العروبة – خاص
بعد أكثر من خمس سنوات على استشهاده في معارك سراقب بريف إدلب، عادت رفات أيمن محمود العكش، المكنى بـ«أبو إبراهيم»، إلى مسقط رأسه في مدينة تلدو بمنطقة الحولة في ريف حمص الشمالي، حيث وُوري الثرى بين أهله وأبناء بلدته، بعدما غادرها مهجّراً عام 2018.
رحلة بدأت بمشاركته في الحراك الشعبي مع انطلاق الثورة السورية، وامتدت عبر جبهات القتال في الحولة ومخيمات التهجير في إدلب، قبل أن تنتهي باستشهاده عام 2020، وتُطوى صفحتها الأخيرة بعودة رفاته إلى الأرض التي نشأ فيها ودافع عنها.
في الثالث من آذار عام 2020، استشهد أيمن مع خمسة من رفاقه خلال مواجهات مع قوات النظام البائد جنوبي مدينة سراقب، وتعذر انتشال جثامينهم نتيجة شدة المعارك والقصف، لتبدأ سنوات من الانتظار عاشتها أسرته دون أن تتمكن من معرفة مكان جثمانه أو إقامة مراسم دفنه.
وفي الحادي والعشرين من نيسان عام 2025، تلقت العائلة اتصالاً من وزارة الداخلية أبلغتها فيه بالعثور على رفات بشرية في أرض زراعية بمدينة سراقب، لتبدأ إجراءات التعرف عليها، قبل أن تتأكد العائلة من أنها تعود إلى أيمن، ويُنقل رفاته إلى تلدو حيث شُيّع ودُفن في مقبرتها الشرقية.
ولم تكن عودة الرفات مجرد نهاية لسنوات الغياب، بل أعادت إلى ذاكرة العائلة وأبناء البلدة سيرة رجل شارك في الحراك الشعبي منذ بداياته، وخاض سنوات من المواجهات العسكرية في الحولة، ثم عاش تجربة التهجير قبل أن يستشهد بعيداً عن مسقط رأسه.
من تلدو إلى العمل في لبنان
وُلد أيمن محمود العكش عام 1985 في مدينة تلدو بريف حمص الشمالي، ونشأ فيها وتلقى تعليمه حتى حصل على شهادة البكالوريا من الثانوية المهنية في المدينة، وبعد إنهاء دراسته، اتجه إلى العمل في مجال البناء في لبنان، متنقلاً بين مكان عمله وبلدته التي بقي مرتبطاً بها وبأهلها.
وفي عام 2008، تزوج وأسس أسرته، ورُزق بأربعة أطفال هم إبراهيم وندى وموسى ونوح، قبل أن تدخل حياته مرحلة جديدة مع انطلاق الثورة السورية وما شهدته منطقة الحولة من أحداث ومواجهات.
وعُرف أيمن بين أبناء بلدته بنشاطه الرياضي، إذ لعب حارس مرمى في نادي تلدو، وترك ذكريات لدى زملائه الذين استعادوا بعد استشهاده مواقفه وأخلاقه وحسن تعامله مع الآخرين.
كما استذكر معارفه تواضعه واحترامه للجميع، وهي صفات رافقته خلال حياته المدنية والسنوات التي أمضاها مشاركاً في أحداث الثورة.
من المظاهرات إلى جبهات الحولة
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان أيمن من المشاركين الأوائل في الحراك الشعبي بمنطقة الحولة، حيث انخرط في المظاهرات التي شهدتها المنطقة للمطالبة بالتغيير.
ومع تصاعد حملات القمع التي نفذتها قوات النظام البائد، وما رافقها من اعتقالات واستهداف للمظاهرات وقنص للمدنيين، انتقل أيمن، كغيره من أبناء المنطقة، من المشاركة في الحراك السلمي إلى حمل السلاح.
وشكل اقتحام قوات النظام للمنطقة في السابع من رمضان عام 2011 إحدى المحطات التي سبقت تصاعد المواجهات العسكرية، فيما شهدت الحولة لاحقاً مجزرة تركت أثراً بالغاً في ذاكرة أبنائها ومسار الأحداث فيها.
انخرط أيمن في صفوف المقاتلين المدافعين عن منطقة الحولة، وشارك في التصدي للحملات العسكرية المتعاقبة التي شنتها قوات النظام البائد والميليشيات الموالية له.
وخلال السنوات التالية، تنقل بين جبهات المنطقة، في ظل استمرار المواجهات والحصار والظروف الصعبة التي عاشها سكان ريف حمص الشمالي.
ولم ينفصل مساره خلال تلك المرحلة عن حياة أسرته وأبناء بلدته، الذين واجهوا آثار العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، وصولاً إلى التهجير الذي فرض على أهالي المنطقة عام 2018.
التهجير.. مغادرة الحولة إلى إدلب
في أيار عام 2018، اضطر أيمن إلى مغادرة ريف حمص الشمالي برفقة عائلته، ضمن عمليات التهجير التي فرضها النظام البائد بدعم روسي على أبناء المنطقة.
وانتقل مع أسرته إلى محافظة إدلب، ليستقر في مخيم كفرلوسين شمالي المحافظة، بعيداً عن مدينة تلدو التي أمضى فيها طفولته وشبابه وشارك في الدفاع عنها خلال سنوات الثورة.
ومثّل الانتقال إلى المخيم مرحلة جديدة في حياة الأسرة، بعدما انتقلت من بلدتها إلى بيئة مختلفة فرضتها ظروف التهجير، شأنها شأن آلاف الأسر السورية التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها.
وبعد وصوله إلى إدلب، انضم أيمن إلى صفوف الشرطة الحرة التابعة لحكومة الإنقاذ، مواصلاً عمله في المحافظة التي أصبحت موطناً مؤقتاً لكثير من المهجرين.
ورغم انتقاله إلى إدلب واستقراره مع أسرته في كفرلوسين، بقي مرتبطاً بالأحداث العسكرية، وعاد إلى الجبهات مع تصاعد الحملة التي شنتها قوات النظام البائد على منطقة سراقب مطلع عام 2020.
سراقب.. الأيام الأخيرة
مع بدء الحملة العسكرية على منطقة سراقب في السابع والعشرين من شباط عام 2020، توجه أيمن برفقة عدد من أصدقائه إلى الجبهات لمؤازرة المقاتلين المشاركين في التصدي لتقدم قوات النظام البائد.
وشملت مشاركته نوبات الرباط وأعمال التدشيم وتجهيز المواقع الدفاعية، في وقت شهدت فيه المنطقة مواجهات عنيفة وقصفاً جوياً مكثفاً.
وبعد خمسة أيام على بدء الحملة، وفي الثالث من آذار عام 2020، تعرض أيمن وخمسة من رفاقه لكمين نصبته قوات النظام البائد خلال تقدمها جنوبي مدينة سراقب.
وأسفر الكمين عن استشهادهم جميعاً، فيما حالت شدة العمليات العسكرية والقصف دون الوصول إلى جثامينهم وانتشالها من موقع المواجهات.
وهكذا انتهت حياة أيمن بعيداً عن مدينته وأسرته، دون أن تتمكن عائلته من وداعه أو دفنه، ليبقى جثمانه في أرض المعركة سنوات طويلة.
خمس سنوات من الانتظار
لم تتمكن عائلة أيمن، بعد استشهاده، من الوصول إلى جثمانه، وظلت تجهل مكان رفاته طوال السنوات التالية.
وكانت الأسرة قد واجهت تجربة التهجير من الحولة إلى إدلب، قبل أن تتلقى خبر استشهاده، لتضاف إلى معاناتها خسارة الأب والزوج وتعذر إقامة مراسم وداعه ودفنه.
واستمر غياب الجثمان أكثر من خمس سنوات، دون أن تتوافر للعائلة إمكانية استعادته، إلى أن حمل نيسان عام 2025 خبراً أعاد فتح ملف استشهاده.
ففي أثناء حراثة أرض زراعية في مدينة سراقب، عثر أحد المزارعين على رفات بشرية، لتبدأ بعدها عملية التحقق من هوية صاحبها والتواصل مع ذويه.
محمد العكش يروي تفاصيل العثور على الرفات
استعاد شقيق الشهيد، الأستاذ محمد سميح محمود العكش، في حديث خاص لـ«العروبة»، تفاصيل الأيام التي أعقبت العثور على الرفات، والإجراءات التي انتهت بنقلها إلى مسقط رأس شقيقه.
وأوضح أنه في الحادي والعشرين من نيسان عام 2025، تواصلت وزارة الداخلية مع العائلة وأبلغتها بأن أحد المزارعين عثر على رفات بشرية أثناء حراثة أرضه في مدينة سراقب.
وبيّن أن زملاء أيمن في قسم شرطة كفرلوسين شمالي إدلب تمكنوا من التعرف على الرفات من خلال الكنزة التي كان يرتديها وجهاز النداء الخاص به، اللذين عُثر عليهما في موقع الاستشهاد.
وأشار إلى أن زوجة الشهيد أكدت أيضاً، خلال حديثها لـ«العروبة»، تعرفها على هذه المقتنيات، ما أسهم في تأكيد هوية الرفات لدى العائلة.
وبعد سنوات من الانتظار، أصبحت الأسرة أمام فرصة لوداع أيمن ودفنه في مسقط رأسه، بعدما حالت ظروف المعركة دون ذلك عند استشهاده عام 2020.
وزارة الداخلية تنقل الرفات إلى تلدو
أوضح محمد العكش أن وزارة الداخلية تولت نقل رفات شقيقه من محافظة إدلب إلى مدينة تلدو في ريف حمص الشمالي، بمشاركة وفد رسمي ترأسه مدير شرطة إدلب حينها.
ووصل موكب الشهيد إلى مسقط رأسه في منطقة الحولة، حيث شارك أبناء بلدته في تشييعه، قبل مواراة رفاته الثرى في مقبرة تلدو الشرقية.
وحملت مراسم التشييع معنى خاصاً للعائلة، التي لم تتمكن من دفنه عند استشهاده، واضطرت إلى انتظار أكثر من خمس سنوات حتى عاد إلى مدينته.
وقال محمد العكش إن عودة رفات شقيقه إلى تلدو بعد سنوات من الغياب كانت لحظة كبيرة في حياة الأسرة، بعدما أُكرم بالدفن في أرضه وبين أهله وأبناء بلدته.
واختصر مشاعره بالقول إن الله أبى إلا أن يُدفن أيمن في قريته ومسقط رأسه، في جنازة تليق به وبكل شهداء الثورة السورية.
وبذلك انتهت رحلة الجثمان التي بدأت في أرض المعركة جنوبي سراقب، فيما بقيت سيرة أيمن حاضرة في ذاكرة عائلته وأصدقائه وأبناء بلدته.
أربعة أطفال يحملون ذكرى والدهم
ترك أيمن خلفه أربعة أطفال هم إبراهيم وندى وموسى ونوح، الذين عاشوا تجربة التهجير من الحولة إلى إدلب، قبل أن يفقدوا والدهم في معارك سراقب.
وبقيت ذكراه جزءاً من حياة أسرته، التي واصلت مسيرتها بعد استشهاده، في ظل الظروف التي فرضتها سنوات الحرب والتهجير.
وفي محطة حملت معنى خاصاً للعائلة، جرى تكريم ثلاثة من أبنائه، هم إبراهيم وموسى وندى، بعد إتمامهم حفظ القرآن الكريم.
وشكل هذا التكريم مناسبة لاستحضار ذكرى والدهم، الذي غاب عن مراحل من حياتهم، وبقي اسمه حاضراً في الأسرة وبين معارفه.
كما احتفظ زملاؤه وأصدقاؤه بذكريات عن حياته قبل الثورة وخلالها، من أيامه حارساً لمرمى نادي تلدو إلى مشاركته في جبهات الحولة، ثم رحلته الأخيرة إلى سراقب.
من أرض المعركة إلى تراب الحولة
امتدت رحلة أيمن العكش من مدينة تلدو التي وُلد ونشأ فيها، إلى العمل في لبنان، ثم المشاركة في الحراك الشعبي وجبهات القتال في الحولة، وصولاً إلى التهجير نحو إدلب عام 2018.
وفي سراقب، انتهت حياته في الثالث من آذار عام 2020، لكن ظروف المعركة حالت دون عودة جثمانه إلى أسرته، لتبقى رحلة الوداع مؤجلة أكثر من خمس سنوات.
وحين عُثر على رفاته في نيسان عام 2025، اكتملت الحلقة الأخيرة من رحلته، بعدما تولت وزارة الداخلية نقله إلى مسقط رأسه، حيث استقبله أبناء بلدته وشيعوه إلى مثواه الأخير في مقبرة تلدو الشرقية.
وتختصر حكاية أيمن جانباً من تجارب أبناء ريف حمص الشمالي الذين عاشوا الثورة والحصار والمواجهات والتهجير، وفقدت أسرهم أبناءها بعيداً عن مدنهم وقراهم.
عاد «أبو إبراهيم» إلى الحولة التي غادرها مهجّراً، لا ليبدأ حياة جديدة فيها، بل ليدفن في ترابها، بعد سنوات بقيت خلالها عائلته تنتظر معرفة مكانه.
وبين تلدو وسراقب، بقيت سيرة أيمن شاهدة على رحلة امتزجت فيها حياة الأسرة بتجربة الثورة والتهجير والفقد، وانتهت بعودة الرفات إلى الأرض التي انطلقت منها الحكاية.