا يمثل الصورة الكاملة لحياة أصحابه.
وشددت على أهمية الابتعاد عن الحسابات التي تثير الإحباط أو تدفع إلى المقارنة المستمرة، من خلال إلغاء متابعتها وتقليل الوقت المخصص للمحتوى الذي يؤثر سلباً في الحالة النفسية.
كما دعت إلى تعزيز الشعور بالامتنان والتركيز على الإمكانات الواقعية للأسرة، وعدم اتخاذ المظاهر المادية معياراً للحب أو نجاح العلاقة الزوجية.
وأكدت ضرورة ترسيخ الحوار بين الشريكين واحترام خصوصية المنزل، والابتعاد عن تحويل الخلافات إلى محتوى متاح للجمهور.
وأشارت إلى أهمية معالجة المشكلات بالحوار الهادئ أو الاستعانة بالمختصين عند تعذر الوصول إلى حلول، بما يتيح التعامل معها بعيداً عن ضغوط التعليقات والتدخلات الخارجية.
العلاقات الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور
تبرز مع الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي أهمية التمييز بين الصور التي تعرضها المنصات وواقع العلاقات الأسرية، وتجنب بناء التوقعات الزوجية على مشاهد منتقاة أو مظاهر مادية استثنائية.
وتبقى حماية الخصوصية واحترام الشريك وتقدير الإمكانات المتاحة والحوار الصادق من المرتكزات الأساسية لاستقرار الأسرة، بعيداً عن المقارنات المستمرة والسعي إلى إثبات نجاح العلاقة أمام جمهور وسائل التواصل الاجتماعي.