التسول في حمص ظاهرة متفاقمة تتطلب حلولاً جذرية

تشهد مدينة حمص تزايداً لافتاً في ظاهرة التسول، ما بات يشكل مؤشراً مقلقاً على تداعيات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بعد سنوات الحرب، في ظل فقدان العديد من الأسر لمصادر دخلها وارتفاع نسب البطالة وغلاء المعيشة، الأمر الذي ساهم في اتساع رقعة الظاهرة وفرض تحديات متزايدة أمام الجهات المعنية.

ويرى مواطنون أن جزءاً كبيراً من المتسولين لا ينتمون إلى فئة المحتاجين فعلياً، بل اتخذوا التسول مهنة تدر عليهم دخلاً سهلاً، مشيرين إلى وجود شبكات منظمة تستغل الأطفال والقاصرين، حيث يتم نقلهم يومياً إلى الشوارع وجمعهم مساءً، بينما توجد في المقابل حالات حقيقية بحاجة إلى دعم وفرص عمل تحفظ كرامتها.

ويؤكد أصحاب محال تجارية في شوارع حيوية كالدبلان والحضارة أن حمص لم تعتد سابقاً على هذا الانتشار الواسع للتسول، معتبرين أن الظاهرة تسيء إلى صورة المدينة المعروفة بتكافلها الاجتماعي، مطالبين الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها في معالجتها، خاصة في المرحلة الحالية.

في المقابل، أعرب مواطنون عن تعاطفهم مع المتسولين من أصحاب الحاجات الفعلية، متسائلين عن مصيرهم في حال منعهم من التسول دون توفير بدائل معيشية، ومؤكدين أن القضاء على الظاهرة يتطلب جهداً مجتمعياً متكاملاً وحلولاً حقيقية تتجاوز المعالجة الأمنية.

رئيس مكتب التسول في جمعية البر والخدمات الاجتماعية بحمص المهندس عبد اللطيف البريجاوي أوضح أن المدينة كانت شبه خالية من التسول لعقود بفضل التنسيق بين الجمعية ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، إلا أن تراجع عمل الجمعيات مع بداية الحرب أعاد الظاهرة إلى الواجهة، لتصبح مستعصية في بعض جوانبها، حيث تم ضبط 759 حالة تسول خلال ثلاثة أشهر، بينها حالات مكررة عديدة.

وأشار البريجاوي إلى تشكيل مكتب للتسول بالتنسيق مع محافظة حمص، والعمل حالياً على مكافحة الظاهرة ومعالجة أسبابها، مبيناً أن عمليات البحث أظهرت وجود متسولين يتخذونها مهنة، إضافة إلى ضبط شبكات تستغل الأطفال والنساء، ما استدعى التنسيق مع القضاء والأجهزة الأمنية للتصدي لها نظراً لخطورتها الاجتماعية.

ولفت إلى أن من أبرز التحديات الحالية مشكلة المشردين الذين لا يمتلكون مأوى ويعانون غياب الرعاية الأسرية، مؤكداً السعي لإيجاد دار لمساعدة المشردين ، حيث يتم تحويل المتسولين إلى دراسة اجتماعية، وإحالة من يثبت امتهانه للتسول إلى القضاء، بينما يتم التعامل مع الحالات الأولى بالتعهد، وتحويل المستحقين للمساعدة إلى لجنة الدعم الاجتماعي لتقديم السلال الغذائية والرعاية الطبية، ما يشكل عبئاً مادياً متزايداً على الجمعية.

وشدد البريجاوي على ضرورة سن تشريعات تتيح إحالة الأطفال المتسولين إلى مراكز تشرد لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، مشيراً إلى صعوبة تأمين فرص عمل دون تدريب وتأهيل، ومبدياً استعداد الجمعية لتأمين الموارد اللازمة في حال تخصيص مراكز مناسبة لذلك، داعياً في الوقت ذاته إلى عدم إعطاء المال للمتسولين لما لذلك من أثر سلبي في تفاقم الظاهرة.

من جهته أكد مدير المكتب الإعلامي في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بحمص الأستاذ قصي بكار أن المديرية استجابت لشكاوى المواطنين وأصحاب المحال التجارية، حيث تم جمع وضبط حالات التسول والتشرد المنتشرة في الشوارع والأسواق، ودراسة أوضاعها من قبل فرق مختصة، مع التمييز بين الحالات المحتاجة فعلياً والحالات التي تمتهن التسول، مبيناً أن الإحصاءات لا تزال غير نهائية بسبب استمرار الظاهرة، وأن العمل الميداني متواصل للحد منها وفق الإمكانيات المتاحة.

وفي سياق متصل، برز ما يُعرف بالتسول الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التبرع، من خلال نشر قصص وصور مزيفة لاستدرار عطف الناس وجمع الأموال دون حاجة حقيقية، ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع بالتبرعات والعمل الخيري، في ظل غياب نص قانوني صريح يجرّم هذا النوع من التسول، مع إمكانية تصنيفه ضمن الاحتيال الإلكتروني.

ويبقى التسول بكافة أشكاله ظاهرة خطيرة تتطلب مسؤولية جماعية، عبر برامج تأهيل وتدريب مهني، ودعم اجتماعي مستدام، وسياسات واضحة تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية وبناء مجتمع أكثر تماسكاً وخالياً من هذه الظاهرة المتفاقمة.

العروبة ـ ابتسام الحسن

المزيد...
آخر الأخبار